لا يكاد يمر يوم على العراق المحتل - والذي يحلو للبعض أن يطلق عليه «العراق الجديد« اعتقادًا منهم أنه سيكون أفضل حالاً مما كان عليه في ظل النظام السابق، وأنه ستسوده قيم الشفافية والديمقراطية وحقوق الإنسان - حتى يكشف النقاب عن مأساة جديدة يعيشها العراقيون.. فخلال الأيام القليلة الماضية فقط، اكتشفت فضيحتان من «العيار الثقيل« أولاهما تتعلق باعتراف المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية باستخدام «قنابل الفسفور الأبيض الحارق«،
وهي أسلحة كيماوية محرمة دوليا، ضد سكان مدينة الفلوجة من المدنيين، وذلك أثناء اقتحامها من قبل القوات الأمريكية والعراقية في نوفمبر 2004، أما الفضيحة الثانية، والأكثر خطورة، تلك التي كشفت عنها الإدارة الأمريكية نفسها عندما عثرت قواتها مصادفة - على حد زعمها - على ما يقرب من 173 معتقلاً عراقيا في قبو تابع لوزارة الداخلية العراقية في منطقة «الجاردية« بالعاصمة العراقية بغداد، يعانون من الجوع وسوء التغذية، وقد بدت آثار التعذيب والضرب واضحة على أجسادهم، وسط مخاوف من أن يكون هذا القبو واحدًا ضمن سلسلة من السجون والمعتقلات السرية التي أنشأها وزير الداخلية «بيان جبر صولاغ«، والمعروف بعلاقاته الوطيدة بقوات «فيلق بدر« - الجناح العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية - للتنكيل بالمعتقلين، ومعظمهم من السنة، في ظل ورود معلومات تقول إن هناك أكثر من 69 من ضباط الاستخبارات الإيرانية، وقوات «فيلق بدر« بين المحققين الذين قاموا بعمليات التعذيب تلك... وبحسب رواية لواء منشق عن وزارة الداخلية يوم 18/11/2005، فإن وزير الداخلية العراقي يشرف على «جهاز أمني سري« يتولى تعذيب المعارضين وتصفيتهم، مضيفًا أنه يوجد أكثر من ستة مراكز اعتقال وتعذيب لمعتقلين من السنة بينها ملجأ الجاردية. وهو ما أثار مجددًا المخاوف من عودة شبح الطائفية ليخيم على الأجواء العراقية، وينذر بتزايد احتمالات دخول البلاد في آتون حرب أهلية مدمرة، وخاصة أنه لم يكد يمر يومان على ذلك الحدث حتى قام انتحاريون بتفجير حافلة أمام فندق الحمراء القريب من هذا المعتقل.. بالتزامن مع تفجير مسجدين للشيعة في بلدة خانقين القريبة من الحدود الإيرانية، ما أسفر عن مقتل وإصابة ما يقرب من 200 شخص، وهي تطورات تثير في مجملها مجددًا التساؤلات حول مستقبل هذا البلد، وما سيؤول إليه في ظل احتلال غاشم، وسياسيين عراقيين لا يعنيهم سوى تحقيق انتصارات طائفية، لن تؤدي في النهاية سوى إلى تقسيم العراق وتفتيته. وكانت القوات الأمريكية قد داهمت هذا المعتقل القابع في حي الجاردية يوم 13/11/2005، للبحث عن صبي عراقي تحتجزه السلطات المحلية من دون مسوغ قانوني، وإذا بها تفاجأ - وفقًا لها - بوجود ما يقرب من 173 معتقلاً عراقيا، معظمهم من السنة العرب، بدوا وكأنهم تعرضوا لعمليات تعذيب وتنكيل جسدية بشعة، وحرموا من الماء والغذاء لفترات طويلة، وأصيب بعضهم بالشلل وعاهات أخرى من جراء ذلك، كما عثر بجوارهم على معدات يمكن استخدامها في عمليات التعذيب، كقضبان معدنية وخراطيم مطاطية، إضافة إلى مواد كيمائية، وهو ما بدا وكأنه عمليات تعذيب طائفية ممنهجة تقوم بها الداخلية العراقية ضد المعتقلين، ما ولد موجة استياء عارمة في الأوساط السياسية والحقوقية والإعلامية. ففي العراق، طالبت أحزاب وهيئات سنية نافذة بفتح تحقيق دولي في قضية سوء معاملة المعتقلين في السجون العراقية، حيث أكد «طارق الهاشمي« الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي - أحد أكبر الأحزاب السنية بالعراق - ضرورة إجراء تحقيق دولي في هذه القضية، وناشد المرجعيات الشيعية، وعلى رأسها آية الله علي السيستاني شجب مثل هذه الأعمال، داعيًا إلى إقالة وزير الداخلية إذا ما ثبت صحة تورطه فيها. فيما طالب «إياد السامرائي« الأمين العام المساعد للحزب بإجراء تحقيق دولي تشرف عليه الأمم المتحدة والجامعة العربية والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، قائلاً: «لقد بدأنا نشك بتورط جهات على مستوى عال في السلطة في هذه القضية، وخاصة أنه تم تشكيل عدة لجان حكومية سابقة من دون فائدة«، واتفق معه في ذلك الشيخ «عبدالسلام الكبيسي« من هيئة علماء المسلمين السنة الذي اتهم أجهزة الداخلية باعتقال العراقيين وممارسة التعذيب بحقهم ثم إطلاق سراحهم مقابل مبالغ مالية كبيرة، مشيرًا إلى أن الهيئة لديها العديد من الوثائق التي تثبت صحة هذه الاتهامات، وأنها قامت بتزويد الأمين العام للجامعة العربية «عمرو موسى« بنسخة منها أثناء زيارته لبغداد في شهر أكتوبر الماضي، فيما أكد رئيس الجمعية الوطنية العراقية (البرلمان) «حاجم الحسني« أن الجمعية قررت استدعاء «رئيس الوزراء الجعفري« لاستجوابه حول هذه الفضيحة. وكانت العديد من الهيئات الحكومية والقانونية قد أعربت من قبل عن قلقها من تزايد هذه العمليات، فمن جانبها كشفت هيئة «الادعاء العام في العراق« التابعة لمجلس القضاء الأعلى عن وجود عمليات اغتصاب وتعذيب قام بها محققون عراقيون بحق موقوفات في مراكز الاعتقال التابعة لوزارة الداخلية، كما أكد تقرير للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان العراقية وقوع اعتداءات بدنية ونفسية يتعرض لها المعتقلون في هذه المراكز الحكومية. ومن جانبه قال «عبدالحسين شعبان« رئيس الشبكة العراقية لثقافة حقوق الإنسان إن مثل هذه الظواهر تعيد العراق إلى «عصر الديكتاتورية الصدامية«، مؤكدًا ضرورة معاقبة المتورطين في ذلك. ودوليا: عبر الأمين العام للأمم المتحدة «كوفي عنان« في التقرير الأخير الذي قدمه إلى مجلس الأمن عن قلقه من عمليات التعذيب التي تتم على أيدي أجهزة الأمن الحكومية في العراق، فيما وصف «آدم إيريلي« المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية هذه الأحداث بأنها «مثيرة للقلق«؛ مشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية تريد من الحكومة العراقية أن تعاقب الجناة إذا ثبتت صحة هذه الاتهامات. وأصدرت منظمة «هيومان رايتس ووتش« المعنية بحقوق الإنسان تقريرا جاء فيه أن السجون العراقية تشهد صنوفا من التعذيب المنظم والممنهج وسوء المعاملة، تورطت فيه أجهزة الأمن العراقية، موضحا بعضا من صور التعذيب تلك، مثل اللجوء إلى الصعق الكهربائي في أماكن حساسة من الجسم، والاعتقال في زنزانات ضيقة تفتقر إلى أبسط المعايير الدولية للسجون. وفي محاولة لاحتواء الأمر، أكد رئيس الوزراء العراقي «إبراهيم الجعفري« تشكيل لجنة تحقيق خاصة تخضع لإشرافه الشخصي، وتضم خمسة قضاة ومستشارين أمنيين وقانونيين للتحقيق في هذه المزاعم، ورغم اعتراف نائب وزير الداخلية «حسين كمال« في لقاء له مع شبكة التليفزيون الأمريكية «سي إن إن« بوجود بعض الأساليب الوحشية التي استخدمت في ذلك المبنى، وأن بعض الحالات قد أصيبت بالشلل من جراء تعذيبها، مشيرًا إلى أن ما حدث هو «الأسوأ ولا يمكن إنكاره«، سارع وزير الداخلية «صولاغ« إلى نفي ذلك، مشيرًا إلى أن القضية قد تم تضخيمها، وأن المعتقلين في هذا المبنى هم من «أخطر الإرهابيين« في العراق، وأن من بينهم مواطنين عربًا إرهابيين، موضحًا أن أحدهم فجر أربع سيارات مفخخة وقتل 66 عراقيا، مؤكدا أن هذا المعتقل كان يستخدمه وزير الداخلية السابق «فلاح النقيب«، وأن به قاضٍ وهيئة تحقيقية تتكون من 29 ضابطا عراقيا، بينهم بعثيون لم يشملهم قرار اجتثاث البعث، وأن القوات الأمريكية كانت على علم بهذا المعتقل، وأنها كانت تزوره باستمرار، وحتى وزارة حقوق الإنسان كانت على علم به وبمن فيه. ولا تعد هذه هي المرة الأولى التي يكشف فيها النقاب عن عمليات تعذيب وحشية تقترفها القوات العراقية، بالتعاون مع بعض الميليشيات الشيعية، ضد أطراف عراقية سنية، وذلك في إطار الحرب الطائفية المشتعلة في العراق منذ احتلاله، حيث تزايدت تلك العمليات بشكل واضح في ظل سيطرة الحكومة الانتقالية بزعامة الجعفري، فقد استنجدت الرابطة العراقية لحقوق الإنسان في تقرير أصدرته في إبريل الماضي بالمنظمات الدولية لإنقاذ المعتقلين من أيدي الشرطة العراقية التي تنتهج أساليب وحشية في التعذيب تضاهي تلك التي اشتهر بها الجنود الأمريكيون في سجن أبوغريب، وهو ما أكدته بعض الصحف الغربية نفسها، ففي 20/5/2005 أشارت صحيفة «واشنطن بوست« إلى أن الجيش الأمريكي اكتشف حالات لعراقيين تعرضوا لعمليات تعذيب بشعة على أيدي القوات العراقية، موضحة أن ضباط الجيش العراقي يرفضون معاملة السجناء بشكل جيد بحجة أن هدفهم الأول هو استهداف أجهزة الأمن العراقية «مما يجعلهم يستحقون هذه المعاملة السيئة«، على حد قولهم، كما أكدت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز« يوم 19/6/2005 أن قوات الأمن العراقية تستخدم نفس الوسائل والتقنيات التي كانت تستخدم إبان عهد الرئيس السابق صدام حسين، ونقلت عن القاضي «لقمان ثابت« قوله إن 90% من هؤلاء المعتقلين يؤكدون أنهم اعترفوا بجرائم لم يرتكبوها نتيجة هذا التعذيب. وتشير أصابع الاتهام في الغالب إلى أن عمليات التعذيب تلك تقوم بها قوات الشرطة العراقية بمساعدة ميليشيات شيعية، ضمن مخطط التطهير الطائفي والتصفيات المذهبية، فقد كشفت صحيفة «الأوبزرفر« البريطانية يوم 3/7/2005 عن أن المساعدات الأمريكية والبريطانية الموجهة للشرطة العراقية يجري تحويلها من قبل وزارة الداخلية العراقية لصالح وحدات «المغاوير« التابعة للشرطة العراقية، والتي تمارس انتهاكات واسعة بحق المعتقلين، ومعظمهم من المدن ذات الكثافة السنية، وذلك في سجون ومراكز اعتقال سرية تنتشر في جميع أنحاء البلاد، خارج إطار السلطة القضائية. وقد طالبت وزارة الدفاع البريطانية الحكومة العراقية في يوليو الماضي بالتحقيق في اتهامات بشأن تعذيب معتقلين عراقيين على أيدي قوات الأمن العراقية، فيما يعد إساءة استغلال للدعم الأمني الذي تتلقاه من القوات البريطانية في العراق. وفي مقال نشر بصحيفة «الإندبندنت« أبرز الكاتب «كيم سينجوباتا« أن قواتًا خاصة تعمل لحساب الحكومة، فضلاً عن فرق اغتيال مرتبطة بها تقوم بشن حرب سرية ضد السنة، فهناك أناس يعتقلون ويختفون لعدة أشهر ثم تظهر جثثهم مقيدة الأيدي فيما بعد في أماكن متفرقة من البلاد، وعليها علامات تعذيب بشعة كانوا قد تعرضوا لها قبل وفاتهم، وأضاف: «نادرًا ما تشاهد جنودًا أمريكيين في الخارج، ولكن هناك أعدادًا متزايدة من الميليشيات التي تدير نقاط التفتيش الخاصة بها، فضلاً عن قوات الشرطة الخاصة مثل لواء «ذئب«، ولواء «بركان« المدربة على أيدي القوات الأمريكية نفسها - والتي تثير الفزع في قلوب العراقيين لما تقوم به من أعمال اختطاف وتعذيب وقتل«. وتبعا للعديد من المراقبين، فإن فضيحة أبوغريب الجديدة، تدخل ضمن المؤشرات الدالة على وجود احتقان طائفي في المجتمع العراقي وصل إلى درجة تبادل الاتهامات الصريحة مؤخرًا بشكل دفع الشيخ حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين السنة بالعراق إلى اتهام منظمة بدر الشيعية - الجناح العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق - بأنها تقف وراء اغتيال علماء وأئمة السنة في البلاد. ورغم نفي المنظمة مسؤوليتها عن قتل أي من علماء السنة، وتأكيدها أن أزلام النظام السابق هم الذين يقومون بمثل هذه العمليات الإرهابية، فإنه فيما يبدو أن قادة السنة لديهم الأدلة الدامغة على تورط المنظمة في هذه الجرائم، وهو ما دفعهم إلى توجيه الاتهامات لها علنًا. وشملت اتهامات السنة بالاضطهاد الحكومة الانتقالية أيضًا؛ حيث وجهت الهيئة اتهامات لها بممارسة إرهاب الدولة ضد الطائفة السنية، وأكدت في بيان لها أن القوات العراقية قامت بتنفيذ حملة مداهمات واعتقالات واسعة جدا في مناطق كثيرة من العراق ولاسيما محافظة بغداد، موضحة أن مناطق عديدة منها تعرضت للحصار والدهم وحملات الاعتقال التي طالت خلال يومين فقط أكثر من 100 شخص، مشيرة إلى أن «حي الشعب« في بغداد شهد أحداثًا خطيرة تمثلت في قتل بعض الأشخاص أثناء المداهمة ومنهم الشيخ «حميد مخلف الدليمي« واعتقال الشيخ «حسن هادي النعيمي« عضو مجلس شورى الهيئة، ثم قتل بعض المعتقلين معه وتم إلقاؤهم على أطراف حي الشعب وقرب مسجد الفردوس في حي «أور« في العاصمة. وقال الشيخ الضاري رئيس الهيئة إن هناك صمتًا غير مبرر يمكن أن يفسر على أنه موافقة ضمنية لما يمارسه الجنود العراقيون من انتهاكات، مضيفًا أن السنة يواجهون حالة من إرهاب الدولة وإرهاب الأجهزة الأمنية مستخدمين صفتهم الرسمية لتحقيق أغراضهم الخاصة. كما اتهم ديوان الوقف السني قوات الأمن العراقية بقتل عدد من رجال الدين والمصلين والعاملين في المساجد السنية في بغداد، وحذر رئيس الوقف الدكتور «عدنان الدليمي« من وقوع فتنة طائفية نتيجة تزايد الأعمال الانتقامية ضد السنة منذ تشكيل الحكومة العراقية المؤقتة أواخر شهر يونيو الماضي، مضيفًا أن «مساجدنا تداهم كل يوم ويعتقل أئمة المساجد والمصلون.. وكأنها محاولة للتطهير الطائفي«. ويشير المراقبون إلى أن الكشف عن هذه الفضيحة الجديدة، والتي أعقبها تفجير مسجدين للشيعة قرب الحدود الإيرانية إنما هو تأكيد على أن هذا التوتر الطائفي لا يزال يمثل خطرًا جديًا على استقرار العراق وأمنه. وبصفة عامة، فإن ما حدث يكشف عن حقيقة مهمة، ألا وهي كذب الادعاءات الأمريكية بأن عراق اليوم أصبح مركزًا لنشر القيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في المنطقة، فالبعض يرى أن العراق الجديد لا يختلف كثيرًا عما كان عليه إبان عهد صدام حسين؛ فتحت عنوان «وحشية بغداد: أحداث الأسبوع الجاري تسببت في ضرر مضاعف« قالت صحيفة «الجارديان« إن فضيحة أبوغريب العراقية أساءت إلى حجة واشنطن بأنها «قالت ديكتاتورا واستبدلته بمن هو أفضل«. بينما يشير آخرون إلى أن العراق الجديد هو أسوأ حالاً من عراق الأمس، فلاتزال قوات الاحتلال تنتشر في أرجائه تقتل عشرات، بل مئات المدنيين، وتفتك بهم، مستخدمة في ذلك الأسلحة التقليدية والأسلحة المحرمة دوليا، تساعدها في ذلك قوات الأمن العراقية، ولاتزال الحكومة العراقية تسيطر عليها النزعة الطائفية، وتتغلب المصالح الشخصية لعناصرها على المصلحة العليا للعراق، ولا يزال الفساد مستشريا في جميع الأجهزة الحكومية. ويظل الشعب العراقي وحده هو من يدفع ثمن كل هذه الأخطاء والممارسات.
وهي أسلحة كيماوية محرمة دوليا، ضد سكان مدينة الفلوجة من المدنيين، وذلك أثناء اقتحامها من قبل القوات الأمريكية والعراقية في نوفمبر 2004، أما الفضيحة الثانية، والأكثر خطورة، تلك التي كشفت عنها الإدارة الأمريكية نفسها عندما عثرت قواتها مصادفة - على حد زعمها - على ما يقرب من 173 معتقلاً عراقيا في قبو تابع لوزارة الداخلية العراقية في منطقة «الجاردية« بالعاصمة العراقية بغداد، يعانون من الجوع وسوء التغذية، وقد بدت آثار التعذيب والضرب واضحة على أجسادهم، وسط مخاوف من أن يكون هذا القبو واحدًا ضمن سلسلة من السجون والمعتقلات السرية التي أنشأها وزير الداخلية «بيان جبر صولاغ«، والمعروف بعلاقاته الوطيدة بقوات «فيلق بدر« - الجناح العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية - للتنكيل بالمعتقلين، ومعظمهم من السنة، في ظل ورود معلومات تقول إن هناك أكثر من 69 من ضباط الاستخبارات الإيرانية، وقوات «فيلق بدر« بين المحققين الذين قاموا بعمليات التعذيب تلك... وبحسب رواية لواء منشق عن وزارة الداخلية يوم 18/11/2005، فإن وزير الداخلية العراقي يشرف على «جهاز أمني سري« يتولى تعذيب المعارضين وتصفيتهم، مضيفًا أنه يوجد أكثر من ستة مراكز اعتقال وتعذيب لمعتقلين من السنة بينها ملجأ الجاردية. وهو ما أثار مجددًا المخاوف من عودة شبح الطائفية ليخيم على الأجواء العراقية، وينذر بتزايد احتمالات دخول البلاد في آتون حرب أهلية مدمرة، وخاصة أنه لم يكد يمر يومان على ذلك الحدث حتى قام انتحاريون بتفجير حافلة أمام فندق الحمراء القريب من هذا المعتقل.. بالتزامن مع تفجير مسجدين للشيعة في بلدة خانقين القريبة من الحدود الإيرانية، ما أسفر عن مقتل وإصابة ما يقرب من 200 شخص، وهي تطورات تثير في مجملها مجددًا التساؤلات حول مستقبل هذا البلد، وما سيؤول إليه في ظل احتلال غاشم، وسياسيين عراقيين لا يعنيهم سوى تحقيق انتصارات طائفية، لن تؤدي في النهاية سوى إلى تقسيم العراق وتفتيته. وكانت القوات الأمريكية قد داهمت هذا المعتقل القابع في حي الجاردية يوم 13/11/2005، للبحث عن صبي عراقي تحتجزه السلطات المحلية من دون مسوغ قانوني، وإذا بها تفاجأ - وفقًا لها - بوجود ما يقرب من 173 معتقلاً عراقيا، معظمهم من السنة العرب، بدوا وكأنهم تعرضوا لعمليات تعذيب وتنكيل جسدية بشعة، وحرموا من الماء والغذاء لفترات طويلة، وأصيب بعضهم بالشلل وعاهات أخرى من جراء ذلك، كما عثر بجوارهم على معدات يمكن استخدامها في عمليات التعذيب، كقضبان معدنية وخراطيم مطاطية، إضافة إلى مواد كيمائية، وهو ما بدا وكأنه عمليات تعذيب طائفية ممنهجة تقوم بها الداخلية العراقية ضد المعتقلين، ما ولد موجة استياء عارمة في الأوساط السياسية والحقوقية والإعلامية. ففي العراق، طالبت أحزاب وهيئات سنية نافذة بفتح تحقيق دولي في قضية سوء معاملة المعتقلين في السجون العراقية، حيث أكد «طارق الهاشمي« الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي - أحد أكبر الأحزاب السنية بالعراق - ضرورة إجراء تحقيق دولي في هذه القضية، وناشد المرجعيات الشيعية، وعلى رأسها آية الله علي السيستاني شجب مثل هذه الأعمال، داعيًا إلى إقالة وزير الداخلية إذا ما ثبت صحة تورطه فيها. فيما طالب «إياد السامرائي« الأمين العام المساعد للحزب بإجراء تحقيق دولي تشرف عليه الأمم المتحدة والجامعة العربية والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، قائلاً: «لقد بدأنا نشك بتورط جهات على مستوى عال في السلطة في هذه القضية، وخاصة أنه تم تشكيل عدة لجان حكومية سابقة من دون فائدة«، واتفق معه في ذلك الشيخ «عبدالسلام الكبيسي« من هيئة علماء المسلمين السنة الذي اتهم أجهزة الداخلية باعتقال العراقيين وممارسة التعذيب بحقهم ثم إطلاق سراحهم مقابل مبالغ مالية كبيرة، مشيرًا إلى أن الهيئة لديها العديد من الوثائق التي تثبت صحة هذه الاتهامات، وأنها قامت بتزويد الأمين العام للجامعة العربية «عمرو موسى« بنسخة منها أثناء زيارته لبغداد في شهر أكتوبر الماضي، فيما أكد رئيس الجمعية الوطنية العراقية (البرلمان) «حاجم الحسني« أن الجمعية قررت استدعاء «رئيس الوزراء الجعفري« لاستجوابه حول هذه الفضيحة. وكانت العديد من الهيئات الحكومية والقانونية قد أعربت من قبل عن قلقها من تزايد هذه العمليات، فمن جانبها كشفت هيئة «الادعاء العام في العراق« التابعة لمجلس القضاء الأعلى عن وجود عمليات اغتصاب وتعذيب قام بها محققون عراقيون بحق موقوفات في مراكز الاعتقال التابعة لوزارة الداخلية، كما أكد تقرير للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان العراقية وقوع اعتداءات بدنية ونفسية يتعرض لها المعتقلون في هذه المراكز الحكومية. ومن جانبه قال «عبدالحسين شعبان« رئيس الشبكة العراقية لثقافة حقوق الإنسان إن مثل هذه الظواهر تعيد العراق إلى «عصر الديكتاتورية الصدامية«، مؤكدًا ضرورة معاقبة المتورطين في ذلك. ودوليا: عبر الأمين العام للأمم المتحدة «كوفي عنان« في التقرير الأخير الذي قدمه إلى مجلس الأمن عن قلقه من عمليات التعذيب التي تتم على أيدي أجهزة الأمن الحكومية في العراق، فيما وصف «آدم إيريلي« المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية هذه الأحداث بأنها «مثيرة للقلق«؛ مشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية تريد من الحكومة العراقية أن تعاقب الجناة إذا ثبتت صحة هذه الاتهامات. وأصدرت منظمة «هيومان رايتس ووتش« المعنية بحقوق الإنسان تقريرا جاء فيه أن السجون العراقية تشهد صنوفا من التعذيب المنظم والممنهج وسوء المعاملة، تورطت فيه أجهزة الأمن العراقية، موضحا بعضا من صور التعذيب تلك، مثل اللجوء إلى الصعق الكهربائي في أماكن حساسة من الجسم، والاعتقال في زنزانات ضيقة تفتقر إلى أبسط المعايير الدولية للسجون. وفي محاولة لاحتواء الأمر، أكد رئيس الوزراء العراقي «إبراهيم الجعفري« تشكيل لجنة تحقيق خاصة تخضع لإشرافه الشخصي، وتضم خمسة قضاة ومستشارين أمنيين وقانونيين للتحقيق في هذه المزاعم، ورغم اعتراف نائب وزير الداخلية «حسين كمال« في لقاء له مع شبكة التليفزيون الأمريكية «سي إن إن« بوجود بعض الأساليب الوحشية التي استخدمت في ذلك المبنى، وأن بعض الحالات قد أصيبت بالشلل من جراء تعذيبها، مشيرًا إلى أن ما حدث هو «الأسوأ ولا يمكن إنكاره«، سارع وزير الداخلية «صولاغ« إلى نفي ذلك، مشيرًا إلى أن القضية قد تم تضخيمها، وأن المعتقلين في هذا المبنى هم من «أخطر الإرهابيين« في العراق، وأن من بينهم مواطنين عربًا إرهابيين، موضحًا أن أحدهم فجر أربع سيارات مفخخة وقتل 66 عراقيا، مؤكدا أن هذا المعتقل كان يستخدمه وزير الداخلية السابق «فلاح النقيب«، وأن به قاضٍ وهيئة تحقيقية تتكون من 29 ضابطا عراقيا، بينهم بعثيون لم يشملهم قرار اجتثاث البعث، وأن القوات الأمريكية كانت على علم بهذا المعتقل، وأنها كانت تزوره باستمرار، وحتى وزارة حقوق الإنسان كانت على علم به وبمن فيه. ولا تعد هذه هي المرة الأولى التي يكشف فيها النقاب عن عمليات تعذيب وحشية تقترفها القوات العراقية، بالتعاون مع بعض الميليشيات الشيعية، ضد أطراف عراقية سنية، وذلك في إطار الحرب الطائفية المشتعلة في العراق منذ احتلاله، حيث تزايدت تلك العمليات بشكل واضح في ظل سيطرة الحكومة الانتقالية بزعامة الجعفري، فقد استنجدت الرابطة العراقية لحقوق الإنسان في تقرير أصدرته في إبريل الماضي بالمنظمات الدولية لإنقاذ المعتقلين من أيدي الشرطة العراقية التي تنتهج أساليب وحشية في التعذيب تضاهي تلك التي اشتهر بها الجنود الأمريكيون في سجن أبوغريب، وهو ما أكدته بعض الصحف الغربية نفسها، ففي 20/5/2005 أشارت صحيفة «واشنطن بوست« إلى أن الجيش الأمريكي اكتشف حالات لعراقيين تعرضوا لعمليات تعذيب بشعة على أيدي القوات العراقية، موضحة أن ضباط الجيش العراقي يرفضون معاملة السجناء بشكل جيد بحجة أن هدفهم الأول هو استهداف أجهزة الأمن العراقية «مما يجعلهم يستحقون هذه المعاملة السيئة«، على حد قولهم، كما أكدت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز« يوم 19/6/2005 أن قوات الأمن العراقية تستخدم نفس الوسائل والتقنيات التي كانت تستخدم إبان عهد الرئيس السابق صدام حسين، ونقلت عن القاضي «لقمان ثابت« قوله إن 90% من هؤلاء المعتقلين يؤكدون أنهم اعترفوا بجرائم لم يرتكبوها نتيجة هذا التعذيب. وتشير أصابع الاتهام في الغالب إلى أن عمليات التعذيب تلك تقوم بها قوات الشرطة العراقية بمساعدة ميليشيات شيعية، ضمن مخطط التطهير الطائفي والتصفيات المذهبية، فقد كشفت صحيفة «الأوبزرفر« البريطانية يوم 3/7/2005 عن أن المساعدات الأمريكية والبريطانية الموجهة للشرطة العراقية يجري تحويلها من قبل وزارة الداخلية العراقية لصالح وحدات «المغاوير« التابعة للشرطة العراقية، والتي تمارس انتهاكات واسعة بحق المعتقلين، ومعظمهم من المدن ذات الكثافة السنية، وذلك في سجون ومراكز اعتقال سرية تنتشر في جميع أنحاء البلاد، خارج إطار السلطة القضائية. وقد طالبت وزارة الدفاع البريطانية الحكومة العراقية في يوليو الماضي بالتحقيق في اتهامات بشأن تعذيب معتقلين عراقيين على أيدي قوات الأمن العراقية، فيما يعد إساءة استغلال للدعم الأمني الذي تتلقاه من القوات البريطانية في العراق. وفي مقال نشر بصحيفة «الإندبندنت« أبرز الكاتب «كيم سينجوباتا« أن قواتًا خاصة تعمل لحساب الحكومة، فضلاً عن فرق اغتيال مرتبطة بها تقوم بشن حرب سرية ضد السنة، فهناك أناس يعتقلون ويختفون لعدة أشهر ثم تظهر جثثهم مقيدة الأيدي فيما بعد في أماكن متفرقة من البلاد، وعليها علامات تعذيب بشعة كانوا قد تعرضوا لها قبل وفاتهم، وأضاف: «نادرًا ما تشاهد جنودًا أمريكيين في الخارج، ولكن هناك أعدادًا متزايدة من الميليشيات التي تدير نقاط التفتيش الخاصة بها، فضلاً عن قوات الشرطة الخاصة مثل لواء «ذئب«، ولواء «بركان« المدربة على أيدي القوات الأمريكية نفسها - والتي تثير الفزع في قلوب العراقيين لما تقوم به من أعمال اختطاف وتعذيب وقتل«. وتبعا للعديد من المراقبين، فإن فضيحة أبوغريب الجديدة، تدخل ضمن المؤشرات الدالة على وجود احتقان طائفي في المجتمع العراقي وصل إلى درجة تبادل الاتهامات الصريحة مؤخرًا بشكل دفع الشيخ حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين السنة بالعراق إلى اتهام منظمة بدر الشيعية - الجناح العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق - بأنها تقف وراء اغتيال علماء وأئمة السنة في البلاد. ورغم نفي المنظمة مسؤوليتها عن قتل أي من علماء السنة، وتأكيدها أن أزلام النظام السابق هم الذين يقومون بمثل هذه العمليات الإرهابية، فإنه فيما يبدو أن قادة السنة لديهم الأدلة الدامغة على تورط المنظمة في هذه الجرائم، وهو ما دفعهم إلى توجيه الاتهامات لها علنًا. وشملت اتهامات السنة بالاضطهاد الحكومة الانتقالية أيضًا؛ حيث وجهت الهيئة اتهامات لها بممارسة إرهاب الدولة ضد الطائفة السنية، وأكدت في بيان لها أن القوات العراقية قامت بتنفيذ حملة مداهمات واعتقالات واسعة جدا في مناطق كثيرة من العراق ولاسيما محافظة بغداد، موضحة أن مناطق عديدة منها تعرضت للحصار والدهم وحملات الاعتقال التي طالت خلال يومين فقط أكثر من 100 شخص، مشيرة إلى أن «حي الشعب« في بغداد شهد أحداثًا خطيرة تمثلت في قتل بعض الأشخاص أثناء المداهمة ومنهم الشيخ «حميد مخلف الدليمي« واعتقال الشيخ «حسن هادي النعيمي« عضو مجلس شورى الهيئة، ثم قتل بعض المعتقلين معه وتم إلقاؤهم على أطراف حي الشعب وقرب مسجد الفردوس في حي «أور« في العاصمة. وقال الشيخ الضاري رئيس الهيئة إن هناك صمتًا غير مبرر يمكن أن يفسر على أنه موافقة ضمنية لما يمارسه الجنود العراقيون من انتهاكات، مضيفًا أن السنة يواجهون حالة من إرهاب الدولة وإرهاب الأجهزة الأمنية مستخدمين صفتهم الرسمية لتحقيق أغراضهم الخاصة. كما اتهم ديوان الوقف السني قوات الأمن العراقية بقتل عدد من رجال الدين والمصلين والعاملين في المساجد السنية في بغداد، وحذر رئيس الوقف الدكتور «عدنان الدليمي« من وقوع فتنة طائفية نتيجة تزايد الأعمال الانتقامية ضد السنة منذ تشكيل الحكومة العراقية المؤقتة أواخر شهر يونيو الماضي، مضيفًا أن «مساجدنا تداهم كل يوم ويعتقل أئمة المساجد والمصلون.. وكأنها محاولة للتطهير الطائفي«. ويشير المراقبون إلى أن الكشف عن هذه الفضيحة الجديدة، والتي أعقبها تفجير مسجدين للشيعة قرب الحدود الإيرانية إنما هو تأكيد على أن هذا التوتر الطائفي لا يزال يمثل خطرًا جديًا على استقرار العراق وأمنه. وبصفة عامة، فإن ما حدث يكشف عن حقيقة مهمة، ألا وهي كذب الادعاءات الأمريكية بأن عراق اليوم أصبح مركزًا لنشر القيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في المنطقة، فالبعض يرى أن العراق الجديد لا يختلف كثيرًا عما كان عليه إبان عهد صدام حسين؛ فتحت عنوان «وحشية بغداد: أحداث الأسبوع الجاري تسببت في ضرر مضاعف« قالت صحيفة «الجارديان« إن فضيحة أبوغريب العراقية أساءت إلى حجة واشنطن بأنها «قالت ديكتاتورا واستبدلته بمن هو أفضل«. بينما يشير آخرون إلى أن العراق الجديد هو أسوأ حالاً من عراق الأمس، فلاتزال قوات الاحتلال تنتشر في أرجائه تقتل عشرات، بل مئات المدنيين، وتفتك بهم، مستخدمة في ذلك الأسلحة التقليدية والأسلحة المحرمة دوليا، تساعدها في ذلك قوات الأمن العراقية، ولاتزال الحكومة العراقية تسيطر عليها النزعة الطائفية، وتتغلب المصالح الشخصية لعناصرها على المصلحة العليا للعراق، ولا يزال الفساد مستشريا في جميع الأجهزة الحكومية. ويظل الشعب العراقي وحده هو من يدفع ثمن كل هذه الأخطاء والممارسات.

