رسالة رد من معارض لبناني الى مثقف سوري
عارف بيروتي
اخي نهاد سيريس
بعد السلام، لقد قرأت، باهتمام، رسالتك التي وجّهتها الى اخيك المعارض في لبنان، والتي نشرتها جريدة "النهار" يوم الثلثاء الواقع فيه الثامن من آذار. وحلا لي ان اخط لك هذه الرسالة لا للرد، ولكن لاستكمال التخاطب الذي هو ضرورة يزداد اهمالها في مجتمعاتنا العربية التي يريحها كل تفرد وانغلاق. واعترف لك، في مطلع مخاطبتي، بأنني لبناني مؤمن بالله وببلدي ووحدته وسيادته واستقلاله. ويعنيني كل بلد في دنيا العرب، ويفرحني سلامه وازدهاره ورقيه، واريد له الخير كله، واشعر بوحدة مصير تجمعني واهله اينما حلوا او نزلوا. ولا اعرف ان كنت ستضعني بين المعارضين او الموالين.
في خضم وجع القتل الوحشي، الذي استهدف ركنا من اركان وطننا وعالمنا العربي، أتت رسالتك رسالة تعزية لا تخفى مرونتها وجرأتها وانسانيتها. ولن اكلمك على اجزائها كلها، ولكني سأشاركك في بعض هموم تتوافق مع ما قلته احيانا، وتخالفه في احيان اخرى، وقد تزيد عليه في حدود المكتوب، ولا تزيد على جوهر علمك. فأنت لا بد من أنك تعرف ان لبنان بلد لا يخلو من تناقضات مرعبة. فهو تعنيه الحضارة والرقي والعلم والنور. ولكنه، في الواقع، يفتقر اليها في غير وجه. فهل لي ان ادعوك، اولا، الى ان تترك الاغنيات اللبنانية التي ذكرت انها تستهويك.فمعظمها لا يقول الحقيقة دائما. هي تدغدغك، وتفرحك في حين السمع، ولكن الحقائق التي تراها تسحب، في احيان كثيرة، منك فرحك. فلبنان الاخضر، لم يبق اخضر. ولبنان الحلو، لا يخلو من بشاعات مرهقة. ولبنان العلم، تغزوه الامية. ولبنان الغني، يتعبه فقره. ولبنان المسرح، يضحك ليسلي نفسه. ولبنان الانسان، بعض اهله فقد انسانيته. ولبنان الوطن ترهقه هجرة شبابه. ولبنان السياسة، ارجوحة في يد غريبة، او مجهولة!
غير ان لبنان هذا ما زال فيه اناس طيبون، واناس يبتغون الحرية الحقيقية. فالشعب الثائر، الذي رأيته وتراه على شاشات التلفزة، هو شعب حقيقي. والشعب يؤلمه كل انواع القتل، وخصوصا قتل الرؤساء. فللرئيس دلالاته، ومنها انه يحمل، في شخصه، بلده وعنفوانه وطموحه وانتقالاته. لقد قتلت الايدي الغاشمة رؤساء لبنانيين عديدين، ولكن الشعب، مسلما ومسيحيا، كما قلت، انتفض هذه المرة على قتل رئيس وزرائه السابق رفيق الحريري. انتفض انتفاضة سلم وانتفاضة صلاة تطلب الرحمة، وكشف ايدي القتلة المجرمين، واستجداء الحلول من رب الحلول. ولعلي به انتفض لا على استهداف رئيس وزراء سابق وحسب، ولكن على استهدافه هو نفسه ايضا. وذكرته النيران، التي خيّم سوادها فوق العاصمة بيروت، بكوابيس خالها قد مضت.
اترك الاغنيات بكل انواعها، وخصوصا تلك التي تسمعها خطبا في شعب ثائر بات يكره الخطب. وبات يعرف ان يميز بين الصافي والمستغل. ولا تصدق ان شعبنا يعيش بذاكرة، ولا تصدق انه يعيش من دونها. هو يعرف جيدا ان الذين يعتلون المنابر ليخطبوا فيه ليسوا جميعا يؤمنون بوطنهم. فبعضهم يؤمن بنفسه، وفقط بنفسه. صم اذنيك عن بعض الاصوات المرتهنة التي تردد كالصدى ما زرع فيها. ولكن لا تصمّهما عن صوت الشعب. انه، اليوم، المغني الحقيقي في لبنان. لقد جعله الموت المر يسترجع صوته بعد ان آلمه الصمت، كل صمت. والشعب جدير بأن يسمع، او صار جديرا بعد ان ايقظه، من سباته، صوت التفجير المدمر، ولفحه العطر الذي تضوع من ضريح "رفيقه"، وبات ينطق بكلمات لا تموت. من هذه الكلمات تُفهم الثورة.
اجل، انا نظيرك يغيظني الذين يضربون، اليوم، العمال السوريين في لبنان. والذين يضربون دائما ضعيفون، وليس لضربهم من عذر. ويؤسفني ان بعض اللبنانيين لم يتعلموا من الضرب الذي اهال عليهم في زمن الحرب. لو تعلموا، لما كانوا يفعلون سوءا بأحد. وهذا يعيرني لأن ثمة في بلدي من يضرب العامل الذي يطلب الخبز في ربوعه، وكأن ضربه يشفي الغليل وينهي الازمات. انه اغراء السخف الذي يغزو العقول، عقولنا التي اخذت تنسى ما ذكّرت به، ومنه ان لبنان وسوريا احتضنا بعضهما بعضا في ازمنة شديدة قسوتها على البلدين. والاحتضان شهامة من العيب ان نقرأ عنها في الكتب، ولا تحفظها قلوبنا، وتلهج بها. لقد ضرب اللبنانيون بعضهم بعضا على اسس طائفية، ولم يتعلموا! وها بعضهم اليوم يضرب على اسس جنسية. والضاربون لا يذكرون ما ذكرته، ولا يذكرون القرابة التي تتجاوز الحدود. ففي بيوتنا سوريون، وفي بيوتكم لبنانيون، ومنهم امهات واقرباء وزملاء.
انت تعرف ان بعضنا يطلب خروج الجيش السوري من لبنان الآن، وبعضنا يرفض هذا الخروج. والذين يطلبون والذين لا يطلبون يعرفون انه لا بد من ان يتحقق، يوما، ما يرغب فيه بعضهم وما يعارضه آخرون! وهؤلاء جميعا يعرفون ان خروجه رهن بمن ادخله بلدناّ! فغيرنا اقوى، وفي يده القرار. ولكن، رغم الخلاف المذكور، من اللائق ان نستبق غيرنا ونفرش الارض ورودا لتطأها اقدام الخارجين يوما، ويعرفوا ان خروجهم من ارضنا لا يعني اننا ننصب لهم العداء. الفرح الكبير ان يعرف السوريون ان الكثيرين منا يحبونهم، ويريدون لهم الخير والازدهار. والفرح الاكبر ان يبقوا، بعد خروجهم، يريدون لنا السلام، وان نريده نحن فعلا لأنفسنا.
لقد افرحني فرحك، واحزنني حزنك. والى ان يستعيد بلدنا ما يطمح اليه شعبه، ارجو ان تصل اليك رسالتي في غياب دخول "النهار" بلدك.
ودمت.
عارف بيروتي
اخي نهاد سيريس
بعد السلام، لقد قرأت، باهتمام، رسالتك التي وجّهتها الى اخيك المعارض في لبنان، والتي نشرتها جريدة "النهار" يوم الثلثاء الواقع فيه الثامن من آذار. وحلا لي ان اخط لك هذه الرسالة لا للرد، ولكن لاستكمال التخاطب الذي هو ضرورة يزداد اهمالها في مجتمعاتنا العربية التي يريحها كل تفرد وانغلاق. واعترف لك، في مطلع مخاطبتي، بأنني لبناني مؤمن بالله وببلدي ووحدته وسيادته واستقلاله. ويعنيني كل بلد في دنيا العرب، ويفرحني سلامه وازدهاره ورقيه، واريد له الخير كله، واشعر بوحدة مصير تجمعني واهله اينما حلوا او نزلوا. ولا اعرف ان كنت ستضعني بين المعارضين او الموالين.
في خضم وجع القتل الوحشي، الذي استهدف ركنا من اركان وطننا وعالمنا العربي، أتت رسالتك رسالة تعزية لا تخفى مرونتها وجرأتها وانسانيتها. ولن اكلمك على اجزائها كلها، ولكني سأشاركك في بعض هموم تتوافق مع ما قلته احيانا، وتخالفه في احيان اخرى، وقد تزيد عليه في حدود المكتوب، ولا تزيد على جوهر علمك. فأنت لا بد من أنك تعرف ان لبنان بلد لا يخلو من تناقضات مرعبة. فهو تعنيه الحضارة والرقي والعلم والنور. ولكنه، في الواقع، يفتقر اليها في غير وجه. فهل لي ان ادعوك، اولا، الى ان تترك الاغنيات اللبنانية التي ذكرت انها تستهويك.فمعظمها لا يقول الحقيقة دائما. هي تدغدغك، وتفرحك في حين السمع، ولكن الحقائق التي تراها تسحب، في احيان كثيرة، منك فرحك. فلبنان الاخضر، لم يبق اخضر. ولبنان الحلو، لا يخلو من بشاعات مرهقة. ولبنان العلم، تغزوه الامية. ولبنان الغني، يتعبه فقره. ولبنان المسرح، يضحك ليسلي نفسه. ولبنان الانسان، بعض اهله فقد انسانيته. ولبنان الوطن ترهقه هجرة شبابه. ولبنان السياسة، ارجوحة في يد غريبة، او مجهولة!
غير ان لبنان هذا ما زال فيه اناس طيبون، واناس يبتغون الحرية الحقيقية. فالشعب الثائر، الذي رأيته وتراه على شاشات التلفزة، هو شعب حقيقي. والشعب يؤلمه كل انواع القتل، وخصوصا قتل الرؤساء. فللرئيس دلالاته، ومنها انه يحمل، في شخصه، بلده وعنفوانه وطموحه وانتقالاته. لقد قتلت الايدي الغاشمة رؤساء لبنانيين عديدين، ولكن الشعب، مسلما ومسيحيا، كما قلت، انتفض هذه المرة على قتل رئيس وزرائه السابق رفيق الحريري. انتفض انتفاضة سلم وانتفاضة صلاة تطلب الرحمة، وكشف ايدي القتلة المجرمين، واستجداء الحلول من رب الحلول. ولعلي به انتفض لا على استهداف رئيس وزراء سابق وحسب، ولكن على استهدافه هو نفسه ايضا. وذكرته النيران، التي خيّم سوادها فوق العاصمة بيروت، بكوابيس خالها قد مضت.
اترك الاغنيات بكل انواعها، وخصوصا تلك التي تسمعها خطبا في شعب ثائر بات يكره الخطب. وبات يعرف ان يميز بين الصافي والمستغل. ولا تصدق ان شعبنا يعيش بذاكرة، ولا تصدق انه يعيش من دونها. هو يعرف جيدا ان الذين يعتلون المنابر ليخطبوا فيه ليسوا جميعا يؤمنون بوطنهم. فبعضهم يؤمن بنفسه، وفقط بنفسه. صم اذنيك عن بعض الاصوات المرتهنة التي تردد كالصدى ما زرع فيها. ولكن لا تصمّهما عن صوت الشعب. انه، اليوم، المغني الحقيقي في لبنان. لقد جعله الموت المر يسترجع صوته بعد ان آلمه الصمت، كل صمت. والشعب جدير بأن يسمع، او صار جديرا بعد ان ايقظه، من سباته، صوت التفجير المدمر، ولفحه العطر الذي تضوع من ضريح "رفيقه"، وبات ينطق بكلمات لا تموت. من هذه الكلمات تُفهم الثورة.
اجل، انا نظيرك يغيظني الذين يضربون، اليوم، العمال السوريين في لبنان. والذين يضربون دائما ضعيفون، وليس لضربهم من عذر. ويؤسفني ان بعض اللبنانيين لم يتعلموا من الضرب الذي اهال عليهم في زمن الحرب. لو تعلموا، لما كانوا يفعلون سوءا بأحد. وهذا يعيرني لأن ثمة في بلدي من يضرب العامل الذي يطلب الخبز في ربوعه، وكأن ضربه يشفي الغليل وينهي الازمات. انه اغراء السخف الذي يغزو العقول، عقولنا التي اخذت تنسى ما ذكّرت به، ومنه ان لبنان وسوريا احتضنا بعضهما بعضا في ازمنة شديدة قسوتها على البلدين. والاحتضان شهامة من العيب ان نقرأ عنها في الكتب، ولا تحفظها قلوبنا، وتلهج بها. لقد ضرب اللبنانيون بعضهم بعضا على اسس طائفية، ولم يتعلموا! وها بعضهم اليوم يضرب على اسس جنسية. والضاربون لا يذكرون ما ذكرته، ولا يذكرون القرابة التي تتجاوز الحدود. ففي بيوتنا سوريون، وفي بيوتكم لبنانيون، ومنهم امهات واقرباء وزملاء.
انت تعرف ان بعضنا يطلب خروج الجيش السوري من لبنان الآن، وبعضنا يرفض هذا الخروج. والذين يطلبون والذين لا يطلبون يعرفون انه لا بد من ان يتحقق، يوما، ما يرغب فيه بعضهم وما يعارضه آخرون! وهؤلاء جميعا يعرفون ان خروجه رهن بمن ادخله بلدناّ! فغيرنا اقوى، وفي يده القرار. ولكن، رغم الخلاف المذكور، من اللائق ان نستبق غيرنا ونفرش الارض ورودا لتطأها اقدام الخارجين يوما، ويعرفوا ان خروجهم من ارضنا لا يعني اننا ننصب لهم العداء. الفرح الكبير ان يعرف السوريون ان الكثيرين منا يحبونهم، ويريدون لهم الخير والازدهار. والفرح الاكبر ان يبقوا، بعد خروجهم، يريدون لنا السلام، وان نريده نحن فعلا لأنفسنا.
لقد افرحني فرحك، واحزنني حزنك. والى ان يستعيد بلدنا ما يطمح اليه شعبه، ارجو ان تصل اليك رسالتي في غياب دخول "النهار" بلدك.
ودمت.
من يقتل العمال السوريين هل هم اللبنانيين حقاً ؟؟
أشك بذالك فالبنانيين بنفسهم بداؤوا يشككوا بهذه العمليات و يتهمون أطرافاً خارجية تحاول تشويه صورتهم و تدمير أشكال الوحدة إن لم يكن بين اللبنانيين بل بين الشعبين اللبناني و السوري
من هم أتمنى أن يتضمنهم التحقيق كما تحاول أن تشير السيدة الفاضلة بهية حريري ......
