النص الكامل للجنة تقصي الحقائق في اغتيال الحريري

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • ورق الألوان
    عضو متألق
    • Aug 2004
    • 2997

    #1

    النص الكامل للجنة تقصي الحقائق في اغتيال الحريري



    تقرير بعثة تقصي الحقائق في ظروف اغتيال رئيس الحكومة اللبناني السابق رفيق الحريري، وأسبابه ونتائجه.‏ ‏

    ‏ ‏

    25 شباط (فبراير) - 24 آذار (مارس) 2005‏ ‏

    ‏ ‏

    الملخص التنفيذي:‏ ‏

    ‏ ‏

    في 14 شباط (فبراير) 2005 ادى انفجار وقع في وسط بيروت الى مقتل 20 شخصاً بينهم رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. أرسل الأمين العام للأمم المتحدة بعثة تحقيق الى بيروت لتحديد مسببات الاغتيال وظروفه ونتائجه. ومنذ وصولها الى بيروت في 25 شباط 2005، التقت البعثة عدداً كبيراً من المسؤولين اللبنانيين وممثلين عن مختلف التيارات السياسية، وراجعت بدقة التحقيق اللبناني والاجراءات القضائية، وفحصت موقع الانفجار والأدلة التي جمعتها الشرطة اللبنانية، كما حللت عينات من الموقع وقابلت بعض الشهود المتعلقين بالجريمة.‏ ‏

    ‏ ‏

    ولا يمكن تحديد «المسبب» المباشر في اغتيال السيد الحريري الا عندما يمثل المسؤولون عن الجريمة أمام القضاء. ولكن من الواضح ان الاغتيال حصل في اطار سياسي وأمني يتسم بالتأثير المباشر لسورية على السلطات اللبنانية، وفشل الأخيرة في ضمان أمن مواطنيها.‏ ‏

    ‏ ‏

    في ما يتعلق بالظروف، توصلت البعثة الى ان التفجير تم بواسطة مادة الـ»تي ان تي» ويبلغ وزنها الف كلغ. ويرجح ان تكون وضعت فوق الأرض. ويشير التحقيق بعد مراجعته الى غياب الالتزام الجدي من الأجهزة الأمنية اللبنانية في فتح تحقيق فعلي في الجريمة، وان التحقيق الذي أجري حتى الان لا يتطابق مع المعايير الدولية. وتوصلت البعثة الى ان التحقيق اللبناني يفتقر الى الصدقية لدى اللبنانيين بما يجعل نتائجه غير مقبولة.‏ ‏

    ‏ ‏

    في ما يتعلق بنتائج الاغتيال، فهي تطاول أموراً كثيرة. ويبدو انه فتح الباب أمام الأزمة السياسية التي بدأت تتفاقم منذ العام الماضي. الاتهامات والاتهامات المضادة ارتفعت حدتها ووتيرتها مع وحدة القطب السياسي. بعضهم يتهم الاجهزة والقادة السوريين في عملية الاغتيال لأنه بدأ يصبح حجر عثرة أمام نفوذهم في لبنان. اما الموالون لسورية فيعتبرون ان «اعداء سورية» هم الذي اغتالوا الحريري، لأنهم يسعون الى زيادة الضغوط الدولية على سورية لسحب يدها من لبنان و/او البدء بسلسلة خطوات تؤدي في نهاية المطاف الى «تغيير النظام» السوري بحد ذاته. وعبر سياسيون لبنانيون من مختلف الانتماءات للجنة عن مخاوفهم من ان يستخدم لبنان ككبش محرقة بين سورية والمجتمع الدولي، بما يهدد الأمن والاستقرار اللبنانيين.‏ ‏

    ‏ ‏

    بعد جمع الادلة المتوافرة، توصلت البعثة الى ان أجهزة الأمن اللبنانية وأجهزة الاستخبارات السورية تتحمل المسؤولية الاساسية في الثغرات الامنية وعدم قدرتها على فرض الأمن وتطبيق القانون والنظام في لبنان. وأبدت الاجهزة الامنية اللبنانية اهمالاً كبيراً للدور الذي يوكل عادة لاجهزة الأمن المحترفة. وبسبب هذا الاهمال، فقد فشلت هذه الاجهزة بضمان أمن مواطنيها، وفرض حد أدنى من الامان، وهي بالتالي ساهمت في نشر ثقافة الترهيب وعدم المحاسبة. ويشارك جهاز الاستخبارات السوري في هذه المسؤولية لأنه هو يساهم في ادارة الأجهزة الأمنية اللبنانية. وتوصلت اللجنة ايضاً الى ان الحكومة السورية تتحمل ايضاً المسؤولية الأساسية في التوتر السياسي الذي سبق اغتيال الرئيس الحريري. فالحكومة السورية استعملت نفوذها في شكل مبالغ يتخطى الممارسة المعقولة لعلاقات الجوار. فقد تدخلت في تفاصيل الحكم في لبنان بيد من حديد وأسلوب غير مرن أدى الى احادية القطب السياسي. ومن دون استخلاص الاحكام المسبقة من التحقيق، الا ان الاغتيال جاء على خلفية هذا الجو.‏ ‏

    ‏ ‏

    وبدا واضحاً للبعثة ان اجراءات التحقيق اللبناني تعاني ثغرات حقيقية لا سيما القدرة والالتزام اللازمين للوصول الى نتائج مقبولة وقابلة للتصديق. وللكشف عن الحقيقة لا بد من توكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة تتضمن كافة الخبرات اللازمة والتي تقوم عادة بهذا النوع من التحقيقات على صعيد الدول، وان تتمتع بصلاحيات تنفيذية تسمح لها باجراء استجوابات وتفتيش ومهمات أخرى ذات صلة. وأكثر من ذلك، لا يمكن للجنة التحقيق الدولية ممارسة مهماتها في شكل مرض والحصول على تعاون السلطات المحلية مع وجود رؤساء الأجهزة الحاليين.‏ ‏

    ‏ ‏

    وتستخلص البعثة ان اعادة بناء نزاهة الأجهزة وصدقيتها أمر أساسي لاعادة الأمن والاستقرار الى البلاد. وللوصول الى هذه الغاية لا بد من بذل جهود حثيثة لاعادة هيكلة الأجهزة واصلاحها وتدريبها، وهو ما يتطلب التزام المجتمع الدولي ومساعدته الفاعلة.‏ ‏

    ‏ ‏

    وختاماً، ترى اللجنة ان الدعم الاقليمي والدولي سيشكل طوق النجاة لوحدة لبنان الوطنية وحماية حياته السياسية الهشة من الهزات غير المضمونة. ويشكل دعم السلام والأمن في المنطقة حجر الأساس في اعادة الامور الى نصابها في لبنان.‏ ‏

    ‏ ‏

    التقرير‏ ‏

    ‏ ‏

    المقدمة: (وتجدون التتمة أدناه)‏ ‏

    ‏ ‏

    1- في 14 شباط (فبراير) 2005 دوى انفجار في وسط بيروت اوقع 20 قتيلاً بينهم رئيس الوزراء السابق رفيق بهاء الدين الحريري. وقتل كل من يحي مصطفى العرب، محمد بن سعد الدين درويش، طلال نبيه ناصر، زياد حمد طراف، عمر احمد المصري، محمد رياض، حسين الغلاييني، مازن عدنان الدهبي، يمامة كامل ضامن، هيثم خالد عثمان، علاء حسن عصفور، زاهي حليم ابو رجيلي، جوزف اميل عون، ريما محمد رائف بزي، رواد حسين حيدر، صبحي محمد الخضر، عبده توفيق بو فرح، عبد الحميد محمد غلاييني، محمود صالح خلف، ومحمد صالح احمد المحمد. ولا يزال فرحان احمد العيسى مفقوداً، ويعتقد انه بين الضحايا. وجرح 220 آخرون.‏ ‏

    ‏ ‏

    2- في 15 شباط اصدر رئيس مجلس الأمن قرارا باسم المجلس يطلب فيه من الأمين العام «متابعة الوضع في لبنان عن كثب ورفع تقرير عاجل حول مسببات هذا العمل الارهابي وظروفه ونتائجه». فأعلن الامين العام في 18 شباط انه سيرسل بعثة تقصي حقائق الى بيروت لجمع المعلومات اللازمة لرفع التقرير ضمن المهلة المحددة له. وبعد تبادل رسائل بين الأمين العام ورئيس الجمهورية اللبنانية ارسلت الى لبنان بعثة يرأسها بيتر فيتزجيرالد نائب رئيس الشرطة الايرلندية (غاردا سيوشانا)، وتضم محققين ومستشاراً قانونياً ومستشاراً سياسياً. ولحق بالبعثة في 6 آذار (مارس) وبالاتفاق مع السلطات اللبنانية خبراء متفجرات واسلحة باليستية وحمض نووي وفحص مواقع الجرائم.‏ ‏

    ‏ ‏

    3- منذ وصول البعثة الى بيروت في 25 شباط (فبراير)، التقى اعضاء بعثة تقصي الحقائق (التي سيشار اليها بـ «البعثة») عدداً من المسؤولين اللبنانيين وممثلي التيارات السياسية المختلفة وراجعوا بدقة التحقيق اللبناني والاجراءات القضائية، وفحصوا موقع الانفجار والادلة التي جمعتها الشرطة اللبنانية، كما حللوا عينات من الموقع، وقابلوا بعض الشهود المتعلقين بالجريمة. ونزولاً عند طلب البعض في عدم كشف اسمائهم, لم يورد هذا التقرير لائحة باسماء الذين التقتهم البعثة. انهت البعثة عملها في لبنان في 16 اذار (مارس) 2005. ويتضمن التقرير التالي الوقائع والتوصيات.‏ ‏

    ‏ ‏

    في الوقائع:‏ ‏

    ‏ ‏

    4- يمكن تبويب الوقائع في ثلاث خانات بحسب مجلس الأمن: المسببات، الظروف والنتائج.‏ ‏

    ‏ ‏

    أ- المسببات‏ ‏

    ‏ ‏

    5- لا يمكن تحديد «المسبب» المباشر في اغتيال السيد الحريري الا عندما يمثل المسؤولون عن الجريمة امام القضاء. ولكن من الواضح ان الاغتيال حصل في اطار سياسي وأمني يتسم بالتأثير المباشر لسورية على السلطات اللبنانية، وفشل الاخيرة بضمان أمن مواطنيها.‏ ‏

    ‏ ‏

    الاطار السياسي‏ ‏

    ‏ ‏

    6- لطالما كان لبنان ساحة للنزاعات العربية الاسرائيلية التي تركت اثرها البالغ على استقلاله ووحدته الوطنية ولا سيما في الحرب الاهلية الطاحنة (1975-1990), والهجمات العسكرية المتكررة على ارضه. وابقت سورية على وجودها العسكري في لبنان منذ العام 1976 بموافقة الحكومة اللبنانية. وتمتعت بنفوذ سياسي واسع مارسته في التدخل بالشؤون اللبنانية. وزاد نفوذها في شكل مطرد منذ العام 1990 وتم تأطيره في معاهدة «اخوة وتعاون وتنسيق» في العام 1991.‏ ‏

    ‏ ‏

    7-بقي الوجود السوري في لبنان مقبولاً الى ان سحبت اسرائيل قواتها من الجنوب في العام 2000. وبدأ بعض السياسيين بالتعبير عن معارضتهم للنفوذ السوري ويطالبون بتطبيق بقية بنود اتفاق الطائف الذي ابرم في 1989، والذي يحد من الوجود السوري في لبنان الى حد الانسحاب.‏ ‏

    ‏ ‏

    وعلى رغم ان الرئيس الحريري تجنب الخوض في هذا النقاش، الا ان علاقته بالرئيس اميل لحود، صديق السوريين، كانت متشنجة. وبحسبما قال للبعثة أحد كبار المسؤولين الأمنيين المقربين من سورية، فإن العلاقات بين الرجلين توترت كثيراً في عهد (حكومة) الرئيس الحريري (2000-2004) لدرجة صار «التدخل الخارجي والوساطات امراً يومياً». ومنع هذا التوتر الرئيس الحريري من تنفيذ سياساته، وشلها احياناً، وترجمت العلاقة السيئة بين الاثنين بعدم ثقة سورية بالحريري.‏ ‏

    ‏ ‏

    8- انتهى عهد الرئيس اميل لحود في العام 2004 مع غياب امكانية التجديد له بحسب الدستور اللبناني. وكان الحريري يأمل في ان نهاية هذا الحكم ستسمح له باعادة سيطرته الى حكومته. لكن خلال العام 2004 علت بعض الاصوات المنادية بتعديل دستوري يسمح بالتمديد للرئيس لحود. وتحول هذا الطرح الى سجال حول الوجود السوري في لبنان. ويتطلب التعديل الدستوري موافقة كتلة الحريري في البرلمان، وهو ما لم يكن مستعداً له. كذلك علمنا من مصادر موثوقة ان القادة السوريين تعهدوا للرئيس الحريري عدم التمديد للرئيس لحود.‏ ‏

    ‏ ‏

    9- لكن القادة السوريين قرروا في وقت لاحق تمديد ولاية الرئيس لحود ثلاث سنوات بدل ست. وكان للضغط الذي مورس من أجل تنفيذ قرار التمديد، نتائج بالغة الخطورة. وبحسبما قال للجنة مسؤول لبناني مقرب من سورية فإن قرار التمديد أرسل رسالة واضحة للحريري بأنه يجب عليه ان يرحل «فلا مجال ان يعمل الاثنان سوياً». والتقى الحريري بالرئيس الأسد في دمشق في محاولة أخيرة لاقناعه بعدم التمديد. وحصلت البعثة على تقارير متفرقة لهذا اللقاء من مصادر مختلفة داخل لبنان وخارجه، وكلها تؤكد انها سمعت المعلومات من الحريري نفسه مباشرة بعد اللقاء. وليس للبعثة تقرير من جهة الرئيس الأسد، فالسلطات السورية رفضت طلب البعثة الاجتماع به. وتطابقت الشهادات كل التطابق.‏ ‏

    ‏ ‏

    10- بحسب هذه الشهادات، ذكر الرئيس الحريري الرئيس الأسد بطلبه عدم التمديد للرئيس لحود، فرد الأسد بأن هناك تغييراً في السياسة وان القرار اتخذ. وأضاف انه ينبغي النظر الى الرئيس لحود كممثله الشخصي في لبنان وان أي خلاف معه هو بمثابة خلاف مع الأسد نفسه. وأضاف انه (الأسد) يفضل ان يكسر لبنان على رأس الحريري وجنبلاط (الزعيم الدرزي) على ان تكسر كلمته في لبنان. ثم هدد الأسد الحريري وجنبلاط بالإيذاء الجسدي اذا اعترضا على التمديد. وقيل ان الاجتماع استملر 10 دقائق وكان الأخير بين الاثنين. وعلى اثره قال الرئيس الحريري لكتلته انه لم يبق امامهم من خيار سوى تأييد التمديد. وحصلت البعثة على معلومات اخرى حول تهديدات وصلت الى الحريري من مسؤولين أمنيين في حال عدم التصويت لصالح التمديد تحت اي حجة حتى وان كانت السفر.‏ ‏

    ‏ ‏

    11- في 2 ايلول (سبتمبر) 2004 اقر مجلس الأمن القرار 1559 الذي ينص من جملة ما ينص على «انسحاب كافة القوات الأجنبية من لبنان، واجراء انتخابات حرة ونزيهة من دون تدخل اجنبي». وهناك اعتقاد واسع في لبنان وخارجه ان الرئيس الحريري دعم هذا القرار. وقالت مصادر عديدة ان السلطات السورية حملت الرئيس الحريري شخصياً مسؤولية اعتماد القرار وهو ما قطع كل ثقة بين الطرفين.‏ ‏

    ‏ ‏

    في 3 ايلول رفع مرسوم التمديد الى المجلس النيابي فصادق عليه الرئيس الحريري وكتلته. وحدهم ثلاثة وزراء صوتوا ضده بينهم مروان حمادة المقرب من الحريري وجنبلاط. مرر المرسوم، وتم التمديد للرئيس لحود ثلاث سنوات اخرى، وفي 9 ايلول اعلن الحريري استقالته.‏ ‏

    ‏ ‏

    12- مع الاستقالة بلغ التوتر السياسي مرحلة جديدة. فانضمت وجوه سياسية عديدة الى ما سمي لاحقاً بالمعارضة التي دعت الى اعادة النظر في العلاقات اللبنانية - السورية. وفضل بعض المسؤولين اجراء اعادة النظر تلك في ظل القرار 1559، فيما جعل آخرون سقفهم اتفاق الطائف. وبدت الانتخابات التشريعية المقبلة نقطة تحول استعدت لها الاحزاب السياسية. وحتى التمديد، كانت المعارضة مسيحية في شكل عام. لكن قرار جنبلاط الانضمام اليها كان تطوراً مهماً جعل المعارضة تتوسع الى خارج حدود طائفة معينة، خصوصاً في ظل التحالف القديم الذي يجمع جنبلاط بسورية. اما استقالة الحريري, فدعمت المعارضة لأنها منحتها دعم المجتمع السني.‏ ‏

    ‏ ‏

    13- في 2 تشرين الثاني (اكتوبر) نجا الوزير السابق مروان حمادة من محاولة اغتيال عندما انفجرت عبوة ناسفة قرب سيارته فقتلت مرافقه. محاولة الاغتيال هذه كانت مصدر قلق وتوتر على الساحة اللبنانية. لم يتم تحديد المنفذين وطغى شعور عام بأنه لن يتم ذلك ابداً. وبدأ يسيطر جو من التشنج شعر فيه «كل شخص انه مهدد»، كما أطلع مسؤولون أمنيون البعثة. كذلك علمت البعثة من مصادر داخلية وخارجية ان الحريري وجنبلاط كانا خائفين على حياتهما واعتبرا محاولة اغتيال حمادة حلقة في مسلسل الصراع مع سورية.‏ ‏

    ‏ ‏

    14- وفي اجواء التوتر التي سادت، تكاتفت اقطاب المعارضة وتابعت استعداداتها للانتخابات المقبلة. وبدأت الاتصالات والمشاورات بين جنبلاط والحريري والجنرال المنفي ميشال عون. وبنهاية كانون الثاني (يناير) 2005 بدأت تبرز كتلة ضمت للمرة الاولى في تاريخ لبنان ممثلين عن كافة الطوائف والأحزاب باستثناء حركة أمل وحزب الله الشيعيين. وبدت هذه الكتلة متحررة من السيطرة السورية ورافضة لها، وبدت قادرة على استقطاب الأكثرية في الانتخابات. كذلك لقيت دعم المجتمع الدولية وبدت واثقة من قدرتها على اجبار سورية على تنفيذ اتفاق الطائف و/أو القرار 1559. وفي وسط هذه الكتلة القوية وقف رجل واعتبر المهندس الفعلي لها: رفيق الحريري الذي اغتيل في 14 شباط 2005.‏ ‏

    ‏ ‏

    15- من الواضح ان الرئيس الحريري اغتيل في لحظة حساسة من صراعه مع سورية، بغض النظر عن منفذ الاغتيال وبأي هدف نفذه. لكن من الضروري التذكير بأن تحقيقاً فعلياً وليس تحليلاً سياسياً وحده القادر على تحديد منفذ الجريمة النكراء ومهندسها والآمر بها. ومن المجحف القفز الى النتائج وتحديد المسؤولين من دون تحقيق مستقل، وأدلة قاطعة ومحاكمة عادلة.‏ ‏

    ‏ ‏

    الخلفية الأمنية‏ ‏

    ‏ ‏

    16- أجمع الذين التقتهم البعثة على وصف الحريري كـ»أبرز شخصية في الحياة اللبنانية العامة»، بالتالي، يطرح اغتياله سؤالاً عن مستوى الحماية التي وفّرتها له الأجهزة الأمنية اللبنانية. يتألف النظام الأمني اللبناني من أجهزة مختلفة. تحتل الاستخبارات العسكرية اللبنانية موقعاً رئيساً في هذا النظام الأمني، فهي تعنى بالأمن القومي، ومحاربة التجسّس والإرهاب وتضم قوة ضاربة. كما أنها تشمل قسماً لرصد الاتصالات. أما الأمن العام فيعنى بالمسائل المتعلقة بالأجانب، وجوازات السفر والحدود بالاضافة الى المسائل الامنية ذات الخلفية السياسية. أما جهاز قوى الأمن الداخلي فيضم الشرطة من جهة وقسماً لجمع المعلومات. بالنسبة الى جهاز أمن الدولة، فهو مسؤول في شكل اساسي عن المسائل الامنية ذات الخلفية السياسية. أما الحرس الجمهوري فيتولّى حماية رئيس الجمهورية، تحت إمرة قائد الجيش. تحتفظ الاستخبارات العسكرية السورية بفرع في سورية، مع مكاتب في مناطق متعدّدة بما فيها بيروت. وعلى عكس ما التأكيدات التي تلقتها اللجنة من رئيسها، تدفعنا الدلائل والشهادات الى الاعتقاد بان هذا الفرع لعب، بلا شك، دوراً رئيسياً في الحياة السياسية اللبنانية وتورط في شكل ناشط، إن لم يكن اشرافاً مباشراً، في ادارة المسائل الامنية في لبنان.‏ ‏

    ‏ ‏

    17- وفق القواعد والقوانين المرعية الاجراء في البلد، تتعاون هذه الأجهزة في ما بينها، وهي برمّتها عضو في مجلس أمن مركزي يجتمع مرة في الشهر تحت رئاسة وزير الداخلية. الا أنّ مصادر متعدّدة، بمن فيها المسؤولون الأمنيون والوزراء والرؤساء السابقون، أعلمت اللجنة أن التطبيق يتبع نمطاً مختلفاً. أولاً، إن التعاون بين هذه الأجهزة غائب، فالمجلس المذكور شكلي ولا يشكلّ آلية تعاون. ثانياً، تتبع آلية وصول المعلومات الى الولاء السياسي الشخصي وليس الإجراءات الدستورية. فرؤساء الاجهزة الامنية يوصلون المعلومات الحقيقيّة لـ»هؤلاء الذين عيّنوهم، الذين يدينيون لهم الولاء»، محتفظين بالتالي بالشكليات والمسائل العادية لمجلس الأمن المركزي. علاوة على ذلك، يعاني النظام من نقص معيب في الإشراف و/أو مراجعة قضائية لعمل الأجهزة الأمنية. فعلى سبيل المثال، يتمتّع قسم «رصد الاتصالات» في الاستخبارات العسكرية «بالصلاحية الدائمة» لرصد أي اتصال ذات صلة، مع الموافقة الوحيدة لرئيس القسم من دون أي إشراف خارجي أو إعادة نظر. من الواضح انه يوجد القليل، إن وجد، من المسؤولية عدا الولاء غير الرسمي والخارج عن بنية النظام.‏ ‏

    ‏ ‏

    18- تشرح هذه البنية في شكل جزئي نقص الثقة التي يظهرها الشعب اللبناني تجاه أجهزته الأمنية. فن دون أي استثناء تقريباً، أعرب كل الذين تحدّثوا إلى البعثة، بمن فيهم المسؤولون الأمنيون، عن شكوكهم في قدرة و/أو ارادة الاجهزة الامنية على توفير الأمن للشخصيات السياسية المهددة بالخطر. كما أنّ بعضهم اتهم النظام الأمني صراحةً بتورطه في تهديد السياسيين، فيما قال آخرون إن الثقافة السائدة تقضي بأن يحمي السياسيون أنفسهم بوسائلهم الخاصة، أو في أفضل الأحوال، أنّ الأجهزة الأمنية لا تملك القوة الكافية لحماية المهدّدين بالخطر. واشار العديد إلى ان لبنان شهد عدداً كبيراً من الاغتيالات السياسية خلال السنوات الثلاثين الأخيرة ولم يتم كشف الفاعلين حتى اليوم.‏ ‏

    ‏ ‏

    19- بعد محادثات مع العديد من المسؤولين الأمنيين، بمن فيهم رئيس الاستخبارات، وقسم «القوات الخاصة ومكافحة الارهاب» وقسم «راصدي الاتصالات» التابعين للاستخبارات العسكرية، الأمن العام، قوات الأمن الداخلي، والحرس الجمهوري، خلصت البعثة الى أنّ النظام الأمني اللبناني فشل في توقّع اغتيال السيد الحريري وتجنّبه. وعلى رغم الاشاعات التي انتشرت حول تهديدات بالأذى الجسدي للسيد الحريري و/أو السيد جنبلاط، بما فيها احتمال وجود خطر على حياتهما و/أو حياة أعضاء عائلتيهما، وعلى رغم محاولة الاعتداء على الوزير السابق مروان حمادة، لم يتخذ أي من الأجهزة الأمنية إجراءات إضافية لحماية أي منهما.‏ ‏

    ‏ ‏

    20- تنكر الأجهزة الأمنية كلها أنها تلقت معلومات عن وجود خطر أو احتمال وجود خطر على حياة السيد الحريري والسيد جنبلاط او عائلتيهما. الا أن الكل خارج الأجهزة الامنية الذين تحدثوا مع البعثة بدوا واعين على هذه التهديدات. بالاضافة الى ذلك، على رغم التوتر المتصاعد المعترف به من الكل، لم يقم أي من الأجهزة الأمنية، بوضع «جدول تقويمي» في ما يتعلق بأمن السيد الحريري، «الشخصية السياسية الأبرز في لبنان». ولم يقترح أي من هذه الأجهزة أو ينصح أو يحاول رفع مستوى الحماية الموفّرة للسيد الحريري. بل على العكس، ان فريق الحماية الخاص الذي وفرته قوات الأمن الداخلي للسيد الحريري، تقلّص من 40 شخصاً تقريباً الى ثمانية أشخاص بعد ان استقال من الحكومة. وعلى رغم أن هذا التقليص في العدد يماشي القوانين، الا أنه شكّل اهمالاً تاماً للظروف الخاصة السائدة. وعند اغتياله، كان حراس الأمن الشخصيون للحريري هم من يوفر له الحماية.‏ ‏

    ‏ ‏

    21- عندما ناقشت البعثة في هذا الأمر مع المسؤولين الأمنيين اللبنانيين، تحجّج كثيرون منهم بأن «الوقاية» كانت مفهوماً غريباً عن إدارة الأمن في لبنان. لا يمكن القبول بهذه الحجة: فالوقاية هي جزء لا يتجزأ ومهم من أي نظام أمني فعّال. اضافة الى هذا، ليست هذه الحجة صحيحة: إذ اعلمنا الحرس الشخصي انهم يقومون «بجدول تقويمي» دوري في ما يتعلق بأمن الرئيس، بما فيه تقويم مستوى التهديد والخطر المعرّض اليه مرتكزين بذلك الى قراءة الوضع السياسي، الاشاعات والوضع الأمني العام. فالجهاز الأمني المحترف والفعّال والذي يتمتع بصدقية يجب أن يحضّر ويضمن ويجدّد جداول تقويم مماثلة في ما يتعلق بأمن «هذه الشخصية السياسية الأبرز في لبنان».‏ ‏

    ‏ ‏

    22- وعليه، ترى اللجنة انّ الاجهزة الأمنية اللبنانية فشلت في توفير الحماية للسيد الحريري ووفّرت بالتالي اطاراً ملائماً لاغتياله.‏ ‏

    ‏ ‏

    الملابسات‏ ‏

    ‏ ‏

    23- عبر جمع الوقائع المتعلقة بالملابسات، حدّدت اللجنة التحركات الأخيرة للسيد الحريري قبل اغتياله فوراً، وحدّدت مصدر الانفجار ونوعه ووزن المتفجرة المستخدمة وراجعت وسائل التحقيق الرئيسية التي لجأت إليها السلطات اللبنانية المرتكزة إلى المعايير الدولية المعترف بها. تضمّ مراجعة التحقيق المناطق الدقيقة والحساسة، ادارة موقع الجريمة، الحفاظ على البراهين، التحقيق المتعلّق بما بثته محطة «الجزيرة» حول إعلان جماعة مسؤوليتها، التحقيق المرتبط بالمشتبه فيه، التحقيق المرتبط بالسيارة المشتبه فيها، وملاحظات عامة حول كمال التحقيق.‏ ‏

    ‏ ‏

    التحركات الأخيرة للسيد الحريري‏ ‏

    ‏ ‏

    24- في يوم الاثنين الواقع في 14 شباط (فبراير) 2005 في الساعة 12 والنصف ظهراً، غادر السيد الحريري مبنى البرلمان في وسط بيروت ومشى حوالي 70 متراً الى مقهى «بلاس دو ليتوال» في ساحة النجمة حيث التقى عدداً من الأفراد. في الساعة 15 وخمسين دقيقة تقريباً، غادر المقهى برفقة الوزير السابق النائب باسل فليحان، وتألف موكبه الأمني من ست مركبات، 1- جيب فيه أربعة عناصر من الشرطة (في الطليعة)، وسيارة مرسيدس سوداء فيها ثلاثة حراس شخصيين، وسيارة مرسيدس سوداء مصفحة يقودها السيد الحريري ويرافقه السيد فليحان، وسيارة مرسيدس بيضاء فيها ثلاثة حراس أمنيين شخصيين، وسيارة مرسيدس سوداء فيها ثلاثة حراس أمنيين شخصيين، وجيب اسود (إسعاف) في آخر الموكب فيه ثلاثة حراس شخصيين. كانت ثلاث من سيارات المرسيدس مزودة بأجهزة متقدّمة لالتقاط الاشارات (4 غيغاهيرتز) كانت تعمل حتى النهاية. كان معظم المركبات مزوداً أسلحة نارية وكان طاقم الحراسة مدرّباً.‏ ‏

    ‏ ‏

    25- لم يتم التبليغ عن الطريق التي ستسلكها السيارة التي ترأست الموكب الا لدى مغادرة السيد الحريري المقهى. غادر الموكب ساحة النجمة وسلك شارع الأحدب الى شارع فوش. عند تقاطع شارع فوش وطريق المطار البحرية، توجه الموكب إلى اليسار وسلك الطريق البحرية الى عين المريسة وفندق السان جورج.‏ ‏

    ‏ ‏

    26- عند الساعة 12.56.26 بعد الظهر تحديداً، كان موكب الحريري يمر خارج فندق السان جورج، تلك الطريق التي سلكها ست مرات فقط خلال الشهور الثلاثة السابقة. وقع انفجار ضخم وادى الى وفاة السيد الحريري، وسبعة من حراسه و12 مدنياً آخرين على الفور. أُدخل السيد الحريري الى مستشفى الجامعة الاميركية حيث تعرّف الى جثته طبيبه الخاص والطبيب الشرعي المعيّن من الحكومة. تم التعرّف الى الجثة من خلال العلامات الموجودة عليها، الاشعة السينية، وطاقم الاسنان. اما سبب الموت فكان تلفاً دماغياً فورياً أدى إلى توقف القلب.‏ ‏

    ‏ ‏

    [flash=http://www.sfhty.com/u/57823200601250238521.swf] width=300 height=120 [/flash]

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...