قصص عالمية

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • حمادة الشاعري
    عضو متميز
    • Aug 2006
    • 5861

    #1

    قصص عالمية

    أحبائي رواد ومبدعين هدا الصرح الشامخ..


    السلام عليكم


    يسرنا نحن مشرفي القسم الثقافي



    .. فتح مكتبة القصص العالمية



    كل يومين سوف نضع في هذه المكتبة قصة حتي تصبح من أكبر المكتبات


    ومن يريد قصة أو معلومات عن أديب


    فليكتب هنا أسم القصة

    أو الكاتب





    تحيات مشرفي القسم

    ــــــــــــــــ






    روايات عبير القديمة

    الخداع البريء




    لـ جودي ترنر



    كانت فنسيـا حزينة جداً , وكان الجميع يهتمون بها فقط من أجل ثروتها.
    هربت فانسيـا إلى لندن متنكرة بملابس رجل , وفي الطريق ,
    التقت بشاب نبيل فاتن , جيروم هاركورت ’ الذي يبحث
    عن زوجة غنية , ومن باب الحذر , أخفت عنه هويتها
    الحقيقة , وبسرعة وقعت فانسيـا في حبه , لكن هذه الكذبه
    أوقعتها في مواقف محرجة . . .


    _1 _



    (( لو كان الامر يعود لي انا فقط , فأني سأسمح لك به بكل سرور ,
    فانسيـا , ولكن السيد فريدريك تالبوت هو الوصي عليك , وهو لا
    يريد سماع شيئ , ويقول بأنه عندما تبلغين الثامنة عشرة
    من عمرك سيصطحبك الى لندن , انه سيفعل كل
    ما هو مناسب,ولكن ليس قبل ذلك, حقاً يا عزيزتي,
    لا تنظري الي هكذا , لاني لا أستطيع ان اجعله يغير رأية )).
    ولكن الآ نسة فانسيـا باسكوب ظلت تنظر الى خالتها بغضب ,
    وكانت فانسيـا تربط شعرها الاشقر بشريطة بيضاء وترتدي
    ثوباً من الساتان وتنتعل حذاءً من الساتان ايضاً مستورد من
    فرنسا, الغضب البادي على وجهها الجميل .
    (( قولي له بأنني اصبحت بالغـة وانني اقرب الى السن الثامنة عشرة
    من سن السابعة عشرة , وقولي له بأنني سأموت من الممل في الريف,
    وليس لدي سوى ابنة خالتي , قولي له... قولي له انني سأذهب الى هناك)) .
    التفت خالتها نانسي الى الفتاة التي تجلس بقربها, وكانت الفتاة في العشرين
    من عمرها, والتي وضعت الكتاب من يدها ونهضت واقتربت من فانسيـا .
    (( فلنتكلم بجدية اكثر, ياابنة خالتي, انت تعلمين ان والدتي تقول الحقيقة,
    فهي لا تستطيع اقناع السيد تالبوت بالسماح لك بالذهاب
    الى عرافتك, تكوني متعقلة قليلاً )).
    (( رودا ياعزيزتي رودا, ليس من العدل ان انتظر الى حين بلوغي الثامنة عشرة,
    فأنا قد ذهبت الى سهرات كثيرة هنا, والى حفل خطوبة اونيل,والى حفلة
    باميلا التنكرية, وعدة شبان عاملوني باستخفاف والجميع
    يجدون انني صغيرة جداً )).
    (( هيا,فانسيـااليس هذا صحيحاً؟ لقد اخبرتني بنفسك ان رفيق باميلا قال بأنه
    لم يكن يعلم بأنه يسمح للاطفال بحضور هذه الحفلات,والا لكان احضر
    ابنة عمه الصغيرة التي لا تبلغ العاشرة من عمرها)).
    (( هيروم هاركورت كان منزعجاً .لاأننا نثرثر كثيراً,وكان يريد الاحتفاظ
    بباميلا, لنفسه, انه فظ وأنا لا افهم لماذا تريد باميلا الزواج منه )).
    (( انه رجل جميل وملئ بالسحر )).
    (( انا لاجده ساحراً انه ....)).
    (( لقد سبق واخبرتنا برأيك, اسمعي فانسيـا ,لقد قلت انك احببت سهرات
    الريف هذه, اذن لماذا لا تستغليها ايضاً,قبل رحيلك الى العاصمة؟)).
    (( هذه الفرصة لن تتكرر وانا لا اريد ان أفوتها؟ فعرفتي لن تدعوني مره
    ثانية اذا لم أذهب هذه المره, وانا لا ارغب ابداً ان اقدم عن طريق آل تالبوت,
    انهم بخلاء, ويريدون ان يؤخرو دخولي الى السنة القادمة فقط من
    أجل اسبابهم الانانية)).
    (( قد يكون صحيحاً,ولكن لماذا تعتقدين ان آل تالبوت لا يتركونك
    تذهبين الى منزل اللايدي هاريسون ؟)).
    (( لان ابنتهم المعكوفة الانف يجب ان تقدم في السنة القادمة,ويعتقدون
    انهم يوفرون المال بتركها تستغل حفلاتي , بعد كل شئ , ان اموالي هي
    التي تغطي نفقات الحفلات, وليست اموال تالبوت)).
    (( هيا فانسـا, هذا ليس لطيفاً)) قالت لها خالتها معترضة.
    (( كما وانهم يتمنون ان تتمكن ابنتهم من التاثير علي عندما اقيم عندهم لمدة شهر)).
    (( اذا طلبك الكابتن تالبوت للزواج, ستكونين حرة في الرفض)) قالت لها خالتها.
    ((واذا عاش تحت نمفس السقف معك خلال الشهر, واذا اصر على الزواج منك,
    سيكون بطلاً وانت ستكونين فخورة بالزواج منه)) اضافت رودا ممازحة.
    (( انا افهم ماتعنينه, ولكن بعض الرجال يتزوجن فقط بسبب الوضع
    المالي, والجميع وللاسف يعرفون انني ثرية جداً )).
    (( فانسيـاو ماهذه الوقاحة..)) صرخت خالتها.
    (( ليس هذا هو كل شيئ)) قاطعت رودا ولدتها
    (( هناك سبب آخر لدى السيد تالبوت من اجل الرفض, اشرحيلها يأمي )).
    ((حسناً يابنتي, السيد تالبوت والسيدة هاريسون في وضع سيئ منذ زواجها
    من افارارد هاريسون, ولهذا السبب رأت انه من غير الائق مقابلاتك لها
    بشكل مباشر وكان من الطبيعي ان اطالب موافقة الوصي عليك, فاجابني
    فوراً بانك يجب ان ترفضي,ةان يعرفك هو بنفسه على اللايدي هاريسون))
    (( لم اكن اعلم)) همست فانسيـاو ووقفت امام النافذة.
    (( ارأيت الآن, اننا لا نستطيع ان نفعل شيئاً)) قالت خالتها
    ثم انضمت الى فانسيـا (( يا الهي, الطقس ردئ جداً, وقد يتساقط الثلج )).
    (( انتِ محقة يا خالتي )) اجابتها فانسيـا بحزن
    (( سأصعد الى غرفتي واكتب للسيدة هاريسون, ولكن ايضاً للسيد تالبوت
    لاخبره بما أفكر به, تم سأرتدي معطفي واذهب لايداع الرسائل في
    بريد القرية, اتريدين مرافقتي رودا؟)).
    (( لا شكراً, فاطقس بارد جداً, وانا اريد ان انهي القبعة التي تتناسب
    مع ثوبي,فنحن مدعوون لسهرة مساء الثلاثاء القادم, وبما ان السيد تالبوي
    قد عاد من نيو كاستل, فأتمنى , ان يكون رفيقي في الرقص)).
    وكان السيد تالبوي خطيب رودا, وهو شاب محرتم وصاحب ثروة لا بأس بها.
    (( انا سعيدة لتعقلك فانسيـا فهذا يعني انك قطعتِ مرحلة الطفولة)).
    (( بدون شك, وانا لا اريد ان أكون صعبة, ولكن ...)).
    (( ولكنك لا تستطيعين)) قاطعتها رودا مبتسمة, (( فانا لا ازال اذكر عندما
    كنت في السابعة عشرة من عمري كان الريف يشعرني بالمملل المميت,آه,
    لدي فكرة قبل رحيله اخبرني السيد تالبوي انه سيصطحب معه ابن عمه
    يكبرك بعامين تقريباً, اتقبلين ان يأتي الحفلة وان يكون فارسك؟)).
    (( سيكون هذا رائعاً )) اجابتها فانسيـا.
    سرت رودا وكانت تعتقد ان الجميع يعتبرون خطيبها افضل منها.
    وبعد ساعة لو رأت رودا تللك القامة المتجهة نحو الأسطبل لاعتقدت
    ان فانسيـا ذاهبة الى مركز بريد القرية.
    لكنها لو رأت فانسيـا ترتدي ملابس شارلي موردريد وتضع في حزامها كل
    اموال خالتها الخاصة بمصروف الشهر القادم, لكانت اصيبت بالرعب
    والهلع, ولكنها لم تكن قلقة على فانسيـا, ولم تصعد الى غرفتها قبل عدة
    ساعات ولم تدري ان فانسيـا اتجهت الى لندن.
    كان جيروم هاركورت يتناول فطوره في قصر هاركورت وهو بمزاج
    سيئ, ويتأمل النافذة.
    (( انظر الى السماء, لن يمكننا الذاهب الى الصيد اذا تساقط الثلج, هل
    وصلني بريد اليوم, مانسنغ؟))
    ووضح(( هل تعاني من صداع سيدي؟)) سأله الخادم مانسنخ الذي يعمل
    منذ مدة طويلة في القصر, والذي اصبح كفرد من العائلة, وناوله رسالة.
    (( نعم, ياله من مشهد تسببت يه والدتي عند وصولي ليلة امس, انه شيئ
    يدف المراء للشرب كثيراً, انها تظن حقاً ان الأنسة كورتني, ورقة
    رابحة, وان ما كان سيحصل لو لم يحكم والدها على هذا الأرتباط...)).
    ((انا افهم قلق السيدة هاركورت, سيدي ان سعادتك..)).
    ((آه سعادتي, انها تتهمني بأنني أفسد حظي بالزواج, بالتلاعب مع فتاة صغيرة ...

    وأخيراً تركتني اغرق همومي بلكونياك الذي تركه والدي للمناسبات

    الكبيرة, هذه الرسالة من عمي السير توماس ريمنغتون..))

    وقرأها بسرعة ثم نهض ونظر الى النافذة من جديد.

    (( ما رأيك باطقس, مانسنغ؟ هذه رسالة مهمة جداً, كم نحتاج

    من الوقت لكي نرحل من هنا؟)).

    (( ساعتين تقريباً, ولكن لماذا انت مستعجل على السفر بسرعة؟)).

    (( بسبب هذه الرسالة, فالسير توماس يخبرني انه مظطر لاستقبال ابنة

    زوجته بالعمودية, ماتيلدا راندولف, في لندن, لديها ولد عجوز وليس

    لها ولدة, فعمي وعمتي اقترحا ان يقموما مكان ولديها في

    موسمها الاول, وهي غنية جداً كونها الابنة الوحيدة)).

    (( ويردي عمك ان تعود الى العاصمة؟)).

    (( نعم, ومن المؤكد انها بشعة وبشكل مخيف, وهو يتمنى بلطبع, ان

    اكسب قلبها , وثروتها)).

    (( كيف يعتقد عمك انك ستتمكن من اغرائها؟ وعامة, الاباء لا يهتمون بسحرك)).

    (( يبدو ان هذا الوالد يعبد ابنته, ويعتقد عمي انني سأتمكن من جعلها تقع

    في غرامي, وسيقبل والدها بزواجها))

    (( بهذه الحالة, ستتخلى عن اللعب, وعن سباقات الخيول , وعن عشيقات ...)).

    (( الم تلاحظ انني بدأت بذالك, والفاتنة دينا وجدت رجلاً اخر لحمايتها, وهذ

    ا مايجعلني حزين للافتراق عنها, ولكننا كنا معاً منذ عدة أشهر ..

    اسمع, مانسنغ اذا تمكنت من اغراء تللك الوريثة, فأني سأرتب كل

    شيئ, كنت سعيداً هنا, وانت ايضاً, عندما كان والدي لا يزال على قيد

    الحياة, واخي الكبير فيليب, اتذكر ذلك؟ كان القصر يعج بالخدم, وكان

    الجميع سعداء, حتى المزارعين, بالامكان البداء من جديد ....

    هيا, اسرع يا صديقي , واعد حقائبنا)).

    وخرج جيروم وهو مطأطأ الرأس, فأصدتم بوالدنه في المدخل.

    (( جيروم انتبه, الى اين انت ذاهب دون ان تنظر امامك؟)).

    وكانت دميتريا هاركورت سيدة جميلة, ومنذ سنوات كانت قد وقعت على

    بياض على هذا المنزل, ولكي تدفع تكاليف لذاتها ولذة ابنها الكبير

    فيليب الذي كانت تعبده, وبعد وفاة هذا الاخير في حادث صيد, وكان جيروم

    يبلغ الربعة عشرة من عمره فقط, وأصبح هو الوريث, ففهمت انه يجب عليها

    اما ان تقلل من النفقات او ان لا تترك لولدها سوى الديون, وببرود اختارت

    الحل الثاني, ةمنذ ثلالث سنوات اخبرها جيروم ومحاميه انها

    مضطرة للانفاق من مالها الخاص في المستقبل.

    ولهذا السبب اخذت تبحث لجيروم عن زوجة غنية.

    (( عفواً, ديمتريا كنت ساهياً, وسأسافر الى لندن بعد قليل)).

    وكانت منذ مدة طويلة قد توسلت اليه ان لا يناديها ماما, فهذا يشعرها بلشيخوخه,

    وهكذ كان جيروم يناديها باسمها دائماً الا عندما كان يسعى لاغضابها.

    (( الى لندن؟ كنت اعتقد انه بعد فشلك الذريع ستـ ...))

    (( نعم انا اعلم ماما, لا يجب علي ان ادع الآنسة كورتني وثروتها تفلتان

    من يداي, لقد اخبرتني مساء امس بذلك, ولكني احترم واجباتي العائلية, وانا

    ذاهب الى لندن لان عمي السير توماس وزوجته يستقبلان الفتاة ...))

    (( آه, هل هي الآنسة راندولف؟))

    (( يالفعل, لكن كيف ...؟))

    (( انا احاول ان اعرف كل شيئ عن , الوارثات يابني, سأرفقك, انا

    متأكدة ان ماريا العزيزة تريد ذلك)).

    (( يا الهي ,لا, بوجودك ...)).

    (( جيروم, يكفي ماحصل عندما تركتك وحدك مع الآنسى كورتيني, وقبل ذلك

    مع الآنسة سيرافيا كوبلاند, ومع الآنسة انابل و ...

    واذا لم اتدخل سيقال عنك انك تسعى وراء ثروة العازبات

    الوارثات دون لن تنجح في ذلك)).

    (( آه, يا الهي’ ارى انني لن استطيع منعك من الذهاب الى العاصمة

    ولكن ليس برفقتي, لانني سأذهب على الحصان بعد ساعة فقط.

    (( مستحيل, لا يمكني السفر الآن يلزمني يومان سألحق بك اذا تركت لي مانسنغ)).

    (( حسناً, ولكن الثلج سيجعل السفر صعباً’ وانتِ تكرهين الثلج))

    (( من اجلك انت جيروم, انا مستعدة لكل شيئ)).

    انطلق جيروم في رحلته وحده, وعندما رأى الغيوم المتلبدة فكر

    بالعودة الى منزله, لكنه خشي ان تقرر والدته مرافقته وهكذا سيكون مضطراً

    للتأخر اكثر, فتابع سيره نحو الجنوب, وسلك طريقاً فرعية, ومع غروب

    الشمس هب هواء قوي, فقرر البحث عن فندق في هذه المنطقة.

    وازدادت قوة الهواء ولكن جيروم قاوم’ واخذ يحث جواده على الاستمرار

    في السير, وفجاة لمح فارساً على جواده يسير ببطء تحت الثلج المتساقط

    بغزارة فحث جواده على اللحاق بهذا الفارس المجهول ليأله عن اقرب فندق.

    وعندما اقتربت المسافة بينهما, التفت الفارس المجهول الى الوراء , وبدل

    ان يتوقف لكز جواده وتابع سيره, ناده جيروم ونكز حصلنه ايضاً للفارس

    وتوقف , لكن الفارس المجهول لم يجبه وتابع سيره.

    تفاجا جيروم بتصرف هذا المجهول وتبعه غاضباً, ثم امسك بزمام حصانه, وهكذا

    وقع الحادث, وتعثر الحصان ووقع الفارس المجهول في حفرة عميقة مليئة بالثلوج.

    حاولت فانسيـا ان تتعلق بأي شي لتخرج من هذه الحفرة, وخافت من هذا

    الرجل, وتساءلت ايكون لصاً ام مجرماً, ام انه مرسل من قبل خالتها نانسي

    لكي يعيدها يالقوة الى باكسومب هال.

    قفز جيروم عن فرسه, واقترب منها.

    (( لماذا خفت مني؟ كنت اريد فقط ان أسألك عن اقرب فندق,

    انا لست لصاً, دعني اساعدك, فقد تكون اصبت بكسور.

    ثم ابتسم, وساعد فانسيـا باصعود, وللاسف لا مست يداه المنطقة الاكثر دغدغة

    في جسمها, فضحكت وهو يساعدها في وضع اقدامها على الارض الصلبة.

    كانت دهشته كبيرة عندما لاحظ انها ليست رجلاً.

    (( عفواً سيدتي, اعتقدت انك ...انك...)).

    واخذ يتأمل قامتها, وكانت قبعتها وقعت على الارض وظهر شعرها الطويل,

    لكنه ظل يتأمل ملابسها وحذائها الذي استعارته من ابن خالتها شارلي.




    آخر تعديل بواسطة حمادة الشاعري; 01-09-2007, 06:46 AM.
  • حمادة الشاعري
    عضو متميز
    • Aug 2006
    • 5861

    #2
    الرد: مكتبة القصص العالمية ..

    _2_

    وتأملت فانسيـا الرجل بدورها, وظهرت الدهشة على وجهها, انه جيروم

    هاركورت نفسه, الذي كان يراقص باميلا, والذي سخر من صغر سنها

    لحضورها تلك الحفلة لكنه يبدو انه لم يتعرف عليها.

    (( فتاة تتنكر بزي صبي, ولكن شعرك ...))

    ثم تناول قبعتها واعادها الى رأسها, لاحظت فانسيـا جوادها قد اختفى فركضت

    الى الخلف الاشجار تبحث عنه وتنادية, لكنها لم تجده ورجعت غاضبة.

    (( ايها الغبي , انظر ماذا فعلت, لقد هرب حصاني, ومعه حقيبتي التي تحتوي

    على كل ما املكه, لا تبق هكذا, اذهب وابحث عنه الا تسمعني؟)).

    (( ابحث عنه؟ لا يمكني ان اخاطر بحصاني على ارض مجهولة مطموره

    بالثلوج, ولو كنت مكانك لحافظت على امكانياتي المتاحة لي, فأنا وسيلتك

    الوحيدة فأرجوك, القليل من الأدب لو سمحتِ )).

    فدفعته فانسيـا عنها واخذت تركض وتصرخ منادية على حصانها بادن, ثم

    سمعت خلفها ضجة وفجاة وجدته يحملها ويضعها امامه على حصانه الاسود.

    (( ايتها الغبية, ماذا سأفعل لو كسرت رجلك هنا؟ لقد اصبح بادن بعيداً جداً,

    وانا اعتقد لنك هاربه,اذن قولي لي الحقيقة لو سمحتِ؟ اريد ان اعيدك

    الى الهلك بأسرع وقت ممكن,لابد انهم قلقون عليك, ولا اريد نقاشاً)).

    وكان يمسكها بين ذراعيه بحزم, فاحست فجاة بأنها صغيرة جداً, وضعيفة

    وتائهة, فسالت دموعها على وجهها بمراره.

    (( انا .. انا ليس لدي اهل , اعيش مع خالتي, ولدي وصي علي وهو عجوز

    لئيم بخيل, يدفع لخاتي لكي تهتم بي لانه لا يستطيع تحملي, وافضل الموت

    على ان اعود الى هناك)).

    (( يا الهي , ولكن دعي هذا جانباً, الى اين كنتِ ذاهبة؟))

    (( الى معمدتي, في لندن , لقد دعتني لقضاء الموسم عندها, ولكن الوصي

    علي منعني, ولهذا السبب هربت)).

    (( وما اسم معمدتك؟)).

    (( وماذا يعنيك انت من كل هذا ؟ اتريد ترغمني على العودة الى المنزل؟

    لن اعود ولن اقول لك شيئاً , انا . . . أنا ...)) واجهشت بالبكاء.

    (( كفى, لن ينفع البكاء, سأضعك في عربة المسافرين الى العاصمة , وسأدفع

    اجرة نقلك, وانا نفسي ذاهب ايضاً الى العاصمة, وسأعيدك الى اهلك بنفسي,

    ولا تفكري انني سأتركك وحدك في المدينة يبدو لي انك نشأت في بيئة جيدة,

    ولا تدركين الاخطار التي قد تواجهك في لندن, هيا اذن

    واعطيني اسم وعنون معمدتك)).

    انها الايدي هاريسون, زوجة السير ايفارارد, ويسكنان في شارع جورج)).

    (( حسناً وانت؟ ماسمك؟ واعدك ان لا ارغمك على العودة الى اهلك قبل

    ان تتغير الظروف جذرياً)).



    (( اية . . . انا . . . فيولا توريس )) .

    (( وانا جيروم هاركوت , واتساءل ماذا سيكون موقف اللايدي هاريسون

    عندما تراك , وبعد كل شي , لقد رفض السماح لك و . . . )) .

    (( لا )) صرخت فانيسا وابتسمت لاول مرة اللايدي هاريسون لاتعلم

    شيئاً لان الوصي علي يكرهها وهما لا يتكلمان معاً , وهو يعتقد انني

    كتبت اليها لكي ارفض )) .

    (( آه , يالك من مخادعة , اذن سأرافقك إلى لندن , هيا اني ارى منازل امامنا ,

    آمل ان نجد لنا مكاناً في الفندق , فأنا سأموت من البرد والجوع )) .

    وكان الفندق مضاءً والنار مشتعلة في الموقد .

    (( آنسة نوريس , الافضل ان نقول انك ابنة عمي , وسأناديك ... اوليفر ...

    ايمكنك الاجابه عندما اناديك اوليفر ؟ )) .

    هزت فانيسا رأسها فاستقبلتهما صاحبة الفندق وقادتهما نحو السلم .

    (( اتريدان غرفة ؟ بامكاني ان امنحكما افضل غرفة في الفندق , ورغم

    اننا بعيدون عن الطريق العام , الا ان الفندق مليء بالنزلاء )) .

    (( الا يمكنك تأمين غرفتين لنا ؟ )) سألها جيروم

    (( لان ابن عمي يتكلم كثيراً وهو نائم )) .

    (( آسفة سيدي , ولكن اذا اردت بامكان ابن عمك ان ينام مع ابني في غرفته )) .


    نظرت اليه فانيسا وقد عقدت حاجبيها .

    (( لا . لا بأس سأضع القطن في اذني )) ونظر بمكر الى فانيسا .

    رافقتهما السيدة الى غرفتهما فطلب جيروم ان تؤمن له الماء الساخن

    بسرعة , وبعد خروجها تأملت فانيسا الغرفة .

    (( ياإلهي , سرير كبير واحد , يجب عليك ان تنام على الارض , بامكاني

    ان اتابع رحلتي , اذا اعارتني صاحبة الفندق حصاناً ولكن . . . )) .


    قاطعها جيروم وفتح حقيبته وناولها فرشاة شعر .

    (( هيا سرحي شعرك , واغسلي وجهك قبل ان ننزل لتناول العشاء )) .

    فأذخت فانيسا تسرح شعرها بهدوء , فغضب جيروم وتناول الفرشاة من

    يدها , ووقف خلفها يسرح شعرها بعنف وبدون رحمة .


    (( كفى , آي , بامكاني ان اسرحه بنفسي )) .

    (( لايمكنني ان اترك العشاء يبرد , بينما انت ستقضين ثلاثة ساعات في تسريح

    شعرك , هيا لاتتحركي , والا سأستعمل هذه الفرشاة على مكان آخر من جسدك

    وسأجعلك تشتكين حقاً )) .

    وبعد قليل دخلت الخادمه ووضعت الماء الساخن على الطاولة , واخبرتهم

    ا ان العشاء سيكون جاهزاً بعد ربع ساعة .

    (( كان يجب ان نقفل الباب )) قال لها جيروم , ثم تأملها قليلاً .

    (( حسناً هيا بنا الآن لنتناول العشاء )) .

    كان العشاء لذيذاً , وكان يجلس قربهما طبيب من الريف , ومزارعان مسنان ,

    وبعد تناول العشاء طلب جيروم كأسين من البانش , فشرب كأسه وكأس فانيسا

    , واصبح بمزاج مرح , ولم يصعدا الى غرفتهما الا بعد ان نام الجميع .

    (( يا الهي , هذه الغرفة باردة جداً واخذ يخلع ملابسه .

    (( هيا اخلعي حذاءك ومعطفك ونامي )) .

    (( ماذا تفعل ؟ اتريدني ان انام على هذه الكنبة ؟ )) .

    تمدد جيروم على السرير ووضع شرشفاً بالطول في وسط السرير .

    (( طبعاً لا , سننام معاً على هذا السرير لاتخافي سأحترم هذا الحاجز , ولن اتخطاه )) .

    تأملت فانيسا الكنبة الصغيرة , ولم تشعر بالرغبة في النوم عليها, خلعت معطفها

    وبوطها, وصعدت الى لسرير, وسحبت الغطاء حتى ذقتها , وعندما فك

    جيروم ازرار قميصة وظهر صدره العاري , نظرت اليه فانسيـا بذهول.

    (( لا تخافي)) قال لها بسخرية

    (( لن اطلب منك ان تفعلي مثلي, فهذا القميص الوحيد , ولا اريده ان يتجعد)).

    (( يبدو لي أنك لست بحاجة لقميص مع كل هذا ...))

    (( هذا الشعر على صدري ؟)) ثم تمدد على السرير وانحنى فوق الحاجز

    الذي وضعه (( والآن قولي لي انك آسفة وقبليني )).

    (( لن أعتذر ولن اقبلك واذا تجرأت ...))

    (( آه , اهذا تحدى ؟ )) ثم ضمها اليه بيديه القويتين , واطبق شفتيه على شفتيها.

    حاولت فانسيـا ان تتخلص منه, لكنه كان قوياً جداً, وعندما احست بشفتيه, شعرت

    برغبة غريبة وتمنت لو تبادله القبلة لكن هذا جنون فأخذت تقاومه الى ان تركها.

    (( انا آسف, لقد شربت الكثير من البانش , هيا , نامي الىن, لادعي للقلق, فأنا

    انفر من ذوات الشعر الاحمر تصبحين على خير, ايتها القطة الصغيرة)).

    ثم ادار ظهره وغط بسرعة بنوم عميق, وظلت فانسيـا تنتظر النعاس, ولكنها

    لم تتمكن من النوم, واخذت تفكر بهذا الوضع, الغريب ؟ وكيف ستكون ردة

    فعل رودا ؟ اما الوصي عليها وزوجتة, فسيقولان انهما كانا يتوقعان ذلك,

    وسيرغمان جيروم على الزواج منها لانقاذ سمعتها, انتفضت فانسيـا لهذه

    الفكرة, وجيروم المسكين, سيعاقب على طيبته.

    واذا ارغمت على الزواج, من سيهتم اذا كانت سعيدة ام لا ؟

    لقد مضت اربعة سنوات على وفاة ولديها, وقضت سنة كامله عند آل تالبوت, وكانت

    تكرههم, وتأسف على الحياة في باسكومب هال وعلى ولديها, واخيراً قرر

    السيد تالبوت ان تقيم العمة نانسي بذالك واعتقدت ان عمتها تهتم بها بدافع

    المحبة, لكنها غضبت كثيراً عندما علمت ان السيد فريدريك تالبوت يدفع لها

    المال لكي تربي فانسيا.

    وادركت فيما بعد ان عمتها وابنتها رودا وابنهما شارلي قبلوا بالعيش معها من اجل

    المال الذي يحصلون عليه, وفكرت وهي مستلقية على الجانب الايسر من السرير

    بانها اذا ادخلتها معمدتها في العالم الكبير, فهي لن تكون متقدمة جداً وهي

    لا تعلم اذا كان الرجال الذين تقدموا للزواج منها يحبونها لشخصها ام يحبون ثروتها.


    هذا كثير, واحست باليأس وخبأت وجهها تحت الوسادة واجهشت بالبكاء.

    وفجاة احست بيدين ترفعانها, ووجدت نفسها بين ذراعي جيروم يحاول

    تهدأتها, فرفعت رأسها نحوه, وقررت ان لا تخبره شيئاً.

    (( لماذا)) سألها بحنان وهو يداعب شعرها (( فأنتِ ذاهبة الى اللايدي هاريسون,

    وستتسلين كثيراً, وثم ستتزوجين دوقاً او امير تعيشين معه بسعادة وتنجبين

    اطفالاً جميلين)).

    (( لا اريد الذهاب الى معمدتي, فهي لم تدعوني الا من اجل اغاظة الوصي

    علي, اريد البقاء مع احد ... احد يرديني لنفسي )).


    واسندت رأسها الى صدره بيأس كبير, فأحس جيروم بدقات قلبها, وبدفء هذا

    الجسد الصغير الذي يستند اليه وبرائحة هذا الشعر الاحمر الذي يشعره بالدوار.

    فقبل خدها المشتعل, ثم قرب شفتيه من شفتيها, واحست بانها امام رجل شريف

    يحاول ان يوايسيها, وكانت تعتقد انه سيكتفي بضمها وبتقبيلها, ولكن الحقيقة

    المختلفة جداً, وهذ الحقيقة يعرفها جيروم جيداً, ويعرف انها امرأة كاملة, رغم

    انها ترتدي ملابس رجل, ويجب ان يتوقف في الوقت المناسب فدفعها عنه بهدوء.

    (( اتشعرين بتحسن ؟ هيا, يجب ان تنامي, امامنا غداً طريق طويلة وشاقة)).

    فابتعدت عنه واحست بالاسترخاء, والنعاس, ورمت برأسها على الوسادة

    وعندما اغمضت عينيها همست

    (( جيروم)).

    (( نعم)).

    (( كنت اعتقد انك تنفر من ذوات الشعر الاحمر)).

    (( في الليل, كل القطط تتشابه, نامي, فيولا)) ثم ضحك.


    استيقضت فانسيـا ولاحظة ان راسها يتند على شيئ دافئ, لم تكن ترغب في ان

    تنهض لا نها كانت تشعر بانها سعيدة, وسمعت تنفساً عميقاً وهواء فاتراً على شعرها.

    فتحت عيونها بصعوبة وكاد قلبها يتوقف انها تنام بين ذراعي جيروم وأسها على

    صدره العاري ...وتذكرت الحاجز الذي وضعه جيروم لها, وشعرت بالعار,لكنها

    لم تستطع لن تمنع نفسها من الابتسام, لقد نجح جيروم في ازالة قلقها ومخاوفها,

    ولكن هل هذا حقيقي ؟ انه نفس ذلك الفاتن الذي احتقرها في حفلة باميلا بسبب

    صغر سنها, واخذت تتأمل وجهه انه فاتن جداً, اكان صاحياً ام نائماً لقد وقعت

    في الغرام, تمتت فانسيـا ولكنه في الثلاثين من عمره تقريباً, وصاحب

    مغامرات عديدة, ولست فقط احبه, بل اشاركه الفراش.

    فأرادت النهوض, وبنفس اللحظو فتح جيروم عينيه ببطء وابتسم لها بحنان, فابتسمت

    له وهي ترتعش, وتذكرت قبلاته, فهي لا تعلم جيداً ماذا يدور بين الرجل والمرأة

    في السرير, ولكنه فجاة فتح عينيه جيداً وابعدها عنه.

    (( لماذا ايقضتني الآن, لا بد ان الوقت لا يزال باكراً, هيا انهضي كفتاة لطيفة

    وانظري كم الساعة الآن, انها هناك على الكرسي, بامكاننا ان ننام ساعتين ايضاً))

    خضعت فانسيـا ونظرت الى ساعته.

    انها السادسة تماماً, ايمكنني ان اعود الى النوم ؟ ))

    (( كما تشائين ؟)) واعاد الحاجز الى الوسط السرير

    (( ولكن كيف الطقس في الخارج ؟ ))

    (( لا يزال الثلج يتساقط)) وعادت الى السرير ونظرت الى جيروم بتحد, فتأملها

    ثم رفع راسه بهدوء.

    (( هيأ, هيا, لا يحب ان نفكر بأشياء اخرى)) قال لها غاضباً.

    (( لا يمكنني ابداً اقبلك في وضع النهار اتعلمين ذلك ؟ )).

    احست فانسيـا بألم كبير في قلبها وحبست دموعها, وسألته.

    (( لماذا انت غاضب هكذا ؟ )).

    (( لانني تصرفت بغباء مساء امس)) قال لها بجفاف

    (( فأنتِ لستِ سوى فتاة صغيرة, لكنني امس كنت ارغب بك )).

    (( و ... هذا الصباح, انت لا ترغب بي ؟ انا مسرورة جداً )).

    (( ها انت فتاة متعقلة, نامي الآن’ بامكاننا ان ننام ساعتين ايضاً, وعندما

    تستيقضين ستجدين ان افكارك الرومنطقية قد تبددت, وانك مستعجلة للذهاب

    الى لندن, ولحظور حفلاتها )).

    احست فانسيا انها ستختنق, لا بد ان فهم ما يجول بخاطرها عندما ابعدت الحاجز

    الذي وضعه, واحست بالعار, لابد انه يضحك عليها في قرارة نفسه.

    واخيراً انقذها كبريؤها, لقد كانت مجنونة عندما اعتقدت انها وقعت في غرام

    اول رجل يقبلها, انه جميل وقوي, نعم لكنها ستلتقي برجال آخرين غيره, ولكنها

    ستحتفظ الى آخر يوم في عمرها بذكرى اول قبلة لها وبابتسامته الحنونة وهو

    يضمها اليه, ويجب ان تكون تعلم بأنه لو حاول اغرءاها لما كانت تستطيع

    ان تتخلص منه.

    وما ان سمعت تنفسه العميق حتى نهضت على رؤو اصابعها لقد طلع النهار,

    ولم تعد بحاجة لمشاركته الفراش’ ستنزل الى الاسفل فهي تسمع حركة هناك,

    وستطلب فنجانا من الشولا الساخن, ثم رمت المعطف على كتفيها, وانتعلت

    بوطها والتفتت نحو النافذة, وكانت دهشتها كبيرة عندما رأت حصانها

    بادن يقوده رجل الى اسطبل الفندق, واتجهت نحو الباب.

    (( الى اين انت ذهبة؟ )) سألها جيروم فجاة.

    (( سأخرج قليلاً)).

    (( تحت الثلج, اذا قمتِ بأية حماقات فأنا لن أدفع عنك في عربة الركاب

    المتجهة الى لندن )).

    (( سأنزل واشرب شيئاً ساخناً)).

    (( حسناً, واخبري الخادمه توقظني في الساعة الثامنة)).

    خرجت فانسيـا واغلقت الباب وراءها, ولم تهتم بهذه الرسالة فلينم حتى

    الظهر, اما هي فتناولت فطورها واخذت حصانها واتجهت نحو لندن.

    استيقظ جيروم وسمع ضجيجاً قوياً فأدرك انه نام كثيراً, فنهض وهو غاضب يلعن

    البانش ويشعر بالصداع, الم يطلب من هذه الصغيرة ان تطلب من الخادمة

    ايقاظه ؟ لا بد انها نسيت, فلتذهب كل النساء الى الجحيم, واخذ يفكر بما

    قاله لفيولا, يبدو انها ابنة عائلة مهمة, وسيلاحقونه اذا علموا انه استغل الموقف,

    وسيكون من الصعب ان يقنعهم ان جيروم هاركورت لم يحاول اغراء فتاة

    شاركته الفراش ليلة كاملة, ونزل غاضباً, وقرر ان يلقن فيولا درساً

    قاسياً لانها تركته ينام حتى هذه الساعة.




    تعليق

    • حمادة الشاعري
      عضو متميز
      • Aug 2006
      • 5861

      #3
      الرد: مكتبة القصص العالمية ..

      _3_

      احضرت له صاحبة الفندق القهوة وسألها عن ابن عمه.

      (( لست ادري الى اين ذهب ؟ )) وظهر الخوف والقلق على وجهه, هل هي غاضبة من كلامه الجارح؟ كان يريد حمايتها كي لا تقع في حبه, لكنه لم يكن يرديها ان تهرب في مثل هذ الطقس.

      ( آه, عفواً لقد تذكرت لقد ترك لك رسالة))

      فتح جيروم الرسالة وانقبض قلبه.

      (( لقد رحلت لا تتبعني )).

      (( ولكن كيف رحل؟)).

      ثم اتجه لزريبة, ووجد ان حصانه موجوداً, فسأل حارس الاسطبل.

      (( هل عاد ؟ )).

      (( عاد انه لم يعد لقد ترك الفندق منذ الصباح الباكر)).

      (( لكن كيف فهو لا يملك نقوداً ... ؟ )).

      (( آه, انت لاتعلم)) قال له الحارس الاسطبل.

      (( لقد وجد المزارع ستون حصاناً قرب منزله, فجاء به هذا الصباح الى هنا

      ليسأل عن صاحبه, وكنت انا قد لا حظت انكما جئتما بالأمس على حصان واحد )).
      فعقد جيروم حاجبيه, ماذا تفعل هي الآن ؟ هل توجهت الى لندن بمثل هذا الطقس
      الردئ ؟ فقد تعود العاصفة من جديد, وفكر قليلاً, ثم دفع حساب الفندق

      وشرب قهوته قبل ان تبرد, لم يتناول اية لقمة من طعامه, وعاد الى الاسطبل
      وكان الصبي قد اسرج له جواده.

      (( اريت اي اتجاه سلك؟)).

      (( لقد سلك اتجاه الطريق العام )).

      بهذا الوقت , كانت فانسيـا على ظهر جوادها, وسعيدة جداً لانها وجدت حقيبتها واموالها سالمة, ولم تكن قلقة لان جيروم لا يزال نائماً, وفكرت انه قد يكون سعيداً لانه تخلص منها, وقررت ان تبدل ملابسها في مكتب بريد البلدة, وتترك بدن هناك وتركب عربة المسافرين, ورات ان تكتب رسالة لعمتها كي تأتي لاعادة الحصان بادن.

      وصلت فانسيـا الى البلدة برونويل, وعهدت بالحصان الى صبي الاسطبل, ودخلت الى الفندق, وكانت تشعر بالبرد القارس, ثم جلست امام النار, وتساءلت وهي تشرب القهوة اذا كان يجب عليها ان تحجز غرفة, وفجاة سمعت ضجيجاً مع وصول مسافرين جدد, ودخلت فتاو انيقة وصرخت الى مرفقها.

      (( انقلوها الى السرير فوراً, وطلبوا لها طبيباً, لم يعد بامكان سماع ألمها وشكواها)) نهضت فانسيا وصرخت.

      (( ماتي, يا الهي ماذا تفعلين هنا ؟ ))

      التفت الفتاة واخذت تتأمل فانسـا بدهشة, وتنظر الى ملابسها والى حذائها الملئ بالوحل.

      (( فانسيـا؟ هل هذه انت حقاً ؟ ولكن لماذا هذا التنكر؟ اذا رأك ولدي لن يصدق رغم رأية الجيد بك)).

      (( آه, متي يالها من صدفة, لقد هربت من عمتي نانسي, وانا متجهة الى لندن, لكن عاصفة ثلجية اخرتني, وانتِ؟ )).

      (( هريتِ ؟ يا الهي وانا ايضاً تعرضة لمشاكل, لقد انقلبت عربتي, ووقعت مربيتي, مارسي, ولم يسبق لي ان رأيت انساناً مثلها يكثر من الشكوى ومن الأنين, انا ذاهبة ايضاً الى لندن, ولا أريد ان أتاخر في هذا الفندق)).

      (( الى لندن؟آه, ماتي , ايمكنني مرافقتك؟ فأني ذاهبة الى معمدتي في شارع جورج)).

      (( ليس قبل ان تروى لي كل قصتك, وكيف هربتِ, ولماذا هذا التنكر؟ وانا سأكون مسروره برفقتك لكننا قد نتأخر ريثما يتم اصلاح العربة, وريثما تتحسن صحة مارسي, بامكاني ان أستاجر عربة, ولكن كيف سأقنع مارسي؟)).

      (( لا تقلقي, سافعل ذلك بنفسي, سأغير ملابسي, وعندما تتعرف علي لن تمانع في ان نستأجر عربة)).

      (( اولاً, أريد اسمع قصتك)) ثم طلبت فنجانين من الشوكلا, وروت فانسيا لها كل القصة, الا أنها لم تلمح الى جيروم واكتفت بان اخبرتها بانها تناولت عشاء مع احد المسافرين, وكانت ماتي صديقتها المفضلة عندما كانتا معاً منذ عامين في المدرسة الدخلية.

      (( نعم, انا افهمكجيداً, لديك اسباب مهمة للهرب ... ولكن ماحصل قد حصل, وسنسافر معاً, لاني متأكدة من ان مارسي تفضل البقاء في السرير لعدة أيام فهي لن تتحمل السفر مع هذا الرشح القوي الذ اصابها)).

      ((ولكن كيف سأبد ملابسي)).

      (( اذهبي الى السطبل, وبدلي ملابسك وانتظريني)).

      (( الطقس بارد جداّ في الخارج, لا تتأخري ولا سأصاب بالرشح)).

      بعد قليل خرجت فانسيا, وبدلت ملابسها وفجاة دخلت خادمة الى السطبل, وقالت لفانسيـا
      (( الآنسة ماتي تدعوك لشرب الشاي معها, وهي بانتطارك)).

      ضحكت فانسيـا كثيراً لهذه الخدعة التي قامت بها صديقتها.

      (( برافو, فانسيا, لقد عدت آنسة محترمة, تعالي وسرحي شعرك)).

      وبعد لحظات اختفى اوليفر وعادت فانسيا باسكومب.

      (( هيا لنودع مارسي , ثم نستأجر عربة جديدة)).

      (( ولكن الطقس بدأ يتغير ومن المستحيل ان نتابع السفر في هذا اليوم))

      مر جيروم على مكتب البريد, فلم يجد اي أثر لاوليفر ولا للحصان الرمادي, فتابع طريقة وهوو قلق على هذه الفتاة الغبية, واخذ يتصورها قد وقعت في قبضة اللصوص او تاهت في العاصفة بدون مال وبدون طعام . . .

      ومع غياب الشمس وصل الى الفندق الذي تنزل فيه فانسيـا وكان غضبه قد ازداد حدة, وما ان دخل الى الاسطبل حتى رأى حصانها وادرك ان ابحاثه قد انتهت,فأسرع الى الدخل الفندق ودفع الاب ودخل فراى الفتاة ترتدي ثوباص أخظر تجلس اما النار, وشعرها الحمر مسترسل على كتفيها, وما ان رأته فانسيـا حتى شحب لونها.

      (( آهو وأخيراً وجدتك, اهكذا تهربين ولاتتركي لي سوى رسالة موجوزة, وتتركيني في خوف كبير عليك؟ اريد ان القنك درساً قاسياً ولماذا بدلت ملابسك؟ كيف سيمكنني ان اضعك في عربة المافرين دون ان يالحظك احد؟ من معك هنا؟ رجل؟ ها اهانك احد؟ اذا فعل احدهم, فأنني سأقتله بيدي هاتين)). وأخذ يهزها بعنف.

      (( جيروم لا. انا لست بخطر هنا, انا برفقة صديقتي دعني قبل ان ينتبه لنا احد )).

      للحظة من الجنون, رغب جيروم بأن يضمها بين ذراعية ويقبلها, لكنه تركها ودفعها عنه.

      (( جيروم ؟ كيف تجروء؟ هل أنت مجنون؟ لا يحق لك معاملتي هكذا, بامكانك متابعة سفرك فوراً, لانني متأكدة انك لن تجد غرفة لك هنا )).

      (( اريد اصطحبك معي )).

      (( لن اذهب معك)) قالت له وابتسمت بمكر ثم جلست من جديد ( سأبقى هنا مع ماثي))

      (( ماثي , حسناً فيولا, أنا آسف لتصرفي معك مساء امس, كنت قد شربت كثيراً ولكنني مسؤول عنك واريد ان اوصلك بنفسي الى لندن سالمة معافاة؟ ولا اريد ان تتلطخ سمعتك, هيا, اجمعي اغرضك بتعقل وتعالي معي ...))

      (( لا يمكننا السفر قبل ان يتحسن الطقس, وكما ان صديقتي وعدتني بمرافقتي الى العاصمة, اذن بامكانك ان تهدأ, واذا كنت ترغب بقضاء الليلة هنا فسأعرفك عليها في الصباح)).

      أحس جيروم بخيبة كبيرة عندما صدق اخيراً بوجود ماثي, لكنه لم يكن يرغب بترك فانسيـا برفقة فتاة صغيرة اخرى.

      (( حسناً, سأقضي الليلة هنا, ولكني جاد في اصطحابك معي, فيولا, صباح الغد, فأنا مستعجل للوصول الى اقاربي الذي ينتظروني و ...))

      (( آه, يا الهي, ان اسمي ليس فيولا بل فانسيـا, وانا مضطرة الأن للاعتراف لك بحقيقة اسمي كي لا تخدعني ماثي دون قصد منها))

      (( فانسيـا)) ثم خلع معطفه وجلس بقربها (( والآن انا متعب جداً, اروى لي كيف التقيتِ بهذه الآنسة))

      (( كنا معاً في المدرسة الدخلية, والتقيت بها هنا, لان مربيتها اصيبت بجروح عندما انقلبت عربتها)).

      واحذت تضحك (( قد يدهشك موقف الآنسة راندولف ازاء خادمتها, لكني اتساءل هل كانت ستعاملها بهذا الكرم لو لم يمنعنا الثلج من السفر ؟ ))

      (( آه, خادمه مصابة ؟ ثم الآنسة راندولف .. . راندولف ))

      (( نعم ماثي , هي ماتلدا راندولف , لماذا ؟ لاتقل لي انك تعرفها جيروم ))

      (( اعتقد انها تلك الفتاة التي ستقيم في هانوفر سكوير عند عمي السير توماس ريمنغتون, اذا كانت حقاً هي, ي لها من مصادفة’ ولكن لماذا نهضتِ ؟ اتريدين النوم الآن ؟ ))

      (( اذا لم يكن يوجد غرفة لك , ياعزيزي جيروم, فأقل ما يمكنني ان أفعله من أجلك ان اطلب من صاحبة الفندق ان تعطيك غرفتي , وسأنام انا مع مارسي, فقد تحتاج لشيئ في الليل, تصبح على خير سيد))

      (( تصبحين على خير, هل سأراك اثناء تناول الفطور؟ )).

      ((هذا ممكن ...)) وقبل ان تبتعد نادها جيروم وسألها.

      (( هل الآنسة راندولف اكبر منك سناً ؟))

      (( انها في الثامنة عشرة, ولكن بفضل تربيتها وظروفها تبدو اكثر قدرة مني على الدفاع عن نفسها , ولن تخف منك )).

      في الصباح تفاجأة ماتيلدا كثيراً عندما اخبرتها فانسيـا ان جيروم وصل الفندق الى ليلة أمس, واخبرتها بأنها ستعرفها به اثناء تناول الفطور, واسرعت ماثي وجلست امام المرآة, وسرحت شعرها بحماس كبير.

      (( وكيف هو شكله , وكيف تعرفت عليه ؟)).

      (( انه جميل وجذاب, اعتقد انني اخبرتك انني التقيت بيمسافر لطيف, ولقد تبعني الى هنا, وكان قلقاً علي, بالمناسبة انه يعتبرني فانسيـا نورس, واتمنى ان لا تخبريه بأسم عائلتي))

      (( ولكن لماذا لا تريدينه ان يعرف ؟ آه فانسيـا لا تقولي لي بانه يبحث عن ميراث فتاة عازبة غنية , ان والدي يخاف كثيراً من هؤلاء الاشخاص )).

      (( لا , لا , انه رجل محترم جداً , انه ابن اخ السير توماس وانا لا اريده ان يرسل الى عمتي نانسي ويخبرها بمكان وجودي قبل وصولي الى السيدة هاريس, هذا كل ما في الامر))

      اخذت الصديقتان تتذكران بعض الحوادث التي وقعت لهما في المدرسة , ثم نزلتا وهما تضحكان الى الصالة السفلى , وكان جيروم با نتظارها , وما ان رأها حتى نهض وانحنى بلطف , وابتسم لماتيلدا , فعرفتهما على بعض .

      (( لقد اخبرتني الآنسة نوريس مساء امس , انك ذاهبة لزيارة السير توماس ريمنغتون واظن ان لقاءنا هنا سيسمح لنا بالتعرف اكثر خلال هذه الايام ))

      (( لماذا؟ )) سألته فانسيـا بقلق (( كنت اعتقد انك مستعجل للسفر بأسرع وقت ممكن ))

      (( طبعاً )) اجابها مبتسماً (( ولكن طالما ان الطقس يحول دون متابعة السفر , فأنا سعيد برفقة آنستين جميلتين ))

      كان كلامه موجهاً الى الآنستين , لكن نظراته موجه نحو ماتيلدا فقط , انقبض قلب فانسيـا , وتساءلت لماذا يتصرف هكذا ؟ بدون شك لان ماتيلدا اجمل منها , ولكن لا يمكنه ان يتعلق بها بهذه السرعة , ومع ذلك كانت ماثي كالفراشة التي تحوم حول الضوء , وتحاول لفت نظر جيروم اليها , وكانت تتكلم كثيراً , وتضحك كثيراً , وترميه بنظرات الدلال .

      وفي المساء لعب الثلاثة الورق , وكانت فانسيـا معجبة بهذه اللعبة , لكن ماتيلدا كانت تشعر بملل كبير , وبعد هذا النهار الطويل صعدت الفتاتان الى غرفتهما , وتركتا جيروم يقرأ كتاباً قرب النار .

      (( كيف الطقس اليوم آنسة ؟ )).
      سألتها مارسي التى كانت تجلس في السرير وفي يدها فنجان الحليب .

      (( لقد توقفت العاصفة , ولكن الطبيب لن يسمح لكِ بمغادرت السرير )) اجابتها فانسيـا , وكانت قد بدلت ملابسها , وسرحت شعرها (( الآنسة ماتيلدا تريد متابعة السفر )) .

      (( هذا ماعتقده , لكنها ستهتم بي , والا فان والدها سيغضب كثيراً ))

      (( طبعاً , ستهتم بك , فهي ليست فتاة شريرة )) .

      (( نعم , لكنها معتوهة , وانانية , ووالدها رجل طيب ويخضع كثيراً لها )) .

      (( نعم , طالما ان الطقس جيد , سأقوم بنزهة قصيرة حول الفندق , اتريدين شيئاً ؟ )) .

      (( حاولي ان تجدي لي كتاباً اتسلى به وانا في سريري ))

      (( حسناً , لن انسى ذلك , مارسي )) .

      (( شيئاً كقصة قصر او ترانت , مثلاً )) .

      وجدت فانسيـا صديقتها تشرب الكولا في صالة الفندق وتفاجأت عندما علمت ان ماتيلدا لم تقرأ كتاباً منذ خروجها من المدرسة منذ عامين .

      (( القراءة مضيعة للوقت , وستصابين بالدهشة عندما تعلمين انني اتناول فطوري عادة في سريري )) اجابتها ماتيلدا .

      (( هذا لانه لديك خادمة تهتم بك , لكن هنا , لقد علمت منذ قليل ان الطباخ لم يأتِ من القرية بعد )) .

      (( انني اتاءل متى سينزل جيروم من غرفته ؟ )) .

      (( ماتيلدا , يجب ان تنادية بالسيد هاركورت )) .

      كانت ماتيلدا ترتدي اليوم ثوباً ازرق وتبدو رائعة , فنظرت بمكر الى صديقتها واجابت .

      (( لماذا ؟ فأنتٍ نفسك ناديته بأسمه مرتين مساء امس )) .

      (( آه نعم .... لانني عندما تعرفت عليه كنت ارتدي ملابس رجل , فكان من الطبيعي ان انادية جيروم و ولقد توسل الي كي اناديه بأسمه فقط )) .

      (( اذا اردتِ ان تعرفي فأنا رجةته ان يناديني بأسمي فقط , فنحن قريبان تقريباً عمه ومعمدتي ... ))

      (( اما انا فأفضل ان يناديني فانسيـا بدل الآنسة نوريس ارجوك ماتيلدا , لا تخبريه بأسم عائلتي , لقد بدأت اندم لانني لم اخبره الحقيقة منذ البداية )) .

      بهذا الوقت دخل جيروم وهو يرتجف واسرع ومد يده الى النار .

      (( صباح الخير ايتها الآنسات , لقد نهضت منذ ساعات , واهتممت بالجياد , الطقس بارد جداً في الخارج , وعندما سيذوب الثلج ستكون الطريق موحلة جداً , وسيصعب على اية عربة العبور بسهولة )) .

      (( ماتيلدا ؟ )) سألتها فانسيـا (( كنت اعتقد انك ستستأجرين عربة ؟ )) .

      (( حسناً , الآنسة نوريس , فلنرى ماذا يمكننا ان نجد لكِ )) .

      واخذ يتفحصا الرفوف , الى ان صرخت فانسيـا بدهشة وفرح .
      (( آه , هذا قصر اوترانت , انه يلاقي نجاحاً ولقد طلبته مارسي مني , لكن ماهو كتاب باميلا ؟ يبدو لي انه قد يعجب مارسي كثيراً )) .

      (( طبعاً وهذا كتاب سمولت , سيساعدها على قضاء الوقت , وهذا آخر لجوناثان سويفت )) . ثم نظر الشاب اليها وهي تحمل كل هذه الكتب .

      (( اوه , آنسة نوريس لا يمكنني تركك تعودين الى الفندق وانتِ تحملين كل هذه الكتب , ولا يمكنني مرافقتك لانني انتظر صديقاً على الغداء , ولكن بامكاني ان اوصلك بعربتي بكل سرور )) .

      (( افضل السير , شكراً لك , فأنا لا ارغب بالعودة بسرعة الى الفندق , لانني امل فيه كثيراً بانتظار متابعة رحلتنا , ولكن اذا سمحت بامكاني ان آتي غداً لا حضار بقية المتب , وسأكتفي الآن بالكتاب الاول )) .

      (( فكرة ممتازة , وقد ازورك بعد ظهر اليوم , مارأيك ؟ وقد تفكران انتِ وصديقتك بقبول دعوتي للعشاء , بامكاني ان اؤكد انه يسرني كثيراً استضافة آنستين جميلتين )) .

      (( حسناً , لست ادري .... ولكن ..... )) .


      (( اتعتقدين ان ثلاثي لن يكون شيئاً لطيفاً ؟ لا تقلقي , سأحضر صديقي كولنز ابن الكاهن الاكبر , وسيكون سعيداً بالتعرف عليك وعلى صديقتك )) .

      (( لا .... لكن صديقتي الآنسة راندولف هي برفقة احد .... اقربائها ... اقصد ابن عمها ... السيد جيروم هاركورت الذي سيرافقنا الى لندن ...))

      (( عظيم , اذن سأحضر بعض الظهر ومعي بقية الكتب )) .

      ثم شكرته واكدت اه انها والآنسة راندولف سينتظرانه بغاية السرور .





      تعليق

      • حمادة الشاعري
        عضو متميز
        • Aug 2006
        • 5861

        #4
        الرد: مكتبة القصص العالمية ..

        4_

        وما ان خرجت من القصر , حتى تنهدت ’ هذا الشاب لطيف جداً , وطيب ايضاً , وفكرت بانه اذا ظل الطقس سيئاً فليست الخادمة مارسي هي فقط التي ستكون بحاجة للتسلية .

        تابعت فانسيـا سيرها وهي ترفع ثوبها عن الارض وبدأت تفكر بالجلوس قرب النار , وبشرب شاي ساخن , وفجأة سمعت انيناً , فتلفتت حولها بخوف كبير , عاد الانين من جديد , فجمعت شجاعتها واقتربت بأتجاه الصوت , فوجدت كلباً صغيراً ينام على الارض وقد علقت رجله في فخ حديدي , فنحنت فوقه , وكانت تحب الحيوانات كثيراً , فنظر اليها الكلب بعيون حزينة متوسلة واخذ يئن من شدة الالم .

        (( ما هذا؟ هل انت تشتمني ؟ انا احول انقاذك )) ثم وضعت المتاب جانباً وفتحت الفخ واخرجت رجل الكلب منه .

        (( انتظر سأرى ما يمكنني فعله من اجلك )) .

        وجدت فتنسيـا جرحاً في احدى قوائمه , وكان الكلب متسخاً ومبللاً .

        (( ستكون جميلاً بعد ان تستحم وتأكل , وتضمد جروحك )) ثم حملت المتاب والكلب وتابعة سيرها , ولاحظت ان ثوبها اصبح متسخاً ومبللاً ايضاً ’ فأخذ الكلب يلحس يدها .

        (( ايها الغبي , انا بحاجة لحمام وليس الى لسانك , سأخذك معي الى الفندق , ولكن يجب ان لا يراك احد )) .

        وحاولت فانسيـا ان تنفذ كلامها , فأقتربت من الفندق بهدوء ووقفت امام نافذة المطبخ , وكانت دهشتها كبيرة عندما رأت ماتيلدا في المطبخ تضع طنجرة صغيرة على النار , وفجأة ظهر جيروم واقترب منها بعد ان اغلق الاب وراءه .

        وقال جملة , فالتفت ماتيلدا نحوه وصحكت وهددته بالملعقة الخشبية , لكن جيروم اقترب منها اكثر وضمها اليه , فأدركت فانسيـا ماذا سيحصل بينهما , ورغبت في الهرب , لكنها ظلت مسمرة مكانها , تنظر الى جيروم وهو يحدق طويلاً في عيون ماتيلدا ثم ينحني وتلتقي شفاههما .

        تحت ذراع فانسيـا اخذ الكلب يئن من الالم , فاعتذرت منه , وحاولت ان تنسى الصدمة والالم بعد ذلك المشهد , ثم دفعت باب الخدم وصعدت السلم وقد تملكها غضب كبير , فهي لم تعرف من قبل اية تجربة من هذا النوع , لكنها كانت تعلم ان الرجل الشريف لا يقبل فتاة ثم يقبل فتاة آخرى في اليوم التالي , لقد تلاعب بها , وهو اليوم يتسلى بماتيلدا )) .

        (( مارسي , احضرت لك زائراً ))

        (( فانسيـا ماذا لديك ؟ ماهذا الوسخ على ثوبك ؟ ...
        اوه المسكين تعالى ياصغيري , مارسي تريد ان تتفحصك )).

        (( انه كلب وقع في فخ , انا متأكدة انه غير مصاب بجروح , ولكنه بحاجة لمعالجة جروحة , كما وانه بحاجة لبعض المحبة وللطعام ...))

        (( الافضل ان تأخذيه الى الاسطبل فلديهم هناك مراهم خاصة , ولكن اين كنت انتِ ؟ )).

        (( اسمعي , انا لا اجروء على النزول هكذا , سأتركه هنا قليلاً , ريثما اغير ملابسي , وبعد ذلك سأنظفه واعالجه )) .

        (( اذاً , اطلبي من الخادمة احضار الماء الساخن ))

        (( لا , سأغتسل بالماء البارد , فأصحاب الفندق يمنعون اصطحاب الحيونات الى الغرف , وانا اعترف ان هذا الحيوان متسخ جداً )) .

        اخذت مارسي تتأمل الفتاة بعد ان خلعت ملابسها واغتسلت وسرحت وشعرها .

        (( اليس لديك ثوب آخر ؟ )) سألتها عندما رأتها تحاول تنظيف ثوبها الاخضر بالفرشاة , (( بامكان ماثي ان تعيرك احد اثوابها )) وبهذا الوقت دخلت ماثي وهي تحمل صينية بيدها .

        (( هيا , مارسي يجب ان تأكلي هذه الشوربة , لقد اعددتها مع ... اوه , فانسيـا ماذا تفعلين هنا نصف عارية ؟ )) .

        (( لقد بللت ملابسي .... وكنا نفكر ...))

        (( هذا الثوب ليس مبللاً فقط , انه متسخ ايضاً , سأعيرك احد اثوابي , هيا , قبل ان تصابي بالبرد )) .

        (( انتِ لطيفة ماثي )) قالت لها فانسيـا بصوت مرتجف (( حسناً سأرتدي واحد من اثولبك ريثما يجف ثوبي هذا)) . ولاحظت بريق عيون صديقتها وتذكرت سبب هذا المرح .

        (( آه , ماهذا ؟ )) صرخت ماتيلدا عندما رأت الكلب الابيض .

        (( ياله من كلب مسكين , ماسمه ؟ )) ثم انحنت لكي تداعبه لكن الكلب خاف منها .

        (( سأحمله الى الاسطبل حيث انظفه وادوي جرحه )) قالت لها فانسيـا مبتسمة .

        (( سأرفقك )) قالت لها ماتيلدا (( بامكاننا ان نطلب مساعدة جيروم )) .

        (( لا , شكراً ماثي , انه تحت حمايتي , ولا اريد ازعاج السيد هاركورت )) اجابتها فانسيا بجفاف .

        (( ماذا ؟ لقد اصبح السيد هاركورت الآن ؟ ماذا اصابك ؟ لقد كنتما صديقين امس )) .

        (( آه , هل ابدو غاضبة ؟ لم اكن اقصد , لكني لا يمكنني ان اطلب من جيروم الاهتمام بهذا الكلب )) وفجأت توقفت وضربت على جبينها .

        (( لقد نسيت مارسي , ذهبت الى القصر ووجدت المتاب الذي طلبته مني , انه على الكرسي , وسيد القصر ,. السيد فورتسكي سيزورنا بعد الظهر وسيحضر لك بقية الكتب , لانني لم استط حملها كلها )).
        وبعد ان ارتدت فانسيا ثوباً آخر , نزلت الفتاتان الى الاسطبل , ووافق الصبي على الاهتمام بالكلب واخذت الفتاتان ترقبانه وهو يغسل الكلب بالماء والصابون .
        (( لا تتحرك كن عاقلاً )) امرته فانسيـا بحنان وهو يرتجف , وكانو الثلاثة ينشفونه عندما دخل جيروم .
        (( ياله من منظر رائع , اين وجدتم هذا الروكي ؟))
        (( هذا ليس...)) اعترضت فانسيـا , لكن ماتيلدا قاطعتها بسرور.
        (( بروك , هذا اسم يناسبه كثيراً , فنسيا , وروركي سيكون اسمه المختصر)).
        (( نعم , بروك , لابأس به , انظري كم اصبح جميلاً الآن). اقترب جيروم وتفحص الكلب.
        (( لقد وقع في احد الافخاخ اليس كذالك ؟))ثم التفت الى الصبي الاسطبل وسأله عما لديه من مراهم , واخذ يعالج جرح الكلب بنفسه , ثم اقترح على الفتاتين ان تعودا الى الفندق لانه حان موعد الغداء.
        (( يجب ان اهتم اولاً باطعام بروك )) قالت فانسيـا (( اسبقاني انتما وسألحق بكما بعد ان اصطحب بروك الى المطبخ )).
        لا حظ جيروم انها تتجنب النظر اليه مباشرة , فتردد لحظة ثم امسك ذراع ماتيلدا ودخلا الى الفندق , وكان متأكداً ان غضب فانسيـا مهما كان سببه فانه لن يطول , فهي لن تتكهن ابداً لنه يحاول اغراء ماتيلدا بكل الوسائل , فهذه فرصته المناسبة ولا يجب عليه ان يفوتها , لانه لن يجد وريثة غنية مثل ماتيلدا , لكنه رغم ذلك لا ينوي ايلام فانسيـا ابداً .

        وكان كلما ازعجة حديثه مع ماتيلدا او كلما شعر بالنفور منها او من غيرها من النساء اللوتي كان يحاول القبض على ثرواتهن , يتذكر قصره ومزرعته المهجورة , ان الوجب يحتم عله ان يعقد زواجاً جيداً , ينقذه وينقذ اكلاكه .
        وكان يعلم ان فانسيـا معجبة به , مع انها تقاوم عواطفها بشدة , كما وانه يعلم بأن شخصيته القوية وتجاربة الكثيرة تدهش ماتيلدا .

        والقبلة في المطبخ كانت كردة فعل طبيعة لوجود رجل وحدياً مع فتاة جميلة , وغياب فانسيـا شجع على ذلك , وكان قد رسم خطة لا قناع ماتيلدا حتى ولو اضطر الى الهرب معها , وهكذا ستقبل بالزواج منه , ويخضع والدها لامر الوقع , ولكنه لن يتمكن من فعل هذا امام عيون فانسيـا الخضراء الحزينة .
        (( يالها من طفلة لعينة )) فكر جيروم وهو يدخل برفقة ماتيلدا لماذا يجب ان تدخل حياته وتربك وجودة ؟ انها جميلة وحنونة.. لكنها آخر فتاة يفكر الزواج منها .

        بعد ان اطعكت فانسيـا الكلب , اتفقت مع الصبي الاسطبل على ان يتركه ينام في الاسطبل وان ينتبه عليه , وعندما عادت الى الصالة الفندق , وجدت ماتيلدا وحدها ويبدو عليها الانزعاج .
        (( اين كنتِ ؟ لقد انتطرناك وانتظرناك , وعندما تأخرتي تناولنا الغداء من دونك ))
        (( لا بأس , انا لست جائعة , لقد تركت بروك في الاسطبل , سأصعد لكي اطمئن على مارسي ))
        (( لن يمكنك ذلك , لان الطبيب عندها الآن ))
        ( مابك ماثي ؟ تبدين لست على مايرام , مع انك كنتِ سعيدة
        ونحن ننظف الكلب الصغير )).
        (( انه جيروم , لقد طلب مني ان نقوم بنزهة بعد الظهر , وهو على متن جواده , وانا على متن جوادك بادن , لكنني تذكرت زيارة السيد فورتسكي الذي يريد دعوتنا للعشاء , واخبرت جيروم بانه لا يمكنني تركك وحدك , فغضب كثيراً وخرج .
        (( هذه طبيعي , يجب ان تكوني مسرورة , يبدو انه يفضل التنزه معك على الثرثرة مع السيد فورتسكي )).
        (( هذا ممكن )) اجابتها ماتيلدا وابتسمت (( ولكن لم يكن يجب عليه ان يتركني بهذه الطريقة )).

        ابتسمت فانسيـا , وفكرت بأن تدخل صاحب القصر منع جيروم من الخروج مع ماتيلدا , ولكن لماذا هو غاضب لهذه الدرجة , وبعد قليل نزل الطبيب واعلن ان الخادمة مارسي بصحة جيدة , لكنها مضطرة لملازمة الفراش لمدة اسبوعين على الاقل .
        (( اذن , انا سأتدبر امرها مع صاحب الفندق )) قالت ماتيلدا للطبيب (( ولك عندما تشفى مارسي , ايمكنك ان تضعها في عربة الماسفرين المتجهة الى لندن ؟ )).
        وافق الطبيب ثم انحنى وترك الفتاتين وحدهما .
        (( انني انساءل ماذا يفعل الفقراء اذا كسرت رجل احدهم في الطريق السفر , وكيف سيدفعون تكاليف الاقامة في الفندق ؟ ))
        ((لست ادري)) اجابتها ماتيلدا , (( هذا الايهمني )) ثم وقفت ماتيلدا امام النافذة وفجأة التفتت نحو فانسيـا .
        (( فانسيـا ان شاباً جميلاً يدخل الآن الى باحة الفندق , ترى من يكون ؟ ))
        (( هل هو طويل واشقر ؟ ))
        (( نعم , لا تقولي لي انه .....))
        (( بلى , انه سيد القصر )) اجابتها فانسيـا ضاحكة (( لقد نسيت ان اخبرك انه شاب عازب هيا بنا نستقبله امام الباب )).
        (( لا , الافضل ان نبقى هنا وستدله صاحبة الفندق على مكاننا )) واكن دهشتهمما كانت كبيرة عندما دخل الشاب برفقته جيروم , وكان الشابان جميلين وانيقين .

        طلب جيروم النبيذ ثم اجاب على دعوة السيد فورتسكي من اجل العشاء , بانه يترك الخيار لرفيقتي سفره , وقال بأنه سيمكنهم متابعة السفر في الصباح الباكر , على امل لن ترفض الفتاتان السهرة لهذه الليلة.
        (( بامكاننا تنازل العشاء عند السيد فورتسكي ثم نعود بوقت مبكر )) اقترحت فانسيـا (( ماريك ماتيلدا ؟ )) وتجاهلت فانسيـا نظرات جيروم .
        (( فكرة رائعة , سنقبل هذه الدعوة بكل سرور )) اجابتها ماثي بحماس.
        (( حسناً سنتظركم عربتي وستعيدكم ساعة تشاؤن الى اللقاء الآن )) قال سد القصر بلطف وخرج .
        (( هكذا سنمضي سهرة لطيفة )) قالت فانسيـا يمكر بعد خروجه .
        (( سأذهب لا تفقد بروك )) وابتسمت لجيروم الذي رمقها بنظرة قاسية .
        وتساءلت وهي في طريقها الى الاسطبل اية لعبة يلعب جيروم ؟ لماذا يعارض هذه السهرة البريئة في القصر برفقة شاب لطيف ومهذب ؟ .
        وبعد خمسة دقائق لحقها جيروم الى الاسطبل .
        (( هل انتِ مسرورة من نفسك ؟ )).
        (( لماذا ؟ )) سألته بدهشة.
        (( يبدو انك تحاولين ابعاد ماتيلدا عني , وانتِ تعلمين انها معجبة بي , ولا تريدين اتقع في غرامي , ولكني لا افهم مذا فعلت لك كي استحق مثل هذا ...))
        (( انا اجهل عما تتكلم , اما بالنسبة لا بعاد ماتيلدا عنك , فهذه الفكرة لم تخطر بالي , فلديها والد مسؤةل عنها و مادخلي انا بكل هذا ؟ )).
        (( نعم , لماذا ؟ كوني متأكدة ان ماتيلدا ستكون سعيدة جداً بالزواج مني و... ))
        (( بازواج منك ؟ جيرو , هل فقدت عقلك ؟ انا لا عتقد ان ماتيلدا تنوي تأسيس عائلة الآن ... لقد كانت تنتظر دخولها الى العالم منذ سنين طويلة وبفارغ الصبر , ولن تقرر الزواج قبل ان تتذوق طعم اللذة )).
        (( نعم , ولكن ... سارفقها الى لندن , وساجعلها تكتشف معي اشياء كثيرة , ولا اعتقد ان هذا لن يكفيها )) .
        (( انت لديك خبرة طويلة , جيروم , لكنك لا تعرف الفتيات الصغيرات , ليس الرقص و الحفلات هو الذي يعجبهن فقط , بل هن يرغبن بان يحيط بهن عشرات الشبان , ولكن اذا وقعت ماتيلدا في حبك , فان هذا لن يهمها , لكنها لا تحبك ولن تحبك , انها ممتازة باندفعها كما ترى ))
        وكانا وحدهما في الاسطبل , فلاحظة فانسيـا تبدل ملامح وجه جيروم , ولقد اصبحت نظراته اكثر رقة , فأمسكها من كتفيها من كتفيها , ثم ابتسم بسخرية .
        (( انتِ تحتقريني لا نني اريد الزواج من ماتيلدا مع انني بالكاد اعرفها و ولكن الضرورة تعلمك كيف تستغلين العواطف الرقيقة , وبدون هذه الضرورة لكنت انتِ من سيكون في خطر هنا , لا ماتيلدا ثم تركها وحدها وخرج .
        فنظرت فانسيـا الى بروك الذي كان قد انهى طعامه ’ ونام على القش , واخذت تفكر وتحلل كلام جيروم .
        ماذا يعني باضرورة التي ستعلمها ؟... انها لا تتذكر كلماته باضبط , لانها كلمات بدون معنى , ولماذا يلمح الى ان ماتيلدا في خطر .
        وعندما خرجت من الاسطبل , خطرت فكرة في راسها , واذا كان لهذه معنى ؟ اذا كان جيروم حقاً من الباحثين عن الثروة ؟ واذا قرر خطف ماتيلدا ؟ يا الهي , ستكون هي المسؤلة لانها اخبرته بان ماتيلدا لن تقبل بالزواج منه قبل الاستفادة من موسمها .
        (( دون هذه الضرورة لكنت , انتِ من سيكون في خطر هنا , لا ماتيلدا )) هذا ماقاله جيروم , وبدأ قلبها يدق بسرعة , اذن هي تعجبه , واكثر من ماتيلدا .

        واسرعت الى الفندق لكي تطمئن على ان جيروم مهما كانت اهدافه لن يسبب بضياع ماتبلدا من اجل الوصول الى اهدافه الانانية .
        ارتدت فانسيا ملابس السهرة , ورشت شعرها بالون النحاسي , وكانت قلقة كثيراً على صديقتها وليست تدري ماذا يمكنها ان تفعل لمساعدتها , فمن المستحيل ان تترك ماثي تقع في الفخ الذي ينصبه لها جيروم , ولكن اي فخ ؟ كيف سيحاول جرها الى مثل هذا الفخ ؟ فهو لا يشك بانها تشجعه على مغازلتها , طالما انها سمحت له بتقبيلها , ولكن مخطئ في اعتقاده انها ستتحمس لاقتراحه , صحيح انها فاتنة ورومنطيقية كن فانسيـا واثقة ان ماثي لن تترك قلبها يسطير على عقلها .
        خلال تناول العشاء كانت فانسيـا اكثر صمتاً من عادتها , وظل فكرها مشغول في البحث عن حل , وبعد تناول الحلوى رافقت مضيفها الى غرفة المكتبة لاختيار مجموعة من الكتب , تعهد بالكتاب الى الآنسة ماتيلدا راندولف دائماً ليطمئنها على صحة مارسي .
        (( اتعلمين آنسة نوريس , بانك عندما دخلت مع الآنسة راندولف , احترت ولم استطع التميز بينكما ؟ فأمنِ شعرك احمر وهي شعرها اشقر , ولكن مه هذه البودرة التي ترشين منها على شعرك تبدوان متشابهتين )) .
        (( آه , نعم ... بدون شك فأنا ارتدي احد اثوابها , نعم , انا افهم جيداً....))
        (( انكما كاتوأم جميلتان , وعندما تنظران الى بعض اعتقد ان صورة احداكما تنعكس على مرآة)).
        عندما عادت فانسيـا وانضمت الى الآخرين , اخذت تفكر بهذه الملاحظة , بامكانها ان تحل مكان ماتيلدا ؟
        ولكن متى ؟ اثناء الحديث , قال جيروم انه حجز عربة لمتابعة السفر غداً .
        (( سنرحل مع الفجر )) اضاف جيروم (( يجب ان تودعا مارسي هذا المساء )).
        رافقهم سيد القصر , واصبحوا اصدقاء , وتواعدوا على اللقاء في لندن , وعند وصولهم الى الفندق , دخل جيروم الى الاسطبل ليتفقد حصانه , بينما صعدت الفتاتان لتناما , ظلت فانسيـا مستيقظة طويلاً وبعد تفكير رأت ان جيروم لن يؤخر تنفيذ خطته , وسينتظر حتى مساء الغد عندما يصبحون قريبين من لندن .
        وفي صباح اليوم التالي استيقظو ا باكراً , وركبت الفتاتان العربة ومعهما بروك , وكانت هذه اطول رحلة قامت بها فانسيـا واقلها راحة و لانهم كانوا يسيرون بسرعة وفي طرقات وعرة وموحلة , وكان من الواضح ان جيروم يفكر في خطة معينه وهو مصر على الوصول قبل هبوط الليل .
        حاولت فانسيـا ان تعترف مراراً بالحقيقة لصديقتها ماثي , لم تكن تريد ان تخبرها ان جيروم يسعى لخطفها , لكنها اردت اخبارها بنيته بازواج منها , وتساءلت ماذا ستكون ردة فعل صديقتها و فاذا كانت مدركة جيدا , فهذا سيجنبها كثيراً من المشاكل , وكلما كانت تفتح معها موضوع الزواج , كانت ماثي لا تبدي اب هتمام , وتغير الموضوع وتحدثها عن الحفلات وعن الرقص .
        ومع غروب , توقفوا في احدى المحطات وبدلوا الخيول , ولا حظت فانسيـا صدفة ان جيروم وهو يتكلم مع احد عند خروجه من الاسطبل , فاعتقدت انهم سينزلون في هذا الفندق , لكن عربتهم تابعت سيرها , يتبعها جيروم على جواده .
        وكان الظلام قد حل عندما وصلوا الى الفندق يسمى الريزان , لكنهم كلهم كانو بمزاج سيء , من شدت التعب , قفز بروك الى الارض , فتبعته فانسيـا واخذت تتأمل السماء وكان الطقس اكثر دفئاً من الايام الماضية .
        خرج جيروم من الاسطبل حيث ترك حصانه , وابتسم ونظر الى الكلب .
        ((لابد انه متعب , اتريدين ان اهتم به , بينما تنضمين الى ماتيلدا ؟ ))
        (( لا شكراً )) ثم دخلت تحمل الكلب الى الفندق , تبعهم جيروم وطلب القهوة والبسكويت ونصحهما بالرحة قليلاً قبل العشاء .
        (( لا بد انكما متعبتين بعد هذه الرحلة الطويلة , لكني اردت ان نتقدم اليوم , كي تكون رحلتنا غداً قصيرة , سيكون العشاء جاهزاً بعد ساعتين , هل ستسامحاني على هذه الرحلة المتعبة ؟ )).
        (( بالتأكيد )) اجابت ماتيلدا , (( واعدك بان احجز لك اول رقصة في حفلتي , والثانية ايضاً )) ورمقته بنظرات الدلال .
        (( هذا ماسيغيظ النساء المسنات )) اجابها جيروم ضاحكاً .
        (( اليس هذا ماتريدينه ؟ )) كانت فانسيـا واثقة انه يمزح لكن ماتيلدا اخذت كلامه على محمل الجد .
        (( بالطبع , فأنا اريد ان تكون حفلتي رائعة , يتكلم عنها الجميع لعدة سنوات , حيث تكون الآنسة راندولف ملكة كل الرقصات , وبعد ذلك , سأتزوج رجلاً فاحش الثراء ومهم جداً )).
        فكرت فانسيـا وهما تصعدان السلم ان ماتيلدا كتبت الآن قدرها فكل امال جيروم دمرت , ولم يعد امامه سوى وسيلة واحده لكسب هذه الوريثة .

        كانت الغرفتان متواجهتين , فدخلت فانسيـا الى الغرفة التي تطل على الشارع , ثم غسلت وجهها ويديها واستلقت على السرير , واخذت تتأمل سقف الغرفة وتفكر , وعندما دخلت الخادمة , طلبت فانسيـا منها ريشة وورقة وحبر للكتابة .
        وعندما عادت الخادمة , جلست فانسيـا وكتبت كلمة موجزة ثم وضعت الرسالة في احد الجوارير بجانب السرير .
        تناولوا العشاء بشهية , ثم جلسوا امام النار يثرثرون وكان جيروم صامتاً اكثر الوقت على غبر عادته , وفاجأته فانسيـا عدة مرات وهو يختلس النظر اليها , وكان كل مرة يدير رأسة بسرعة , ففكرت بانه يفكر بعد بردة فعلها عندما ستجد نفسها وحيدة في الصباح , فاذا لم تكن مخطئة , فأنه لم يكن ينوي تركها في مثل هذه الظروف الصعبة , وضميره يؤنبه , بعد كل شيء اذا تركته يخطف ماتيلدا , فأنها ستجد نفسها وحيدة في الصباح , بدون عربة وبدون رفقة . وحيدة مع كلبها الصغير ! ان قراره اناني جداً , ولن يعرف حقيقة الوضع الذي سيخلفه وراءه ! لكن ماتيلدا لن تبق وحدها في الفندق دون اية تفسيرات , وستعلم بكل ماحصل او بكل ماتريد فانسيا اخبارها به , وذلك بعد ان تقرأ تلك الرسالة .
        (( الم يزعجك ضجيج المطبخ آنسة ماثي ؟ )) سالها جيروم بقلق (( لقد لاحظت حركة كثيرة بينما كنت أنتظركما )).
        (( لا , ابداً كنت متعبة جداً , ونمت ولم استيقظ الا عندما دخلت الخادمة )).

        تعليق

        • حمادة الشاعري
          عضو متميز
          • Aug 2006
          • 5861

          #5
          الرد: مكتبة القصص العالمية ..

          _5_

          اصطنعت فانسيا الابتسام على شفتيها , وفهمت ان جيردم عرف الآن اية غرفة تشغل كل واحدة منهما .
          (( وانتِ فانسيـا ؟ هل كانت غرفتك هادئة ؟ )).
          (( نعم , شكراً كم نبعد عن لندن , الآن ؟ )).
          (( بعد ثمانية محطات , وسنصل الى هانوفر سكوير في وقت الغداء , اذا انطلقنا باكراً )).
          (( حسناً , بما اننا سنتستيقظ باكراً , يجب ان لانتأخر بالنوم , هيا بروك )) قالت فانسيـا .
          (( سأرفقك )) قالت لها ماثي (( وهكذا تساعديني من خلع ملابسي , انني افتقد لمارسي حقاً )).
          ثم صعدت الفتاتان وبروك بين ذراعي فانسيا , بعد ان بدلت ماثي ملابسها وسرحت شعرها , استلقت في سريرها وقالت لصديقتها .
          (( تصبحين على خير , فانسيا)).
          (( تصبحين على خير , ماثي ... اسمعي , اتريدن ان تسدي لي خدمة ؟ )).
          (( بالتأكيد , اتريدين ان اساعدك في خلع ثوبك ؟ )).
          (( زلكن لا! فأنا لست كسولة مثلك ! لا ولكن المسألة ... ايستطبع بروك ان ينام هذه اليلة في غرفتك ؟ لقد انزعج كثيراً بعد الظهر , وكان كلما اقترب عربة او حدثة ضجة يبدأ بالنباح , انا اعلم ان السير سيكون خفيفاً في الليل , ولكنه سيزعجني مع بزوغ الفجر ومع بدء الحركة في الشارع , الديك مانع ؟ )).
          (( لا , ابداً ولكني اتمنى الا يبداء بالنباح عند اول حركة في المطبخ , كما وانني لا يمكني رفض طلبك خاصة بعد ان كنتِ لطيفة مع مارسي هيا , اذهبي انتِ الى غرفتك , وبروك تعال الى جانبي )).
          واخذت تضحك عندما نظر الكلب اليها بخوف , ثم تثاءبت وجلست .
          (( حسناً )) قالت فانسيـا (( سأقوم معه بجولة في الخارج ثم نعود ))
          (( لا تتأخري والا سأنام )).
          نزلة فانسيـا ووجدت جيردم يشرب كأساً من البيرة في الصالة فسعلت وعندما التفت نحوها ابتسمت له .
          (( اريد ان انزه بروك قليلاً , اتريد مرافقتي جيردم ؟ )).
          تردد جيردم قليلاً ثم شرب كأسه وانضم اليها.
          (( لماذا ترغبين فجأة بمرافقتي ؟ كنت اشعر انكِ تتجنبيني , ولست ادري السبب )).
          (( ماهذا الكلام ! )). ونظرت اليه بعيونها الملائكية , (( اذا كنت غاضبة من احد , فأنها ماثي , لو لم تكن من وضع هذه الفكرة في رأسها ... ولكن اخيراً ...))
          (( ماذا تعنين ؟ واي خطأ ارتكبت أنا ؟ .... هيا فانسيا , اخبريني مالذي يشغل بالك )).
          (( ليس بشيء الخطير , كنت أمزح . لقد غيرت غرفتي مع ماثي لأنك تكلمت كثيراً عن ضوضاء الشارع والمطبخ . وخافت ان يزعجها الخدم الذين سينزلون في الصباح )).
          ((اذن , صديقتك انانية جداً )) قال لها جيردم وقد بدا عليه القلق , نكرت فانسيـا ذلك , وكانت تعلم انه هو الاناني .
          (( حسناً , اتمنى ان تنامي جيداً , فانسيـا ولاتكوني فكرة سيئة عني , ارجوك )).
          قد يبدو هذا كلام طبيعياً لكن فانسيـا لم تشك لحظة بمحتوى هذه الملاحظة , ولا بالتعبير الحنون في عيون جيردم السوداء , فتمنت له ليلة هادئة وصعدت السلم , ثم التفت اليه من جديد , ورأته ينظر بعيون ساهمة , وكأن هموم الدنيا كلها في رأسه .
          ترك بروك مع ماتيلدا كان سهلاً اكثر مما توقعت فانسيـا , في البداية , رفض ان تتركه وتذهب , وكل مرة يراها تتجه نحو الباب , يقفز من السرير ويتبعها , ولكنه اخيراً وبعد عدة محاولات , اصبح متعقلاً ونام بهدوء .
          عادت فانسيـا الى غرفتها , لكنها لم تنم , وظلت تنتظر اي حركة على السلم , وبعد ساعتين تقريباً , سمعت طرقات خفيفة على الباب وصوت ينادي بما يشبه الهمس .
          (( ماتيلدا ؟ آنسة راندولف ؟ ارجوك استيقظي )).


          وكانت فانسيـا قد رشت شعرها لكي تبدو مشابههة لماتيلدا , فنهضت من السرير ووضعت الشال على رأسها .
          (( ماذا هناك ؟ ايوجد حريق في الفندق ؟ )) سألته بصوت مرتفع .
          فأسرع ووضع يده على فمها .
          (( صه, ستوقضبن كل من في الفندق ! لا اطمئني انها فانسيـا الغبية ! )) .
          (( اوه , ماذا فعلت ؟ ولماذا تزعجني في منصف الليل ؟ )).
          (( لقد هربت ! ولهذا السبب كانت تسألني كم نبعد عن لندن , لقد تركت لي هذه النعتوهة رسالة , واخذت حصاني , ولو كنت تعرفين حصاني تيرور و لأدركت الخطر الذي تواجهه , وهي تقول في رسالتها انها ذاهبة الى صديقة لها في لندن , يجب ان نتبعها ! )).
          (( لماذا ؟اذا كان هذا هو ملتريدة هي...)) سألته فانسيـا محاولة ان تكون غاضبة , فابتسم جيردم.
          (( ليتها الساذجة البرئية , تذكري كلامي عن النساء المسنات المثرثرات , فأنهن سيغظن كثيراً اذا علمن اننا كنا وحدنا في الفندق واحد , ولهذا السبب يجب ان نجد فانسيـا ونعيدها مهما كلف الامر , لكي يبق فريقنا محترماً)) .
          (( آه , حسناً ! سأرتدي ملابسي فوراً )) .
          (( عظيم , سأحظر عربة , هل ستكوني جاهزة بعد عشرة دقائق ؟ )).
          (( نعم , ولكن متى وجدت رسالتها ؟ كم مضى على هربها ؟ )).
          (( لقد رمت الرسالة تحت باب غرفتي , واعتقدت انني نائم , لكني سمعت الضجة , اذن هي لم تسبقنا بكثير )).
          (( حسناً , سأسرع )).
          بعد قليل التقيا في البهو , وفانسيا ترتدي معطف ماتيلدا وتنزل قبعتها على جبينها مع انها تعلم ان خل الشعر الشقراء ستزيل كل اشكوك جيردام , ولكن لا يوجد سبب للقلق.
          ساعدها جيردم في الصعود الى العربة , ثم جلس بجانبها .
          (( لقد طلبت من الحوذي ان يسير ببطء بسب الظلام , وتيرور متعب ولن يبتعد كثيراً , بإمكانك ان تحاولي النوم قليلاً )).

          اسندت فانسيـا رأسها على جانب المقعد , وغفت ولم تستيقظ الا عندما توقفت العربة , فجلست وتثائبة وهي تضع يدها على فهمها كما كانت ترى ماتيلدا تفعل دائماً .
          (( هل وصلنا ؟ هل ترى حصانك ؟ )).
          (( لقد عطتني فانسيا اسم الفندق , وبالكاد اقرأ اسم هذا .... نعم لقد وصلنا )).
          نزل جيروم ثم قال لها بصوت ضعيف .
          (( ابق هنا قليلاً , اريد ان اتأكد اولاً اذا كانت هذه المجنونة هنا )).
          وبعد دقائق عاد جيردم وهو يحمل مصباحاً في يده .
          (( نعم , انها هنا و انزلي ماتيلدا سنتمكن نحن الاثنان من اقناعها وانا متأد انها لا تشك ابداً بالقلق الذي نعيشة بسببها )).
          كان كلامه مقنعاً , ولو لم تكن هي نفسها فانسيـا لكانت صدقته بسهولة ! امسك جيردم يدها ورافقها الى المدخل ثم اشار نحو السلم .
          (( لا تثيري ضجة يا صغيرتي , لا يجب ان نوقظ الجميع , فانسيـا تنزل في الغرفة الاولى الى اليمين , واعتقد من الافضل ان نرها معاً )).
          ترددت فانسيـا قليلاً , تلفتت حولها بقلق .
          (( لماذا يجب ان نصعد ؟ الا يمكننا ان نرن جرس الخدم ليصعد احدهم ويوقظها ؟ )).
          (( الجميع ينام الآن , ماعدا الخادمة التي فتحت لي الباب , تعالي ! )).

          وحاولت فانسيـا ان تدعي انها الآن فقط بدأت تشك بصدق كلامه .
          (( ولكن اين هي هذه الخادمة ؟ لماذا اختفت اصعد انت جيروم , انا .... انا نادمة لأنني رفقتك ! )).
          ترك جيردم يدها , واحاط قامتها بذرعية ودفعها نحو السلم .
          (( لا نقاش ماتيلدا , لقد جئتِ معي , وانا ارجوك لا تصرخي ! ))
          لم يعد بإمكان فانسيـا ان تتظاهر بالخوف , لأنها كانت تخاف حقاً و وتساءلت ماهو هذا المنزل و ولماذا جاء بها الى هنا ؟ .
          (( لا و لا انا لا اريد ! )) وإمسكت بحافة السلم بيديها .
          لكنه جعلها تترك السلم وحملها حتى باب الغرفة المفتوحة , وكانت النار مشتعلة في الموقد , ويوجدزجاجة خمر على الطاولة وبقربها كأسان , وكان السرير واسع ومغطى بشرشف من الحرير , والغرفة مضاءة بالشموع , فشعرت فانسيـا ببعض الاطمئنان , لكنها عادت وشعرت بأن جيردم سيخنقها عندما يعرف هويتها الحقيقية .
          ادر جيردم المفتاح في قفل الباب , ثم دخل وسكب كأسين من النبيذ .
          (( ماتيلدا ياعزيزتي ! كنت اريد لن اطلب يدك للزواج بطريقة تقليدية مختلفة , ولكن لأسف ! اصبحت مقتنعاً اكثر واكثر انك لا تريدين الزواج مني , ولهذا انتِ تفهمين ياصغيرتي ان هذه افضل وسيلة لإقناع والدك بالموفقة على زواجنا انا آسف حقاً لأنني اخفتك , واتمنى ان تقسمي على الانجيل انكِ ستقبلين الزواج مني فوراً والا فأني سأحاول ارغامك وانتِ من ستختارين , ياعزيزتي والآن , اخلعي هذه ...))
          ثم تقدم نحوها , فرفعت القبعة عن رأسها ونظرت اليه على ضوء الشموع , وتمنت لو تغمض عيونها ولكنها ظلت تنظر اليه بخوف كبير .
          عنئذ عرفها جيروم فوراً , واخذ يرتجف من الغضب .
          (( انتِ ! ماهذه الازدواجية ؟ كيف .....)) واخذ يزيل البودرة عن شعرها و ثم امسكها بكتفيها ورماها بعنف على الكنبة , فاعتقدت انه سيضربها بعنف , لكنه امرها بحدة .
          (( اجلسي ))
          فأطاعته بخوف , وجلس قبالتها و وتأملها للحظة واليأس بادِ على وجهه .
          فأحست فانسيـا بالشفقة عليه عندما لاحظت مدى خيبته .
          (( حسناً )) قال غاضباً .
          فأخذت تبحث عن جواب , عن كذبة تنقذها , لكنها فهمت ان الحقيقة فقط هي التي تفرض نفسها .
          (( لقد كذبت عليك , وانا لم اغير غرفتي مع ماثي )).
          ( وهذا مااراه لماذا؟ )).
          (( لقد فهمت انك ستفعل شيئاً من هذا النوع و ولا يمكنني ان اسمح لك بذلك , فماتيلدا صديقتي )).
          فهز رأسه وناولها كأساً من النبيذ , وشرب كأسة جرعة واحدة .
          (( لماذا لم تخبريها اذن ؟ لماذا لم تحذريها مني ؟ )).
          شربت فانسيـا جرعة , واحست ببعض الشجاعة
          (( لم تكن ستصدقني , ولكني لو فعلت , لكانت ماتيلدا قضت عليك , جيردم )).
          ( ماذا تعنين ؟ اتعنين انها كانت ستخبر الجميع بأنني لست شريفاً ؟ )).
          (( نعم )).
          (( ولماذا تقتلين نفسك ؟ )).
          (( يجب علي ذلك , فبعد كل شيء , انت لم تستغلني في مساء اليوم الاول في ذلك الفندق و...))
          __ كان بإمكاني ان افعل , وبامكاني الآن ان افعل )) ونظر اليها بغضب شديد , وخافت فانسيـا وانزوت في زاوية الكنبة وشربت جرعتين من كأسها .
          (( لا , جيروم كنت تريد خطف ماتيلدا بسبب مالها ؟ ))
          فهز رأسة , ونهض وسكب لنفسه كأساً آخر ثم حمل الزجاجة ووضعها بقربه .
          (( نعم , انا بحاجة ماسة للمال , قصري وارضي ... ولكن , ماذا يهم الآن ؟ اعتقد انك لعبتِ ماتيلدا لكي ترغميني على الزواج بك ؟ )).

          فنهضت فانسيـا بسرعة لشدة دهشتها , واوقعت الكأس على ثوبها .
          (( يا الهي لا ! هذه الفكرة لم تخطر ببالي ابداً , كل ما كنت اريده ان لا تحصل اية فضيحة , وعندما ستستيقظ ماتيلدا , ستقرأ رسالتي , وستفهم ان كل شيء يسير على مايرام , ولكن يجب ان نعود الى الفندق , وبأسرع وقت ممكن )) ثم وقفت لكنه اشار اليها بأن تجلس من جديد , وعندما لم تطعه فوراً دفعها بعنف .
          (( مستحيل , لقد قضينا ساعتين حتى وصلنا الى هنا و.... ولكن ماذا كتبتِ في رسالتك؟ )).
          نظرت فانسيـا اليه بقلق وهو يسكب كأساً جديداً وادركت فانسيـا انه سيحاول اغرائها , هذا واضح في عيونه , انه اصبح خطيراً و****************اً )).
          (( لقد كتبت لها انني تذكرت مربيتي القديمة التي تسكن بالقرب من هنا , وبأنني استعرت حصانك تيرور , ثم كتبت رسالة اخرى سلمتها للخادم ووقعتها بسمك انت , وكتبت فيها بأنك لحقت بي لأن تيرور بدل العربة لكني اخشى ان هذا لن يفيد بشيء : ياصغيرتي , لقد تركت رسالة انا ايضاً )).
          (( اوه لا ! كنت اعتقد انك ستتركني بكل بساطة و.... و..... لكن هذا ليس مهماً طالما انني لن اكون هناك لأقرأها )) فضحك جيردم بمرارة , ثم شرب كأساً آخر .
          (( بدون شك , ولكني كتبت رسالة ايضاً لولدتي , وهي تنزل في الفندق الذي مررنا امامه بالامس , واسمه ...))
          (( تايل هاوس , نعم لقد رأيتك تخرج من الاسطبل )).
          (( نعم , لقد توسلت اليها ان تتجه فوراً الى الفندق الريزان , وان تصل اليه قبل الساعة الثامنة صباحاً لكي ترافق فتاة موجودة هناك وحيدة حزينة , واخبرتها بأنني انوي اغراء وريثة ثرية , وطلبت منها المساعدة في هذه المسألة )) ثم ضحك بمرارة واضاف .
          (( يالهي ! لن تسامحني ديمتريا ابداً ! ان اخطأ بالفتاة ! ان اخطف الآنسة البسيطة بدل الآنسة راند ولف الثرية ! كل هذا لأنني لم آخذ في الحسبان طيش فتاة ملعونة غبية ! )).
          (( لكنك لن تخطف احداً , جيروم , كل شيء سيتدبر وستقرأ والدتك الرسالة , وستأتي الى الفندق , لكنها ستفهم فوراً بأنه سواء تفاهم عندما ستجد نفسها وجهاً لوجه امام ماتيلدا رندولف ! ))

          (( لم يسبق لها ان رأتها من قبل , ووالدتي ستدخل الى بهو الفندق وستصرخ بأعلى صوتها , انها جاءت لإنقاذ الآنسة رندولف من مصيبة اكبر من الموت ! وهكذا , يا صغيرتي سيعلم الجميع ان الآنسة رندولف خطفت , نعم ولهذا السبب طلبت من والدتي ان تتدخل )).
          (( اذن يجب علينا ان نعود فوراً لكي نمنعها من الوصول الى الفندق ! )) ونهضت لكن جيردم نهض ايضاً وامسكها وضمها اليه , واحست الفتاة بضربات قلبه .
          (( لقد فات الأوان بالنسبة لذلك , وفات الأوان بالنسبة لك ! بالتأكيد انا لن اتزوجك ولكن ....))
          واطبق شفتيه على شفتيها وكأنه يريد معاقبتها , ارادت الفتاة ان تصرخ لكنه منعها واجبرها على فتح شفتيها , وهو يفك ازرار قميصها , واحست باصابعه على جسدها لكنه خنق كل محاولاتها للتخلص منه .
          وفجأة تركها لإاخذت تبكي وخبأت وجهها بيديها .
          (( الى السرير ! )) امرها بحدة .
          (( ماذا ؟ لكن .... )) واحست بالدوار , وادركت ماذا سيفعل , انه غاضب جداً لأنها افسدت مخططه , ويريد معاقبتها لأنها جعلته يخسر تلك الوريثة ! تقدم جيردم , نحوها وعيونه تلمع ببريق لم يسبق لفانسيـا ان رأته , وجفت حنجرتها ولم تعد قادرة على الكلام .
          (( لا , لا ! جيردم ارجوك ..)) ومن خلال الدموع رأته يقترب منها اكثر وقد اصبح شكله مخيفاً .
          (( نعم , نعم ! ايتها الفتاة الغبية ! )).
          ثم حملها ورماها بعنف على السرير .
          اصبح بروك الكلب الصغير مطيعاً عندما فهم ان سيدته تريده ان يقضي هذه الليلة مع ماتيلدا , لم يكن سعيداً , لكنه امتثل لرغبتها , وكان سيبقى هادئاً حتى الصباح لو لم يسمح حركات في الممر فأدرك ان هذا الرجل هو نفسه الذي ضمد جروحه , والذي كان يتكلم دائماً بحنان مع فانسيـا .
          فتردد قليلاً وحرك ذنبه بهدوء , زائر ! اينبح قليلاً ؟ لكن لم يعلمه احد ان يقوم بأي انذار , فاكتفى بالجلوس وثبت نظراه على الباب مستعداً للقفز اذا اقتضت الظروف .
          لكنه سمع الرجل يتكلم مع فانسيـا ثم سمع خطوات الرجل يبتعد و وفانسيـا تغلق الباب وراءه , وعندما لم يعد يسمع شيئاً عاد الى النوم ولكن بعين واحدة , وكان قلقاً دون ان يدري سبب قلقه , وعندما خرجت فانسيـا من غرفتها وابتعدت بهدوء , نهض بروك فوراً , وسمعها تنزل السلم وتجتاز المدخل , ثم سمع وشوشة , ثم فتح باب الفندق واغلق من جيدي , فأسرع الكلب نحو الباب لكنه لم ينجح في فتحه , لقد رحلت سيدته وتركته وحيداً منسياً .
          عندئذ قفز الى سرير ماتيلدا واخذ بنباح , ولكن عندما لم تتحرك بدأ ينهش بالفراش بقوائمه , ويحاول ابعاد الغطاء عن ماتيلدا , فنهضت ماتيلدا وبدأت تصرخ وتشتمه .
          وعندما فتحت له الباب اخذ يروح ويجيء في الممر , ثم عاد وكأنه يريد منها ان تتبعه , لكن ماتيلدا سرت لأنها تخلصت منه , وعادت للنوم , اما بروك فلم يتردد ونزل السلم واخذ يبحث بصمت ثم عاد وصعد السلم كالسهم وجلس امام باب غرفة ماتيلدا وعاود النباح , لكنها لم تفتح له , استيقظ بعض الزبائن الفندق واضطروا ماتيلدا لكي تخرج من غرفتها وهي في قمة الغضب , وما ان رآها بروك حتى اسرع الى باب غرفة فانسيـا وعاد للنباح من جديد , فخطرت ببال ماتيلدا افكار سوداء , وقلقت على فانسيـا ففتحت باب غرفتها واشعلت الضوء وكانت دهشتها كبيرة عندما وجدت السرير خالياً .
          فنظرت الى الكلب بشيء من الاحترام , لقد كان محقاً , ولكن الى اين ذهبت فانسيا في هذا الليل ؟ ادرك بروك انه استطاع افهام ماتيلدا , فعاد ونزل السلم , واخذ يضرب الباب الخارجي بقاوائمه ثم صعد من جديد , فأخذت ماتيلدا تبحث في الغرفة عن تفسيرات لهذا اللغز , واخيراً وجدت رسالة موجهة لها بخط صديقتها , ففتحت الورقة وقرأتها بسرعة.
          (( عزيزتي ماتيلدا .
          لا تقلقي اذا لم تجديني في غرفتي , بما ان الطقس جميل جداً هذا الصباح , فلقد قررت زيارة مربيتي القديمة التي تسكن قريباً من هنا , واخذت الحصان تيرور , سأعود قبل الغداء , فانسيا )) .
          عادت ماتيلدا الى غرفتها وهي تشعر بحيرة كبيرة , هذا لا معنى له كيف توقعت فانسيـا ان هذا الصباح سيكون جميلاً ؟ فالنهار لم يطلع بعد , وهذا ليس وقتاً للقيام بزيارات وعلى جواد ؟ .
          فقررت ان توقظ جيردم , لأنه سيكون غاضباً اذا لم تخبره , لكنها لم تكن تعلم في اية غرفة ينام , ولكن بروك كان بضجته في الممر مما ايقظ احدى الخادمات التي خرجت من غرفتها وهي تحمل شمعة بيدها .
          (( ماذا هنالك ؟ )) سألت الخادمة ماتيلدا بقلق (( هل يوجد لصوص في الفندق ؟ )) .
          (( لا , لكني لا استطيع اسكات هذا الكلب , واريد اعادته الى سيده , ولا اعرف اية غرفة ينام السيد هاركورت , ايمكنك ان ترشديني الى غرفته ؟ انه ذلك الشاب الانيق صاحب الشعر الاسود )).
          (( نعم , نعم انه في آخر الممر الى جهة اليمين , تصبحين على خير آنسة )).




          آخر تعديل بواسطة حمادة الشاعري; 30-08-2007, 11:23 AM.

          تعليق

          • حمادة الشاعري
            عضو متميز
            • Aug 2006
            • 5861

            #6
            الرد: مكتبة القصص العالمية ..

            _6_

            اردت ماتيلدا ان تكون انيقة امام جيردم , فسرحت شعرها وغسلت عيونها بالماء البارد , وانتعلت مشاية من المخمل , ثم اتجهت نحو غرفة جيروم .
            دقت على الباب ونادت عليه بهدوء , واخيراً عندما حاول بروك دفعها , دخلت بخجل , وعلى ضوء الشمعة التي بيدها , رأت السرير خالياً .
            وبهذا الوقت , كان بروك قد بدأ يفقد صبره , فأمسك اسفل قميص نومها بأسنانه وتقدمها نحو السلم ولم يتوقف الا امام الباب الخارجي واخذا ينظر الى ماتيلدا ويهز ذنبه , ففتحت ماتيلدا الباب , عند ئذ انطلق الكلب كالسهم , واختفى في الظلام , وكان الفجر على وشك البزوغ , ولم تجروء ماتيلدا على المغامرة في الظلام , فعادت الى غرفتها , لكنها لم تقفل الباب جيدا و في حال عاد جيردم او فانسيـا , اما بالنسبة للكلب , فبإمكانه انتظار الفجر في الخارج .

            صرخت فانسيـا عندما رماها جيردم على السرير , ورمي بكل ثقلة عليها , وضمها بعنف بحيث لم يكن بإمكانها المقاومة وبدأ بتقبيلها بهدوء على جفونها وخدودها وعنقها , وكانت عيونه تقدحان بلهيب مخيف , ثم اطبق فمه على فمها في قبلة طويلة حنونة ملحة , ففهمت فانسيـا انها تحبه , وانه اذا اعتدى عليها فهذا لن يكون رغماً عن اردتها .
            وعندما اصبح اكثر عنفاً , واكثر جرأة , لم تقاومة بل اغمضت عينيها وانتظرت الى ان رفع رأسه عنها وتمتمت.
            ((جيردم ان احبك )).
            لكن هذه الكلمات زادت من اندفاعه , فعادت وقالت له بهدوء حزين .
            (( جيردم , اذا كنت تحبني , سيكون هذا رائعاً , لكنك لا تشعر بشيء تجاهي , وانا لا اريد ان اكرهك للأبد)).
            تأملها جيروم بدهشة , ثم ابتسم بسخرية .
            (( لن تكرهيني ! ستكوني سعيدة ! وهذا مانتِ عليه الآن ! )).
            (( ليس هذا هو الامر , جيردم انه الانتقام , اليس كذالك ؟ انت لا ترغب بي , تريد فقط امرأة تشبع حاجتك , ولهذا السبب لن اتمكن من مسامحتك , ولا من مسامحة نفسي )).
            نظر جيردم في عيونها ولا حظ الدموع فيها , لكنها حبست هذه الدموع , فهي لم تكن تريد ان تثير الشفقته , بالبكاء , فهي لم تفعل له شيئاً , لكنها حاولت فقط ان تنقذ صديقتها من حبائله , وهي تتكلم عن الحب ! واي حب ؟ .
            لا حظ جيردم انها لا تخاطر بشيء , فنهض رغماً عنه , وسكب كأساً ثم عاد فوجدها لا تزال ترتجف والسرير يهتز بها , فأقسم لها انه لم يكن يريد اخافتها , وانه كان ضحية للكحول ولمزاجه السيء.
            ما ان انهى كلامه هذا , حتى اجهشت فانسيـا بالبكاء , فاقترب وضمها اليه بحنان كما فعل اول مرة وهو يهمس بأذنها بكلمات رقيقة جداً , وكان يشعر بانفعال قوي يكبر ويكبر حتى ليكاد يمزق قلبه اذا لم يعترف لها بما يشعر نحوها , لكنه كان يعرف ان اية كلمة لن تعبر شفتيه , انه لا يستطيع الزواج من فتاة فقيرة , رغم مشاعره القوية , كما وانه لا يمكنه ان يجعل من هذه المخلوقة البريئة عشيقتة له .
            وعندما هدأت , طلب منها ان ترتب ملابسها , وقال لها بأنه سيعيدها الى فندق ال ريزان .
            ((بإمكانك بعد كل هذا ان نعتقد بالمعجزات )) قال لها مازحاً .
            (( فقد تكون والدتي نجحت في الحفاظ على لسانها ! )).
            ما ان عادت ماتيلدا الى النوم حتى دخلت الخادمة وفتحت الستائر , واعلنت ان اليوم هو يوم خريفي جميل ومشمس .
            (( حسناً , يالهي انا لم انم جيداً , هل ايقظتِ الآنسة نوريس ؟ )).
            (( لا , ولكنني سأحمل لها فطورها وهذه الرسالة , تناولي فطورك الآن قبل ان يبرد )).
            (( اذا لم تجدي الآنسة نوريس في غرفتها , فتركي الرسالة معي , وسأعطيها لها فور عودتها )) قالت لها ماتيلدا بمكر , بعد دقائق عادت الخادمة .
            (( لقد خرجت , قد تكون اردت ان تغتسل الشمس الصباح لكي تنزه كلبها الصغير , سأترك هذه الرسالة معك )).
            وكانت ماتيلدا تموت من الفضول لمعرفة فحوى الرسالة , وما ان خرجت الخادمة , حتى فتحت الرسالة التي كانت موقعة من جيردم .
            (( لقد طلبوني لأمر طارئ , لا تقلقي , لقد رتبت كل شيء بحيث ان ديمتريا ستأتي لنجدتك , اعدك بذلك , وفكري بأميرك ! )) اعدت ماتيلدا قرأة هذه الرسالة الغريبة عدة مرات , وتركت فطورها يبرد , وكلما فكرت بهذا اللغز اكثر , كلما تعقد اكثر , ديتريا ؟ من تكون ياترى ؟ ولماذا ترافق فانسيـا الى لندن بدلاً منه ؟ يجب علي انا ان ارفق فانسيـا الى لندن , انه يتلاعب بنا نحن الاثنتين بكل بساطة .
            ثم اخذت افكارها اتجاهاً آخر , جيردم كان يلاحقها وكانت تجد لذة وتسلية في ان تكون محط الانظار و الانتباه , ولكنها كانت تشعر احياناً بأنه مهتم اكثر بفانسيـا واذا تأكدت من وجود علاقة بينهم فهي ستكرهه الى اللأبد , قطع افكارها دخول الخادمة مع بروك .
            (( هذا كلب الآنسة نوريس ! يبدو انه كان يركض طوال الليل ! )).
            (( ابعديه من هنا , انا لا اريده , انه متسخ , قولي لعامل الاسطبل ان يغسلة وان يعيد تضميد جرحه .... سلأهتم به فيما بعد )) ثم ترددت قليلاُ وسألت الخادمة .
            (( هل عاد السيد هاركورت او الآنسة نوريس ؟ )).
            (( اوه , هل هربا معاً ؟ )) سألتها الخادمة بدهشة , (( كنا نتساءل .... ولكن الآنسة نوريس تبدو متعقلة ! كيف استطاعت ان تترك كلبها ؟ فهي تحبه كثيراً و يا الهي انا ....))
            (( لا , لا هما لم يهربا معاً , كم انتِ غبية ! هذه الرسالة تشرح كل شيء , الآنسة نوريس خرجت في وقت مبكر لزيارة مربتها القديمة التي تسكن بالقرب من هنا , وتركت رسالة للسيد هاركورت , تشرح فيها كل شيء , ولقد ذهب هو للبحث عنها , لقد اخذت حصانه , وكما ترين حصانه ليس مطيعة مناسبة لفتاة )).
            ((آه )) واحمر وجه الخادمة (( انا آسفة , لقد اسأت الظن بصديقنك ولكن ...))
            (( هذا ليس مهماً , دعينا لا نتكلم فيه , ايمكنك مساعدتي في ارتداء ملابسي , بما ان صديقتي ليست هنا ؟ )).
            وبعد قليل كانت ماتيلدا قد ارتدت ملابسها , واصبحت جاهزة لمواجهة هذا اليوم وما يحمله من اسرار , فنزلت الى البهو على أمل ان تجد رسالة اخرى لها و لكنها لم تجد شيئاً , ولاحظت من عدم اهتمام احد بها , ان الخادمة قد نشرت الاشاعة في كل الفندق , لكنها في قرارة نفسها لم تقتنع بزيارة فانسيـا لمربيتها , ثم خرجت الى الاسطبل لتسأل مت ستكون العربة جاهزة لمتابعة السفر الى لندن , وقبلت ان تنتظر ساعه او ساعتين و ومهما كان قد حصل , فهي تريد متابعة السفر و فرسالة فانسيـا تلمح الى انها لن تتأخر كثيراً , ورسالة جيروم تلمح الى وجود انسانة لا تزال مجهولة حتى الآن ولم يظهر سوى بروك المتعب جداً والذي يبدو عليه انه ركض طويلاً.
            (( ولكن آنسة لقد رحلت العربة منذ ساعات طويلة ! ولست ادري اية ساعة بالتحديد و ولكن قبل طلوع الفجر وستمر عربة المسافرين بعد ساعة )).
            (( اعتقد ان فانسيـا خافت من تيرور , وان جيردم تبعها على جواده)).
            (( عفواً آنسة لكن السيد هاركورت هو الذي اخذ العربة وليست الآنسة فانسيـا )).
            ( آه .. في هذه الحالة , الآنسة نوريس اخذت تيرور كما كتبت لي , يالهي , اتمنى ان لا يكون قد حصل لها مكروه )).
            (( بالطبع لا , لأن الحصان الاسود لا يزال هنا )).
            (( ماذا ؟ )) سالته بدهشة (( ولكن من اذن ... ماذا ))
            بهذا الوقت دخلت عربة فخمة الى باحة الفندق , ثم اخرجت امرأة رأسها من النافذة , ولم تكن صغيرة السن , لكنها جميلة ومثيرة , ووجهها ذكر ماتيلدا بشخص ما.
            (( هاي , انت )).
            وكان صوتها حاد ولهجتها متسلطة تدل على شخص قد اعتاد اصدرا الاومر , فأسرع عامل الاسطبل ورفع قبعته .
            (( نعم سيدتي ؟ ))
            (( ابني ...هل عادر الفندق ؟ انه يدعى السيد هاركورت و ..... )).
            (( نعم سيدتي , لقد رحل مع آنسة شابة صديقة هذه الآنسة )).
            (( حسناً الى اين ذهبا ؟ )).
            شعرت بالاهمال ,لأن السيدة دميتريا لم تنظر اليها وهي منذ ان استيقظت هذا الصباح والجميع يهملها , كما وانها تواجه لغزاً يزداد كل احظة غموضاً و وهي تشعر برغبة للعراك مع احد ما .
            (( ابنك سيدتي , لم يترك اي خبر عندما رحل , لكنه بدون شك خطف صديقتي , اعتقد انهما متجهان نحو الحدود )).
            صرخت دمتريا بدهشة , ووضعت يدها على قلبها .
            (( خطف ؟ ابني اوه لا , لا بد انهما متحابان جداً و ...)).
            وما ان اكتشف انها وريثة وغنية جداً , لاحظ انه لن يستطيع العيش بدونها )) قاطعتها ماتيلدا باحتقار .
            (( انا لا يمكني ان اسمح ...))
            (( سيدتي , لا انا ولا انتِ يمكننا فعل اي شيء انا اريد مساعدة صديقتي , المسكينة البريئة الرفعية , فهي لا اهل لها , والوصي عليها سيكون غير قادر على مواجهة اخاديع شاب مثل السيد هاركورت ! )).
            (( ابني ..))
            (( انه يكبر ضحيته بخمسة عشرة عاماً تقريباً , وهو خبير بأمور النساء , والآن , اعذريني لأن صديقة يجب ان تصل لمرفقتي الى العاصمة )).
            ثم دخلت ماتيلدا الى الفندق وغاضبة , صعدت الى غرفتها , وحزمت حقائبها وعندما نزلت الى البهو , طلبت فنجان قهوة , وسألت صاحبة الفندق اذا كان احد قد سأل عنها .
            (( لا احد آنسة , ولكنك كنت تتكلمين مع السيدة في الباحة منذ قليل ....))
            (( هذه السيدة هاركورت , وانا انتظر ... سخصياً آخر )).
            (( من اذن , دمتريا هاركورت ؟ )) سألتها صاحبة الفندق باهتمام (( ولكن مابك آنسة ؟ ))
            ابتعدت ماتيلدا بسرعة , دون ان تلفت وراءها وصعدت الى غرفتها ثم رمت نفسها على السرير , واخذت تضرب بيديها بغضب على الوسادة ثم استلقت على ظهرها واخذت تضحك بجنون .
            (( ديمتريا هاركورت ! من الغريب ان ينادي جيردم والدته باسمها الصغير ! اذن كان يقصد والدته ! آه يالهي , هذه القصة تزداد تعقيداً , والآن يجب ان استقل العربة القادمة , وعندما سألتقي بجيردم هاركورت في هانوفر سكوير , سيكون لي معه حديث طويل .
            وكانت ماتيلدا قد بدأت تعتقد ان فانسيـا الآن في وضع مأساوي , لكنها لم تعرف بعد كيف اكتشف جيروم ان فانسيـا هي الآنسة باسكومب , ومن المؤكد ان فانسيـا ليست معجبة بجيروم ومع ذلك وقعت بين مخالبه .
            فكرت ماتيلدا كثيراً , لكنها لم تجد وسيلة لمساعدة صديقتها , فاذا لم يكن قد ... اذا كانت فانسيـا لا تزال عذراء ... فيمكن للقصة هذه ان تطمر وان يوجد لها حل , وقررت ان تخبر اللايدي ريمنغتون فور وصولها علها تستطيع انقاذ صديقتها .
            (( ماتيلدا .... اقصد الآنسة رندولف ...رحلت ؟ ولكن ... ولكني ... انا ... قلت لها ان تنتظر ... الى اين ذهبت ؟ هل هي .... هي ؟ )) تلعثمت فانسيـا وفقدت كل هدوئها .
            تبعها جيروم الى الفندق وامسك ذراعها
            آخر تعديل بواسطة حمادة الشاعري; 30-08-2007, 11:34 AM.

            تعليق

            • حمادة الشاعري
              عضو متميز
              • Aug 2006
              • 5861

              #7
              الرد: مكتبة القصص العالمية ..

              اهدئي ... اهدئييا ... آنسة نوريس لا تقلقي الآنسة رندولف واعية , ولن تصاب بأي مكروه )) ثم التفت نحو صاحبة الفندق واضاف (( لقد ذهبت الآنسة نوريس باكراً لزيارة قريبة لها ’ وذهبت انا لبحث عنها , وتركنا رسالة للآنسة رندولف نشرح لها فيها ...))
              (( نعم , نعم سيدي لقد انتظرت الآنسة رندولف قليلاً , ثم جاءت السيدة دمتريا هاركورت , بعد ان تكلمت معها , قررت الآنسة رندولف ان تستقل عربة المسافرين , رغم نصائحي لها ! واشك في ان تصل الى لندن قبل فترة بعد الظهر )).
              (( حسناً , الافضل اذاً . ان ننطلق فوراً )) .
              ما ان اصبحا في الخارج , حتى امسكت فانسيـا كم جاكيتته .
              (( لا تغضب , جيروم , يبدو ان والدتك والآنسة ماتيلدا لم يتناولا سوى بضعة كلمات , ولم يحصل اي شيء , اذا كانت قد علمت بالقصة , ستذهب معها الى لندن )).
              ((آه , انتِ لا تعرفينها ! ديمتريا تسافر ببطء وستصل تقريباً بنفس الوقت مع عربة المسافرين , هيا لنسأل صبي الاسطبل كما وانني اريد ان آخذ حصاني )).
              وجد عامل الاسطبل ينظف المكان , وكان يحترق من الفضول .
              (( آه , نعم , سيدي السيدة هاركورت كانت غاضبة ! ولم اكلمها , كنت مشغولاً , ولكني سمعت كل شيء )).
              (( حسناً , ماذا سمعت ؟ )).
              (( سمعت ان لديها ابن يقيم هنا , وانه هرب ليلة امس مع وريثة غنية ! ))
              (( يالهي )) صرخت فانسيـا (( وماذا اجابتها الآنسة الشابة ؟ الآنسة رندولف , الشقراء هل سافرت في عربة المسافرين ؟ )).
              (( ام انتبه , لكنني رأتيها تسرع غاضبة نحو الفندق )).
              (( ماذا سنفعل الآن , سيد هاركورت ؟ )) سألته فانسيـا وكان الصبي قد ابتعد , ثم التفت من جديد بذهول .
              ((سيد هاركور ؟ آه سيد انا كنت اعتقد ...))
              ((ولكن نعم , نعم الآن هيا اسرج لي جوادي الاسود وليكن جاهزاً بعد عشرة دقائق , ستستقل الآنسة نوريس العربة الصغيرة )).
              (( لا , انا احتاج لنصف ساعة , فأنا اشعر بالجوع , كما وانني بحاجة للرحة قليلاً)).
              عادا الى الداخل وطلبا القهوة , والفطور , جلست فانسيـا قرب النار ودعت جيردم للجلوس .
              (( تعالى جيردم , ولنتحدث بكل هذا فوراً , اعتقد انك تظن بأن ماتيلدا تشك بكل شيء ؟ )).
              (( لا , لكنها ستعرف حين وصولها الى هانوفر سكوير , فأنا اتكهن بما حصل , وصلت ديمتريا وعلمت ان ابنها خطف فتاة , لكنها لم تحدد هويتها وماتيلدا استنتجت انك انتِ التي اردت خطفها )).
              (( حسناً , هذا صحيح ))
              (( لا ’ انا ... اخيراً يجب ان نصل الى لندن قبل عربة المسافرين , وان نجد ماتيلدا قبل ان تلتقي بوالدتي العزيزة في هانوفر سكوير)).
              ( انا افهم . ويبدو لي كل شيء مبسطاً )).
              شرب جيردم قهوته ثم نهض ووقف امام النافذة .
              (( هيا , اسرعي ! فأنا لا ارى شيئاً بسيطاً في كل هذا ! )) .
              ((لا , لأن عقول الرجال اقل مرونة من عقول النساء , يجب علينا بالتأكيد ان ننزل ماتيلدا قبل وصول العربة الى لندن )).
              انتفض جيردم .
              ((ان ننزلها ؟ لعبة اولاد هذه ! ولكن كيف سنصل قبل وصولهم الى لندن ؟ هيا قولي ! )) .
              (( انها ستتوقف في ارض البور , واذا نحن ... واذا نحن اقنعناهم )).
              جلس جيردم بقربها وهزها بكتفيها , فتابعت اكل الكاتو وعيونها تشرق بمكر.
              (( ماذا تقولين ايتها الشيطانة ؟ ))
              بلعت فانسيـا لقمتها وقالت له مبتسمة .
              (( انها لذيذة جداً , جيردم , خذ لك قطعة منها ! حسناً سنهاجم العربة بكل بساطة )).
              وكان جيردم يمد يده نحو صحن الكاتو , فتجمدت يده مكانها .
              (( نهاجمها ؟هل انتِ مجنونة ؟ نضع اقنعة على وجوهنا ونحمل مسدسات , اليس كذالك ؟ ))
              (( لكن نعم , لا تزال معي ملابس ابن عمتي , فوق وبإمكاننا ان نضع اقنعة على وجوهنا ليس لدي مسدس ولكنني استطيع ان احمل عصاً تحت معطفي ولن ير احد شيئاً )).
              (( هذا جنون ! ولماذا نهاجم العربة ؟ حتى ولو نجحنا وانزلنا ماتيلدا , ماذا سنقول لها ؟ ))
              (( بإمكاننا ان نحجزها لقاء فدية , وهكذا لن تكون انت مجبراً على الزواج منها , وهكذا لن تتأثر هي , وانا متأكدة انها ستفضل التضحية بمبلغ محترم من المال )).
              نهض جيردم وقد عقد حاجبيه ثم ابتسم .
              (( هذه بالفعل اسوء اهانة سمعتها ! كيف ستعلمين ليتها البريئة الصغيرة , اذا لم تكن هذه اللعبة تعرضني للخطر وللشبهات ؟ فأنا اسمح لنفسي بأن اقول لك بأن عدداً كبيراً من السيدات سيجدن هذا مثيراً ! )).
              (( توقف عن المزاح , جيردم وكن جدياً , عندما تنجح العملية , ستكتشف الحقيقة لماتيلدا , واخيراً ليس الحقيقة الصحيحة , لكن القصة التي تخيلنها الآن , انا هربت لأنني اعتقدت انك ستعدني الى عمتي ... وعندما شككت بمحاولة الهرب , تتبعتني الى خارج الفندق ثم ركبت معي في العربة )).
              (( ثم تعطلت عجلت عربتنا , واضطررنا للجواء الى مزرعة قريبة بانتظار استبدال العجلة ... اذا صدقت ذلك , فأنها ستصدق كل شيء ! وماذا ايضاً ؟ )).
              (( سيد , انا لا يمكنني ان اعيش حياتك بدلاً عنك ! حاول اغرئها اذا كنت مصراً على الزواج منها ! وانا لن اسمح لك بخطفها , فلا تفكر بذلك , ولكن اذا تصرفت جيداً فلن اخبر احداً بما فعلناه هذه الليلة )).
              امسك جيردم بيديها , وساعدها في النهوض وهو يضحك.
              (( بما فعلناه هذه الليلة ! ليس لديك ماتروينه ! والآن هيا اسرعي بتغير ملابسك , وارتدي البنطلون وضعي القبعة وغطي نفسك بشالك , على امل ان لا يلاحظ احد انك فتاة , هيا ولا تتأخري و ...... فانسيـا ؟ ))
              (( نعم ؟))
              (( لقد تغيرتِ , لماذا انتِ مرحة هكذا وفجأة ؟ ))
              ( آه , اتريد حقاً معرفة السبب ؟ سأسرع )).
              لم تتأخر فانسيـا وعندما نزلت كان جيروم ينتظرها في الاسطبل
              (( اركبي فانسيـا , وهيا بنا نحو الارض البور )).
              (( هل احضرت مسدسيك جيردم ؟ ايمكنني ان احمل واحداً ؟ ))
              (( لا , لا يمكنك ارهن بأنك لم تحملي من قبل مسدساً بيديك , حاولي فقط ان تظللي محافظة على نفس المستوى , وعندما نصل الى الارض البور , ابحثي عن مجموعة اشجار حيث تختبئين بينها بانتظار وصول العربة , وانا من سيطلق النار اذا اضطر الامر وفوق رؤوس الجياد , اما انتِ فقد تقتلين احد الخيول )).
              (( لا ابداً , انا احب الجياد كثيراً )) اجابته وضحكا معاً وسارا معاً جنباً الى جنب باتجاه لندن وكأنهما اصدقاء منذ زمن بعيد .
              (( هذه هي ؟ )) سألته فانسيـا وقد رفعت الفولار على وجهها .
              (( نعم , انها هي اتبعيني ! )).
              واتجها بسرعة نحو العربة , وما ان رآهما الحوذي حتى شد على زمام جياده وصرخ ((هو )) ووجه نصائح سريعة للركاب.
              (( لا تتحركوا اخفضوا رؤوسكم ..)) لكنه لم ينجح الا في ازدياد توترهم .


              عندما اطلق جيردم رصاصة في الهواء , جنت الخيول واخذت العربة تهتز بعنف فوق الطريق الوعرة , فوقعت سلة قصب مليئة بالدجاج على ركبتي الحارس الذي كان يدير بندقتيه القديمة نحو الفارسان , فوقعت بندقيته في حفرة , ثم نظر الحارس الى الفارسين وهو يتمنى ان لا يحل غضبهما عليه , وسرت الدجاجات كثيراً بحريتهن ورفرفت بجوانحهن وابتعدت بسرعة , نزلت فانسيـا عن فرسها واقتربت من العربة حيث تتعالى الصرخات , وكتمت رغبتها في الضحك وهي تنظر الى جيردم وهو يحاول السيطرة على حصانه ويهدد العربة بمسدسه .
              وما ان وصلت الى العربة , حتى نبح كلب صغير بفرح كبير ورمي بنفسه من العربة .. لكنه ظل عالقاً في الهواء .
              (( دعوا هذا الكلب ينزل من العربة ! )) صرخت فانسيـا وقد نسيت ان تجعل صوتها خشناً .
              (( حرروا هذا الكلب فوراً ! )) صرخ جيروم من وراءها .
              فحررت امرية تجلس بقربه حبل الكلب , فأسرع فرحاً واتجه نحو سيدته , فحملته بين ذراعيها وتركته يلمس الجزء الظاهر من وجهها .
              نزل جيردم عن حصانه وهو يحمل مسدسيه , ثم فتح باب العربة , ورأى بداخلها مزارع وزوجته و وبحار ورجل عجوز , ووجه الآنسة ماتيلدا رند ولف المتعالي .
              (( انت هناك ؟ هل الكلب لك ؟ )).
              هز الجميع الركاب رؤسهم بالنفي .
              (( انتِ الآنسة التي في الزواية ! هل هذا الكلب لك ؟ )).
              (( حسناً , لا اعتقد ان امتلاك كلب يعتبر جريمة ! )) اجابته ماتيلدا بجفاف .
              (( نعم , لكن هذا الكلب مسروق ! )) صرخت فانسيـا
              (( يجب ان تأتي الآنسة معنا لكي تبرري موقفك امام الشرطة )).
              لم تكن ماتيلدا غبية , لقد لا حظت استقبال بروك لهؤلاء اللصوص , ولاحظت الآن خصلة من شعر فانسيـا الاحمر .
              (( حسناً , ولكني اتمنى ان يكون لديكما سبب لذلك )) اجابت ماتيلدا مهددة .
              ثم نزلت من العربة , فأسرع جيردم ورفعها فوق حصانه , ثم ركب خلفها واشار الى فانسيا ان تفعل مثله , وبعد لحظات اختفوا عن الانظار , وهم يتجهون نحو الغابة الصغيرة
              (( حسناً ؟ )).
              وكانوا قد اصبحو بعيدين , ولم يعد بإمكان ماتيلدا الانتظار اكثر , فابتسم جيردم بمودة .
              (( حسناً ما تيلدا ! باختصار كان يجب علينا ان ننزلك من هذه العربة ...)) وروى لها قصتهما و هرب فانسيـا وكيف تبعها وكيف انكسر دولاب عربتهما ..
              (( وكنت قد تذكرت ان والدتي تنزل في فندق قريب فرجوتها ان تذهب الى فندق الذي تنزلين فيه لكي توصلك الى هانوفر سكوير , وانا لا افهم لماذا لم تفعل ! ))
              (( انها تلك الرسائل ! )) واحمر وجه ماتيلدا (( كان كل شيء غريباً , انا اخشى انني جعلت والدتك تعتقد انك خطفت فانسيـا المسكينة )).
              (( كيف استطعت ان تفعلي شيئاً مماثلاً ؟ )) سألها وقد تظاهر بالغضب (( وسمعة فانسيـا ؟ الحمدلله اننا لدينا مربية فانسيـا كشاهدة و كما وان فانسيـا لم تختفي في منتصف الليل )).
              (( تقريباً ! لكني لم انظر الى الساعة , لكن الظلام كان حالكاً , عندما ايقضني بروك بنباحة , ثم وجدت رسالة فانسيـا , وعندما احظرت لي الخادمة فطوري وجدت رسالتك , فازدادت شكوكي ...))
              (( لكنني لم اكتب لك رسالة ! ))
              (( لم تكن الرسالة لي , كانت الرسالة موجهة الى فانسيـا , لكنني قرأتها لأن فانسيـا كانت قد اختفت واعتقدت ان الرسالة قد تفيدني بعض الشيء , ولكن الرسالة المحت الى ان السيدة اسمها ديمتربا ستصل , وسترافق فانسيـا الى لندن , ماذا يعني كل هذا ؟ ))
              نظر جيردم الى فانسيـا بذهول .
              (( الافضل ان تقولي لها كل شيء )).
              اخفضت فانسيـا نظرها , ثم نظرت اليه بمكر .
              (( آه , جيردم هذا شيء محرج , ايجب ان اقوله ؟ ))
              وتساءلت ماذا لديها من افكار جديدة , يبدو انه يعتقد ان اية قصة اخرى ستكون افضل من لا شي , وخاصة من الحقيقة .
              (( طبعاً يجب ان تخبريها ! )).
              (( ان والدة جيردم تعرف معمدتي الآنسة هاريسون جيداً , وجيروم فكر بأنه من الانسب ان ترافقني السيدة هاركورت بدلا منه فبالنسبة لسمعته ...))
              (( وانا ؟ )) اعترضت ماتيلدا (( اذا كان يجب على السيدة هاركورت ان ترافقك الى معمدتي ماذا كان يجب علي انا ان افعل ؟ ان اصل برفقة جيردم ؟))
              (( هيا فانسيـا ! كنت من المؤكد سأطلب من احدى الفتيات الفندق مرافقتنا ))
              (( حسناً , اعذراني , ولكن اشراح لي لماذا ..))
              (( سأشرح لك , تعالي الى هنا قليلاً ))
              ابعدت فانسيـا صديقتها قليلاً وهمست بأذنها .
              (( كان يريد ان يكون وحيداً معك لبعض الوقت , ايتها الغبية ! كان يريد ان يسألك اذا كان لديه حظ ..))
              (( حظ ؟ )) سألتها ماتيلدا وقد ابتسمت (( آه )) فقط لو كنت اعرف ! انه يعجبني كثيراً , وانت تعلمين , واحب ان اتعرف عليه اكثر , واريد استغل موسمي الاول , ولكن في النهاية اذا كنا متفقين ..))
              (( اترين ؟ وتأكدي بأنني لن انطلق بأية كلمة )) طمأنتها فانسيـا (( ولكن سيكون بالنسبة له مهما جداً ان يعرف اذا كان لديه امل , واللآن يجب ان نتابع طريقنا كي لا نتأخر في الوصول الى لندن ))
              (( هكذا ؟ اثنان على ظهر جواد واحد ؟ وانت بملابس رجل ؟ )).
              عادت الفتاتان وانضمتا الى جيردم واطلعتها على مخاوف ماتيلدا .
              بإمكانها ان تأخذ الفرس , وانا سانتظر هنا الى ان تعودا ))
              اقترحت ماتيلدا بلطف لأن الغروب اصبح وشيكاً .
              ((لا , لا مجال لذلك , لدي حل آخر )) اجابها جيردم فاتفتت الفتاتان اليه بدهشة , فابتسم وصرخ .
              (( لا تنظر الي بعيني الخوف ! اسمعا لقد خطفت ماتيلدا في الطريق , اليس كذلك ؟ وسرقوا اموالها وتركوها , كما كنا سنفعل لو كنا لوصوصاً حقيقين )) فهزت الفتاتن رأسهما بتردد .
              (( اذن اقترح ان نتظر هنا الى ان يهبط الظلام , ثم نذهب الى لندن سيراً عبر الطرقات الصغيرة , يجب على ماتيلدا ان تركب معي , وسأتركها اما باب منزل عمي , فتدق على الباب وتصرخ بأعلى صوتها بأنها خطفت , وبأنهم سلبوها مالها , وبأنها تابعت طريقها سيراً ويجب ان توسخ ثوبها قليلاً ))
              (( نعم , هذه فكرة رئعة ! ويجب عليك ان تصابي بالاغماء )) قالت فانسيـا , ثم التفتت نحو جيروم وسألته
              (( وانا جيردم ؟ )).
              (( انتِ ؟ آوه , سأوصلك الى فندق محترم تقضين ليلتك فيه , وغداً بإمكانك الذهاب الى اللايدي هاريسون )) عدم مبالاته هذه , جرحت مشاعر فانسيـا , واحست بمرارة , ولكنها الآن اصبحت تعرف جيردم أكثر , وهي تعرف انه يخفي مشاعره نحوها , ولكنها لا تعرف اذا كان يحبها كما تحبه . بدون شك لا , كيف يمكن خنق مشاعر عظيمة كالحب ؟ لكنه غير مبال ِ , لكنه يخادع .
              وعندما حل الظلام تابعوا سيرهم , وكانت فانسيـا متأكدة انه لن يفوت فرصته هذه , وانه سيحاول اغراء ماتيلدا , لكنه لحقيقة لم يكن سعيداً , وكان قد شعر بتغير كبير منذ ان التقى بفانسيـا , فتأمل رأس ماتيلدا الاشقر الذي يتكئ على كتفه , لكنه لم يشعر بأية رغبة فيها .
              واخيراً وصلوا الى هانوفر سكوير , فقفزت ماتيلدا ودقت على الباب , فانفتح الباب وطهر نور في الداخل فتكلمت ماتيلدا قليلاً ثم حملوها واقفلوا الباب من جديد , فابتسم الفارسان وابتعدا .
              (( حسناً , بقد نجحت اول خطة , ولاآن تعالي معي لكي تبدلي ملابسك وتعودي لطبيعتك )).
              وبعد دقائق وصلوا الى منزل جيردم فأدخلها الى غرفة باردة وطلب منها ان تشعل النار , ريثما يضع الجياد في الاسطبل .
              وعاد جيردم فوجدها قد اشعلت النار
              (( حسناً , غيري ملابسك , ولا تخافي , فأنا لن ...))
              ( اعرف ذلك )).
              رتدت فانسيـا ثوبها وسرحت شعرها , بدا عليها التعب الشديد.
              (( تبدين متعبة , اتريدين ان ترتاحي قليلاً قبل الذهاب الى اللايدي هاريسون ؟ ))
              (( لا , لا فلنذهب جيردم , قبل ...))
              فوضع جيروم الشال على كتفيها
              (( ولكن ماذا سيقولون عن حقائبك ؟ ))
              (( سيعرفون انني هربت )).
              وكانت خيبة فانسيـا كبيرة عندما وصلا الى منزل هاريسون ووجدا المنزل مظلماً .
              فصعد جيردم السلم وتفحص الباب دون ان يدق عليه , ثم عاد ونزل واخبرها بأنهم مسافرون .ولقترح عليها ان تنام الليلة في منزله , على ان يذهب هو الى ناديه.
              ( هل استطيع ذلك ؟ آه جيدرم )).
              (( بتأكيد اذا كنت ِ لا تخافين من الوحدة , واخشى انك مضطرة للعودة الى ملابس الرجل , فانسيـا فأن صاحبة المنزل تعلم انني استقبل احيانا اصدقاء واقارب , لكنها لن تقبل ان تقضي فتاة الليلة في شقتي )).
              ولحسن الحظ لم تكن صاحبة المنزل موجودة عندما دخلا المنزل .
              (( هيا فانسيـا ارتدي البنطلون , فقد يراك احد , فأنا ذاهب لإحضار بعض الطعام )).
              (( لا ضرورة لذلك , جيردم فأنا لست جائعة .. لست جائعة كثيراً ))
              (( بلى , انتِ جائعة وانا ايضاُ ,لن اتأخر , اسكبي لنفسك كأساً من النبيذ , ويوجد ايضاً علبة البسكويت )) جلست فانسيـا امام النار تنتظر عودته , ونام الكلب بقربها فأسندت رأسها على الكنبة , ونامت نوماً عميقاً
              (( هو لا , هاركورت , أأنت هنا ؟ )). ففتحت فانسيـا عينيها ببطء.
              (( هاي , هاي ! ماذا لدينا هنا ؟ طوني تعالى وانظر ))
              (( طفل احمر ! حسناً ياصبي ! ماذا تفعل هنا ؟ الديك لسان ؟ ))
              (( أ ....أنا ؟ )) ٍالت فانسيـا بدهشة عندما وجدت نفسها اما غريبين .
              ((نعم , انت ياصغيري ))
              (( انا ابن عم جيردم , وهذ الكلب لي ))
              ( واين جيردم ؟ عندما دخلنا ورأينا النور مضاء اعتقدنا انك لص )) قال الذي يدعى طوني (( ارى انك كنت تشرب كونياك اسكب لنا لو سمحت ! )) .
              فنهضت فانسيـا وسكبت لهما كأسين مليئين .
              ((هاي , كفى , اذا كنت تشرب هكذا , فليس من المدهش ان تنام وانت واقف , اضف بعض الماء الى كأسي )) قال اكبرهما.
              (( الماء ؟ ولكني لا اعرف اين المطبخ )).
              (( لا تعرف ؟ كم مضى على وجودك هنا )) سألها طوني واخذ يتأملها , فعادت وتذكرت انها صبي بين رجال .
              (( منذ ساعة , تقريباً .. انا اوليفر هاركورت , وانتما ...))
              (( انا ماثيو كولفر , وهذا كوني ماركام , كم عمرك , اثنا عشر عاماً ام اربعة عشرة ؟ )) .
              (( اربعة عشرة عاماً تقريباً )).
              احضر طوني ابريق الماء وقال لها (( اسكب قليلاً من كل كأس في كأس ثالث , لكي استطيع ان اضيف الماء ))
              (( والآن , فلنشرب نخب صحت اوليفر ! )) قال ماثيو ضاحكاً.
              شربت فانسيـا كأسها , وتلألأت عيونها بالدموع عندما رأت الشابين يتمددان على الكنبات.
              (( منذ متى خرج جيردم )) سألها ماثيو .
              (( ذهب منذ ساعة لإحضار شيء نأكله )).
              ((ولماذا لم يصطحبك معه الى النادي ؟ اعتقد انه كذب عليك , وذهب للقاء باتس كلارك , اوتلك الفاتنة ماجي كونكست , انه يطمع في الحصول على ثروة احدهما بناء على طلب والدته ))
              اردت فانسيـا ان تبدي رأيها , لكن صوتاً على الباب منعها .
              (( انك تشغل نفسك بأموري كالعادة طوني ؟ سأكون شاكراً لك كثيراً اذا لم تنشر هذه الاقاويل في كل البلاد )).
              قال له جيردم ثم دخل دون الى يلتفت نحو فانسيـا , ثم سكب لنفسه كأساً واخذ الثلاثة يمزحون ويثرثرون دون ان يعيروها اقل اهتمام , وكانت متعبة جداً لإاحست بالغضب الشديد , وقاطعت القصة التي كان يرويها ماثيو , وقالت بحدة .
              (( انا اريد ان انام ! ))
              آخر تعديل بواسطة حمادة الشاعري; 30-08-2007, 11:41 AM.

              تعليق

              • حمادة الشاعري
                عضو متميز
                • Aug 2006
                • 5861

                #8
                الرد: مكتبة القصص العالمية ..

                لا تكلمني بهذه اللهجة )) صرخ جيردم (( انا اعرف انك متعب تمدد على هذه الكنبة ودعنا نشرب بسلام )).
                (( لكني ... ولكني اريد النوم في السرير , ايمكنني ان ادخل وارتاح ؟ ))
                ولمحت في عيون جيردم بريقاً غريباً , ومن الطبيعي كونها تمثل الآن دور الصبي , لا يمكنها ان تبادله النظر طويلاً , فاخفضت رأسها.
                فا قترب جيردم واحاط كتفيها بذرعبه بحركة اخوية , وقال لها (( نعم , ادخل ونم , فماثيو وطوني يعذرانك , لقد كان نهارك شاقاً ))
                الآن و لم يعد يهما الجوع , كل ماتريدة ان تنام نوماً عميقاً , فبحثت في الجوارير عن شيء ترتديه فوجدت قميصاً لجيردم , وشعرت بالرحة عندما خلعت ملابسها وغسلت وجهها ويديها وارتدت القميص , وبهذا الوقت سمعت جيردم يودع صديقيه ويقفل الباب , ثم دخل الى غرفة التي توجد فيها فانسيـا.
                (( جئت لأخبرك انني لن استطيع النوم في النادي ))
                (( لماذا ؟ )) سألته بتعالي (( فأنا لا اريد مشاركتك الفراش ! ))
                (( لأن ماثيو وطوني ذاهبان الى النادي , وليس من اللائق ان يعلما انني تركت صبياً وحيداً ينام في منزلي , كما وانني اعدك بأنني سأتجنبك قدر الامكان )).

                هذه الكلمات جرحت مشاعر فانسيـا في الصميم .
                (( لماذا تقول هذا ؟ الا اذا كان طوني محقاً , وانت لم تذهب لإحضار الطعام , بل لرؤية تلك الفاتنة ماجي او باتسي ..))
                (( وماذا يهمك انتِ من كل هذا ؟ )) صرخ جيردم غاضباً
                (( حسناً , ان تذهب لرؤية صديقاتك , فهذا يعني انك غير مهتم بي ! هيا ... اذهب وغازل كل الشقراوات اللوتي في لندن , وسترى انني لن اهتم! ولكنك اذا فعلت هذا فأنا لن احفظ لساني امام ماتيلدا ...))
                (( هكذا ؟ اتعتقدين انني لا ريدك , سأثبت لك العكس فوراً ! انك مثيرة جداً ! وانا لست قديساً يا الهي انكِ توترين اعصابي ! )).
                (( انا آسفة جيردم , لا افهم لماذا وكيف نطقت بهذه الكلمات ارجوك سامحني )).
                (( سنفترق بأسرع وقت ممكن . هذا افضل لنا , لأنه اذا كان يوجد اثنان لا يمكن لهما ان يتفقا , فهما بالتأكيد انا وانتِ , تصبحين على خير , ايتها الفتاة الصغيرة )) وخرج واغلق الباب وراءه .
                استيقظت ماتيلدا في اليوم الثاني , عندما فتحت الخادمة ستائر غرفة الضيوف , فابتسمت بفرح , واخيراً بدأ موسمها الاول .
                وفوراً خطرت صديقتها ببالها , لقد كان نهار الامس كالكابوس , منذ ان استيقضت الى ان تركها جيردم امام باب هذا المنزل , ولكن ماذا حصل لفانسيـا ؟ هل استقبلتها السيدة هاريسون , استقبالاً جيداً ؟ ام انها قابلتها بالاحتقار ؟ وفكرت ماتيلدا في ان تذهب هذا اليوم الى شارع جورج لأطمئنان على صديقتها.
                (( الطقس رائه اليوم , آنسة رندولف , لقد احضرت لك الفطور )).
                (( شكراً لك , ايمكنك ان تساعدين في ارتداء ملابسي ؟ )).
                (( بالطبع , آنستي , واللايدي ريمنغتون تريدك ان تزلي بسرعة , ولديها مفاجأة لك )).
                خافت ماتيلدا ان تكون المفاجأة تسبه حوادث نهار الأمس , لكنها طردت هذه المخاوف من رأسها بسرعة , انها الآن في منزل محترم و حيث البرنامج الزمني فيه مدروس بدقة لقد كانت الحرية قد اعجبتها خلال الايام الاخيرة , ولكن من الافضل العودة الآن الى الحياة الطبيعية .
                (( لقد طلبت سيدتي تحضير العربة لكي تصطحبك الى محلات الموضة , فأنتِ بحاجة لأشياء كثيرة , ريثما تصل حقائبك )).
                وكانت ماتيلدا على عكس فانسيـا , تأخذ وقتاً طويلاً في ارتداء ملابسها , وعندما نزلت كانت قد مضت ساعة من الوقت , وكانت كالاميرة في اناقتها وفي تسريحة شعرها .
                عندما دخلت الى الصالون , استقبلتها اللايدي بالابتسام .
                ((آه , هاهي ! اتمنى ان تكوني قد نمتً جيداً يا عزيزتي , لقد رويت لصديقتك الليلة المرعبة التي مررتِ بها امس , وكانت سعيدة جداً بنجاتك وبوصولك سالمة الى هنا , ولكن انتِ ترين الآن من جاء ايضاً لإقامة عندنا ! لقد وصلت في وقت مبكر صباح اليوم لكي تقيم عند اللايدي هاريسون , لكن اولاد هذه الاخيرة اصيبوا بالحصبة , وذهبت الى سوري , وكانت تعتقد ان ضيفتها لن تقبل دعوتها , وعندما التقى بها جيردم وهي تبكي في الشارع , اصطحبها الى هنا )).
                (( صباح الخير , عزيزتي ماثي , انا آسفة لأنني فرضت نفسي عليك , في اول يوم لك في لندن , لكني حقاً في وضع حزين )).
                (( فانسيـا , انا سعيدة جداً برؤيتك ! بالفعل ان ماحصل لك محزن ! واين كلبك الصغير ؟ )).
                (( آه... نعم لكنه لن يزعجك ابداً . اعدك بذلك , انه في المطبخ مع احد الخدم )).
                ظلت اللايدي ريمنغتون تتأمل الصديقتين وكانت امرأة كريمة ولطفية , وقالت لنفسها ان جيردم كان متأكداً من ان ماتيلدا سترحب بصديقتها , لكنها لاحظت ان ماتيلدا لم تكن سعيدة جداً بهذا الظهور المفاجئ , فقد يكون هناك شيء بينهما كمنافسة على قلب رجل.
                ولحين الحظ كانت ماتيالدا ايضاً طيبة القلب , واشفقت على فانسيـا , فرغم ثروتها هي يتيمة الأم والأب , وليس لها سوى عمة لا تحب سوى ولديها , ووصي يطمع بأملاكها ويريدها ان تصبح زوجة لأبنه . قبلت ماتيلدا صديقتها .
                (( فانسيـا المسكينة , انا لست متضايقة من بروك , وانا ايضاً احب الحيونات لكنه لا يرى غيرك انتِ , انتِ كل شيء بالنسبة له ! اذاً ماذا سنفعل هذا اليوم ؟ )).
                (( آه , ماتيلدا كم انتِ لطيفة , والسيد هاركورت كان لطيفاُ جداً , لقد اسرع الى سوري ليقابل معمدتي وليطلب منها العودة , لكي استطيع الذهاب الى الحفلات الرقصة ))
                ورغماً عنها اشرقت عيونها وهي تفكر بالملابس الجميلة هذه الفكرة لا تقاوم ! .
                (( سيكون ذلك رائعاً , ولكن ..))
                (( اذا كنتِ قلقة من اجل المال , فأنتِ محطئة , فأنا اعلم ان الوصي عليك يبخل عليك بالمال و ولكن عندما سيقول له والدي انه سلفك بعض املال فأنه سيضطر الى سداد هذا المبلغ بسرعة , ولاتنسي ان آل ولف وآل تالبوت هم اصدقاء قدامى )).
                صعدت الفتاتان الى غرفتهما , وظلت السيدة ريمنغتون تفكر , لقد شرح لها جيردم ان الآنسة نوريس من عائلة جيدة لكنها ليست ثرية , ومن النعروف ان فريدريك تالبوت رجل غني لكنه بخيل , ومن المحتمل ان تقع املاك آل باسكوب في يده بعد زواج مدبر .
                بالتأكيد يوجد سر في الآنسة نوريس هذه , ومن المؤكد ايضاً ان ماتيلدا لفظت تالبوت بدون قصد منها , وقالت اللايدي لنفسها بأن جيردم بعد عودته من سوري , سيتردد يومياً الى هانوفر سكوير , فهي نيته بالزواج من وريثة غنية , وقررت ان تعرف المزيد عن الآنسة نوريس هذه .
                كان اليومان التاليان من اجمل ايام حياة فانسيـا , ولم يلاحظ احد انها فانسيـا باسكومب.
                وفي المساء اليوم الثاني , عاد جيردم لينقل رسالة لفانسيـا من معمدتها.
                ودون ان تدري لماذا , اهتمت فانسيـا كثيراً بنفسها , ورشت شعرها , ورتدت فستاناً ازرق رائعاً , وعندما عادت الى الصالون وجدت جيردم بانتظارها فابتسمت له بدلال , عندما لا حظت دهشته .
                (( هذا لطف كبير منك ان تذهب بنفسك الى اللايدي هاريسون )) قالت له بصوت عال وهي تمد يدها نحوه , ثم همست بصوت منخفض (( اهذه افضل ام قميصك , يا عزيزي جيردم ؟ ))
                للحظة كاد ان يلتهمها بنظراته , وهو يرى كتفيها العاريين وعنقها الطويل ووجهها المشرق .
                (( افضلك بذلك القميص )) قال بصوت منخفض ثم رفع صوته واضاف (( اللايدي هاريسون ترسل لك اشواقها وتعدك بالعودة خلال ثمانية ايام )).
                (( آه , لا بأس ! الم تقل شيئاً عندما رأت بطاقتي ؟ )) كانت فانسيـأ تعرف الجواب , فاذا كشفت السيدة هاريسون سرها واخبرت جيردم بأنها الآنسة باسكومب , لظهر شيء على وجه جيردم , فتنهدت براحة , فهي لا تريد ان يحبها لأجل ثروتها واملاكها , لكن كم ستكون سعيدة اذا كان جيردم يجبها حقاً ! وتذكرت ذرعية حولها , وفمه العذب , واحست بارعشة .



                تعليق

                • حمادة الشاعري
                  عضو متميز
                  • Aug 2006
                  • 5861

                  #9
                  الرد: مكتبة القصص العالمية ..

                  لقد ضحكت , فادركت اننا انك كتبت لها شيئاً عن مغامراتك المحترمة , انها امرة لطفيفة جميلة )).
                  بهذا الوقت دخل خادم وهمس بعض الكلمات في اذن السيدة ريمنغتون اليت التفتت نحو ضيوفها الذين يستعدون لدخول غرفة الطعام .
                  (( لحظة من فضلكم , ستضيف الخادمة صحناً الى المائدة , لقد وصلت ضيفة اخرى , جيردم لقد جاءت والدتك بعد سفر متعب , فانسيـا ماتيلدا , قدما احترمكما للسيدة ديمتريا هاركورت ! ))
                  كانت ديمتريا قد اعدت نفسها جيداً لهذه اللحظة , فمنذ وصولها بعد الظهر الى لندن , لم تتفاجأ بالاشاعة حول ابنها واحدى الوريثات , ولم يهتم بها احد , ولم يطرح عليها احد اسئلة حول ابنها وحول تصرفاتها.
                  واكتشفت بسرعة ان ابنها وصل الى لندن برفقة شابة , واخبرها عامل الاسطبل ان جيردم خطف وريثة غنية واصطحبها الى شقته حيث قضياليلة حب طويل , ثم رافقها الى منزل آل ريمنغتون .
                  فغضبت كثيراً لأن ابنها اعاد الفتاة , فآل هاركورت يأخذون دائماً مايريدونه , ولا يجب ان يضعف ابنها اما توسلات امرأة , حتى ولو كانت اجمل نساء العالم !
                  وفهمت بسرعة مذا ستفعل , ستذهب الى هانوفر سكوير في وقت يكون الجميع مجتمعين فيه , وستقول كل شيء , وهكذا سيضطر جيردم للزواج من هذه الفتاة الجميلة كانت ام بشعة , لطيفة ام فظة , المهم ان تزول هموم ابنها .
                  والآم هي تواجههم جميعهم , وتنقلت عيونها بين المجتمعين , اخوها وزوجته الغبية , وابنها الطائش وآنستان تحيطان به وكلاهما جميلتان .
                  وكانت دهشتها كبيرة عندما تعرفة على الفتاة الشقراء التي اهانتها في ذلك الفندق , اما الاخرى فهي فتاة رائعة و من النوع الذي يجعل الرجل يفقد صوابه ! وكان بين هذه المجموعة , صديق لجيردم ايضاً .
                  (( اذن يابني ّ اجدك هنا مع جميلتك في منزل اخي ! ))
                  وكانت الفتاتان قد انحنتا وسلمتا عليها , ومد اخوها يده ليرافقها الى غرفة الطعام , وفجأة عندما تكلمت ساد صمت مخيف , فالتفتت ديمتريا نحوهم وقالت :
                  (( ان ابني , الذي افقده الحب صوابه , قد خطف هذه الفتاة واصطحبها الى مكان ما واغراها ! نعم اغرها ! لست ادري اية خدعة استعمل للحفاظ على هذا السر , ولكن واجبي يحتم علي البوح بالحقيقة , وانا اصر على ان يتزوج ولدي من هذه الفتاة الذي جلب لها العار , وارجوكم , لا تنسوا انه معذور لأنه تصرف بدافع الحب فقط ! ))
                  ثم تقدمت وامسكت يد فانسيـا ويد ابنها وجمعتهما فشحب وجه فانسيـا وجحظت عيونها .
                  (( اتنكر ذلك يابني ؟ اتجرؤء على ان تنكر انك خطفت هذه البرئية , وانك الحقت بها العار ؟ )) سألته والدته , وكانت تتوقع ان ينفجر غاضباً , لكنه ضحك كثيراً , فتراجعت والدته خطوة للوراء .
                  (( اتجد هذا مضحكاً ! اتجروء على نفي خطفك لهذه البريئة ؟ )) فهز رأسة بسخرية ودون ان يترك يد فانسيـا .
                  (( لا , ياولدتي العزيزة ,لا انا لانكر آه , يا لهي ! نعم لقد خطفت هذه الآنسة البرئية آه , لو تدرين ماذا فعلتِ ! )).
                  (( ماذا فعلت ؟ ماذا تعني ؟ )).
                  فعاد لضحك من جديد بشكل وقح , جعل والدته تتراجع للوراء وتضع يدها على قلبها .
                  (( لقد حصل خطأ , يا امي ! هي تكون الآنسة نوريس , فتاة رائعة وعادية , هذه الآنسة رندولف الوريثة ! وبتدخلك هذا تضطريني للزواج من الآنسة نوريس , التي لا تملك ميرثاً , فقط من اجل انقاذ شرفها بعد اتهامك هذه بينما الوريثة الحقيقية ذهبت , ودون اي خوف منا ! ))
                  اخذت ماتيلدا تنقل نظرها بنهما بحيرة كبيرة , ومدت يديها وكأنها تطلب ايضاحاً اكير , اما فانسيـا فبدت كأنها حجر لم تعد ترى شيئاً , وضحكات الرجل الذي تحبه تجرح اذنيها , صرخت ديمتريا ووقعت على الارض , واصيبت بنوبة هسترية فاجتمع الكل حولها ماعدا جيردم الذي لايزال يمسك بيد فانسيـا .
                  (( لا تقلقوا من اجلها )) قال باحتقار (( لقد سبق لها وتعرضت كثيراً لمثل هذه الازمات , يوجد شيآن تكرهما كثيراً , ان يعارضها احد او لن يسخر منها , وهذا ماحصل لها الآن , فيغمى عليها لكي تدير الانتباه عن سخافتها وعن حيلها القذرة )).
                  (( لا تتكلم هكذا عن والدتك )) اعترض السير توماس بحدة(( وافعل شيئاً ! اليس معها حبوب دواء ..؟ 9).
                  (( بلى , لديها دائماً حبوب في جيبها )) ثم ترك يد فانسيـا الباردة وانحنى فوق والدته .
                  (( يالهي , انها تفقدني عقلي )). واخرج علبة من جيبها ووضع حبة في فمها . ثم سقاها جرعة ماء ( انا اتكلم جدياً , سأتزوجك ايتها المسكينة , وستعيشين نادمة كل حياتك ! )).
                  ثم نهض بعد ان هدأت حركات والدته , والتفت نحو السير توماس .
                  (( سير توماس , ديمتريا هي اختك وانت بالتأكيد رأيتها في مثل هذه الحالة من قبل انداه لخادمك كي يأتوا ينقلوها الى السرير , واطلب من احدى الخادمات ان تبق بقربها , وغداً صباحاً ستكون بخير )).
                  شدت اللايدي ريمنغتون على ذراع زوجها وقالت بصوت مرتجف .
                  (( لم يسبق لي ان رأيت ديمتريا في مثل هذه الحالة ! لقد ارعبتني ! ))
                  (( كان هذا يحصل لها دائماً )) قال السير توماس (( ولكنني كنت اعتقد ان هذا انتهى مع الزمن , عندما كانت صغيرة , اذا لمست احدى الفتياة لعبة من العابها او اذا خسرت في لعبة ما , كانت تتصرف هكذا , وكان الطبيب يقول ان هذا غنج وانانية , ولكنني اظن انها تخلت عن هذه التصرفات )).
                  (( اخشى ان تكون فانسيـا مريضة )) قالت ماتيلدا بقلق (( لقد وضعت يدها على فمها وركضت نحو السلم ))
                  التفت جيردم نحو السلم وقال بلهفة .
                  (( سأرى ان كانت بخير )).
                  (( لا يمكنك الصعود الى غرفتها ! )) اعترضت اللايدي ريمنغتون .
                  (( لا . ياخالتي العزيزة , بما انه يجب علي الزواج منها لأنني اغريتها واصطحبتها الى منزلي حيث قضينا ليلة حب , فأنا لا ارى اي مانع كي اذهب لرؤيتها الآن لكي اوسيها واجفف دموعها , واعدك بأن لا ارمي نفسي فوقها ...))
                  (( جيردم كفى ! )) صرخ السير توماس (( انا لا علم اذا كانت اتهامات والدتك صحيحة , ولكني اعلم ان هذه الفتة المسكينة يائسة , دعها بسلام , يابني ماريا ؟ )).
                  (( نعم ؟))
                  (( اصعدي واهتمي بضيفتك , خذي معك ماتيلدا وقولي لفانسيـا اننا لانصدق اية كلمة من كل هذا , وان جيردم سيتزوجها , وقولي لها .... يالهي , فأنت تعرفين كيف تواسينها ! ))
                  (( اعلان وفاتي , طبعاً )) قال جيردم بحدة .
                  (( قلت لك كفى ! يا لهي لم اكن اعتقد ان ابن اختي , قادر على تحطيم فتاة بريئة , مهما سبق لك ان فعلت و ...))
                  فاقترب جيردم من السير توماس ..ووضع يده على كتفه.
                  (( اقسم لك , بحياتي انها لاتزال طاهرة , وعفيفة ! كنت انوي ... يا الهي نعم , كنت انوي اغراءها ولكن ..))
                  (( لا اريد معرفة شيء آخر , وانا سعيد بمعرفة هذا القدر , لأنني لم اكن اعتقد انك بهذه الاخلاق , والآن فليأتي الخدم لنقل والدتك )).
                  حمل الخدم ديمتريا , فتأملها جيردم قليلأ , وهمس بأذن صديقه سولارز الذي كان شاهداً على هذا المشهد .
                  (( لقد تحسنت حالها تماماً و لكنها تتابع لعب دورها , انظر الى جفونها التي تهتز , وهكذا سولرز , سيكون لديك قصة جميلة تتسلى برؤيتها في النادي غداً ! )).
                  (( كلام شرف , هاركورت ولا اية كلمة ..... مهما حصل ... نحن اصدقاء منذ مدة طويلة )).
                  (( اتمنى ان تتذكر ذلك والا ستجد رصاصة في بطنك ! مثل كل من يجروء على قول كلمة عن الآنسة نوريس , اما بالنسبة لوالدتي وبالنسبة لأغماءاتها , فبإمكانك ان تشيع ما شئت من الرويات في كل البلاد )).
                  (( اذن انت تحبها ؟ ))
                  (( احبها كثيراً , وانا لا ارغب الزواج من غيرها , ولكن الذي يزعجني .... وقوعي في الفخ ... ))
                  (( لكن لا,اذا لم تكن قد ... اية .. حسناً فلا يوجد سبب يرغمك ))
                  (( هذا ممكن .. آه لقد عادت خالتي فلنسألها عن حال المسكينة فانسيـا , اذاً خالتي ماريا ؟ اتريد رؤيتي ؟ هل هي متعبة جداً ؟ ))
                  (( لا ليس كثيراً , حتى لو كانت متعبة فهي لن تظهر ذلك , وقالت بأنها لن تتزوجك ابداً , وانه يجب ان تبق حراً , وانها ستشرح كل شيْ في الصباح )).
                  (( ولكن .. واكني اريد رؤيتها الآن ! هيا خالتي , لقد تلفظت بكلمات ندمت كثيراً عليها ولن اسامح نفسي اذا طلت فانسيـا على موقفها ! اقسم لك ...))
                  (( دعها جيردم , انها بحاجة للتفكير وغداً صباحاً ..))
                  (( فليذهب الغد الى الجحيم , اريد ان اعتذر منها الآن فوراً )).
                  ثم ابعد خاله وزوجته وصعد السلم كالسهم ولم يتوقف الا في غرفة الضيوف الولى , فلم يجد احداً وعند خروجه منها اصطدم بماتيلدا التي كانت تخرج من الغرفة الثانية .
                  (( هل هي بالدخل ؟ يجب لن اكلمها ! ))
                  بدا الذهول على وجه ماتيلدا .
                  (( لا يوجد احد هنا , كانت فانسيـا في الغرفة الاولى ,وكانت تقفل على نفسها بالمفتاح )).
                  فامسكها جيردك وهزها بعنف .
                  (( دعني جيردم , انا لست متيمة بك ! واذا لم تكن هنا , فلا بد انها نزلت )).
                  (( كيف ؟ لقد كنا كلنا في المدخل و ... يا الهي سلم الخدم ؟ )).
                  واسرع نحو سلم الخدم , ونزله راكضاً ودخل المطبخ وهو في قمة غضبه , فأكدت له احدى الخادمات ان فانسيـا خرجت منذ عشرة دقائق وهي تحمل كلبها , وقالت لها بأنها تريد ان تقوم بنزهة حول القصر .
                  خرج جيردم مسرعاً , فوجد القصر خالياً , فبحث في الاسطبل , وفي المخزن وجاب الشوارع المحيطة وهو ينادي فانسيـا , بروك , ووزع قطعاً نقدية على كل الاولاد الذين التقى بهم لكي يبحثوا له عن فتاة ترتدي ثوباً ازرق وتحمل كلباً ابيضاً صغيراً.
                  لم يجدها احد , وكأنها تبخرت , فعاد يبحث عنها في باحة القصر , وعندما دخل الاسطبل لاحظ ان حصانه تيرور لا يهتم بالتبن الذي في العلف , لأن التبن مغطى بثوب ازرق , وهذا يفسر سبب اختفاء فانسيـا , لقد بدلت ملابسها وتنكرت , وعندما اكتشف جيردم ثوبها كانت فانسيـا قد اصبحت بعيدة جداً.
                  وصلت فانسيـا الى تقاطع طرق وهي تشعر بالكآبة واليأس الشديد , وكان بروك بركض بجانبها , وتساءلت فانسيـا الى اين تذهب وماذا تفعل حتى الصباح .
                  وفجأة التقت برجل كبير يرتدي السواد ويبدو انه محترم جداً.
                  (( يابنتي العزيزة , لا يجب عليك ان تجوبي الشوارع في مثل هذا الوقت المتأخر ! لا تخافي مني , فأنا خادم الله , واحب مساعدة الجميع , بإمكاني ان ارشدك الى فندق ممتاز حيث ..))
                  وكانت فانسيـا متعبة ويائسة , فقبلت دعوة الرجل لكن بروك تجاهل لهجة الرجل اللطيفة , وملابسه المحترمة وتعلق بثوب سيدته وبدأ بالنباح .
                  (( ان صاحبة هذا الفندق امرأة لطيفة جداً , وتحب العمل الانساني )) وتقدم الرجل خطوة نحو فانسيـا وهو يبتسم فوثقت به واعتبرته صادقاً
                  (( اتسمحين لي بأن أقدم لك ذراعي , ياآنسة ؟ )).
                  تدخل بروك بهذه اللحظة وامسك باسنانه بنطلون الرجل بعنف حتى مزقة , فتراجع الرجل وشتم الكلب بكلام جعل وجه فانسيـا يحمر من الخجل , وطلب منها ان تبعد كلبها عنه .
                  (( اعتقد انه لا يحبك )) قالت له فانسيـا , وبدأت تتساءل اذا كان هذا الرجل حقاً لطيفاُ ويحب الخير .
                  ضحك الرجل قليلاً رغماً عنه .
                  (( كل الحيونات هكذا , واخشى ان يكون كلبك الصغير هذا لا يحب رجال الكنيسة )).
                  (( آه , انت كاهن ؟ بهذه الحالة انا اشكرك , بروك تعقل ! ))
                  لكن بروك كان ذكياً , ويعرف متى يجب ان يطيع ومتى يجب ان لا يطيع , فعاد وتعلق بثوب سيدته واخذ بالنباح , وما ان اقترب الغريب من فانسيـا , حتى هاجمه الكلب , فحاول الذي يدعي انه كاهن ان يهرب منه , لكن بروك مزق بنطلونه ولم يتركه الا بعد ان سالت الدماء من يديه , فهرب الرجل.
                  بهذا الوقت اقترب رجلان من الحمالين يحملان زبوناً عائداً من السهرة , لإاسرعا , وانزلا الكرسي الذي يجلس عليها الرجل واشفقا على فانسيـا.
                  (( ماذا يجري هنا آنسة ؟ هل حاول التعرض اليك ؟ ))
                  (( اخشى ان يكون العكس صحيحاً , انه كاهن وعرض علي ان يوصلني الى فندق محترم انام فيه , لكن كلبي هاجمة , وانا متعبة جداً )).
                  ((كاهن ؟ هو كاهن ؟ هيا ذان انه شارلي بوبارلار , ويجب ان تشكري هذا الكلب كثيراً , والفندق المحترم الذي كلمك عنه هو ..))
                  انحنى الرجل من الكرسي واراد ان يتكلم عندما رأت فجأة وجهاً اليفاً , وتذكر انه سمع هذا الصوت .
                  (( آه طوني !!! يا الهي , هذا انت ! ايمكنك مساعدتي ؟ انا يائسة , لأن هذا الرجل لم يكن كاهناً كما ادعى و ... كان يجب ان اشك به عندما شتم الكلب ببذاءة ! لقد هربت ..))
                  جحضت عيون طوني , ثم بدأ بالضحك .
                  (( يالهي , انه ابن عم جيردم ! مثلاً ! .... ياله من شيطان ....))
                  (( آه سيد الديك منزل وولدة محترمة بإمكانها ان تشفق علي لليلة واحدة ؟ لست ادري مذا افعل ! )).
                  نزل طوني من الكرسي , واعطى النقود للحمالين .
                  (( الافضل ان تأتي معي , لا تخافي ... فأنا لست معتاداً على خداع اصدقائي ,بجعل الفتيات تتنكرن بزي الرجال , ومن ثم اغري بهن وارميهن في الشارع )).
                  (( جيردم لم يفعل ذلك ! هو وجدني في لباسي ذلك و .. وسمح لي فقط بأن اقضي الليلة عنده , بانتظار ان اتمكن من الذهاب الى معمدتي )).
                  ((آه , حسناً ..))
                  فتح طوني باب منزله , وادخلها الى غرفة واسعة مريحة (( والى اين كنتِ تريدين الذهاب ؟ ))
                  (( الى ... الى منزلي , ولن اهرب مرة ثانية )).
                  وكانت فانسيـا صادقة هذه المرة , لقد هربت على أمل ان تعيش مغامرة رائعة , وضحكت وبكت , ولكن قلبها محطم وكل ماتريده هو ان تبتعد لكي تنسى ولكي تخفي همومها عن عيون الناس .
                  (( واين تسكنين ؟ ))
                  (( في الشمال , واعرف اية عربة استقل , ولكني لا اعرف موعيدها آه , سيد اعدك بأن اعيد لك المال اذا اعطيتني ما ادفعة من تكاليف سفري , اعدك بذلك ولن انسى طيبتك ابداً )).
                  (( نعم , بلتأكيد , سأعطيك ماتحتاجين اليه , ولكني اريد معرفة لماذا ترحلين عن معمدتك , اتمنى ان لا تكوني قد ارتكبتِ حماقات )).
                  (( اوه , لا ! ولكن والدة جيردم علمت بأنني قضيت ليلة عنده , وجاءت وتكلمت عني باشياء ليست صحيحية وامرت جيردم ان يتزوجني فوراً )).
                  نظر طوني اليها بدهشة , وتأمل ثوبها الرث الذي كانت قد استعارته من احدى الخادمات .
                  (( ديمتريا قالت هذا ؟ هل انتِ متأكدة ؟ )).
                  (( انا اعلم بماذا تفكر انت , لكنها اعتقدت انني الآنسة رندولف , الوريثة الغنية , وكنت اقف بين جيردم وماتيلدا , فاعتقدت انني ... ))
                  (( آه نعم , فهمت )) وضخك طوني (( اردت ان تفرض هذا الزواج وارتكبت خطاً كبيراً , يالها من ... ولكني اعتقد ان جيردم اخبرها الحقيقة ))
                  (( لست ادري , لأنها وقعت فوراً واغمي عليها , فانشغل الجميع بها , فهربت انا بسرعة دون ان ينتبهوا لي )).
                  (نعم , انا لن اقدم لك سريري , لأني لا اريد ان اتسبب بفضائح ولكن بإمكانك النوم على الكنبة , سأوقضك في الخامسة صباحاً , لا تخلعي ملابسك ! سنعلم غداً متى تنطلق اول عربة متجهة نحو الشمال )).
                  كان الطقس جميلاً في شهر ايار هذا , والحدائق مليئة بالازهار , وكانت ماتيلدا تتنزه في الميدان وهي بكامل اناقتها , وهي تعلم انها جميلة وفاتنة ..
                  وكان جيردم يمشي بجانبها , والحزن باد على وجهه , لقد نجح في اقناع الجميع انه لم يغر الآنسة توريس وانه تصرف معها كرجل نبيل .
                  وكان والد ماتيلدا قد زارها في هانوفر سكوير , واعجب كثيراً بالسيد هاركورت المهذب الحيوي الذي لا يهتم سوى بمزرعته , وبسداد ديون عائلته , ولاحظ والد ديمتريا ان جيردم معجب بابنته .
                  لكن ماتيلدا ادركت ان جيردم يلاحقها ويتبعها دائماً فقط من اجل ان يكلمها عن فانسيـا , وكانت ماتيلدا قد علمت ان صديقتها اصبحت في منزلها , لأنها استلمت منها رسالة مختصرة , بعد ثلاثة ايام من رحيلها , وقالت لها فيها (( انا في منزلي , لاتقولي شيئاً فانسيـا ))
                  لم تقل ماتيلدا شيئاً , لكنها كانت تقاوم كثيراً عندما ترى عيون جيردم الحزينة .
                  وهو الآن يسير الى جانبها , لكنه اصبح عبارة عن جسد بلا روح , فكره بعيداً جداً , وكان عندما تكلمه يجيبها بأدب لكن بإيجاز .
                  (( انه نهار جميل , سيد هاركورت نعم , باطبع ولكني اعتقد انها ستمطر هذا المساء )).
                  تابعت ماتيلدا حديثه وكأنها تحدث نفسها , وتمنت ان يبتسم جيردم , لكنه لم يفعل .
                  فتوقفت عن السير , ضربت الارض برجلها , وقد فقدت صبرها .
                  ((جبردم , اريدك ان تعيدني الى المنزل , ارجوك واريد ان تتوقف عن زيارتي ! هذه الصدقة عبارة عن خداع , انك تبعد عني كل المعجبين بي بزيارتك المتكررة , لكني لا اهمك ابداً , وانا اتمنى ان اتزوج برجل يعتبرني جميلة ويشاركني , افراحي واحزاني , انت لا تفكر سوى بمالي , لكي تعيد الازهار الى مزرعتك , كما وانك لا تفكر سوى بصديقتي فانسيـا التي الحقت العار بها )).
                  وقف جيردم واخذ يتأملها.
                  (( انتِ محقة , ماتيلدا ,لا اريد ان الاحقك , ولا اريد ان اتسبب بإيلامك , كل ماريده من الحياة , ان اجد فانسيـا , اذا لم اجدها , فأنا سأموت من الأس )) وابتعد عنها بخطى واسعة .
                  ((اذا كنت مهتماً جداً بفانسيـا , فماذا تنتظر لكي تبحث عنها ؟ )) صرخت ماتيلدا وركضت لكي تلحق به.
                  ((صدقين , لقد حاولت فأنا اعلم انها تقيم في الشمال الغربي , وقد لا تكون بعيدة عن مزرعتي , وانا اعلم انها تسمى فانسيـا نوريس , وان لديها كلب ابيض اسمه بروك , لقد كتبت الى كل اصدقائي , وجيراني وعدت الى مزرعتي , وسألت كل من وجدته في طريقي , وبحثت في كل المدارس الدخلية , لأنني علمت انها كانت معك في هاروغرات , لكني لم اجد لها اي اثر , وكأنها لم تكن موجودة اصلاً ! )).
                  ((واذا وجدتها ؟ ماذ ستفعل ؟ بامكاني مساعدتك , اذا ..))
                  وكانا قد خرجا من الميدان واصبحا على الرصيف الذي يعج بالمارة , فتوقف جيردم من جديد وامسك يدي ماتيلدا وضغط عليها بقوة .
                  (( انتِ تعلمين اين هي ؟ ماتيلدا , انا .... انا ...))
                  (( نعم اعلم , ولكنني اجهل نواياك , فهي قد تكون نسيت الآن , والافضل لها ان تبق بسلام )).
                  ورأت في عيون جيردم بريقاً لم تراه منذ اسابيع طويلة .
                  سأشفيها بسرعة ! يكفي ان اضمها بين ذراعي ..))
                  (( جيردم ! اسمعني اذا قلت لك انها ابنة مدير مزرعة كبيرة , وانها تربت في منزل صاحب القصر كي تكون رفيقة لأبنته , اترغب ايضاً بإيجادها ؟ )).
                  ((نعم ! )).
                  (( حسناً , بهذه الحالة ... آه يالهي ... اتاءل اذا كان يجب علي ....))
                  ((ماتيلدا ارجوك , اذا بقيت على عنادك فأنني ...))
                  ((حسناً , ولكن يجب ان تتصرف معها جيداً )).
                  ((ولكن نعم ! قولي لي اين هي ! ))
                  (( في بسكومب هال , قرب سد تريوره )).
                  فأمسكت ماتيلدا بذراعه .
                  (( اوه , لا ! لا يمكنك ان تتركني هنا في نصف الشارع اعدني اولاً الى هانوفر سكوير ! )).
                  كانت فانسيـا تتنزه في الحديقة وبروك يقفز خلفها , واذا سألها احد عما تفعل , كانت ستجيبه بأنها تنزه كلبها , لكنها للحقيقة كانت تحاول ان تمضي وقتها , كما تفعل كل يوم , وكانت تحاول ان لا تفكر بجيردم , لكنها لا تستطيع , وكثيراً مافكرت بماتيلدا التي تقضي موسمها في حفلات ونزهات بين خطابها الكثيرين .
                  وكان الطقس جميلاً , فاتجهت فانسيـا نحو المنزل لكن بروك كان يؤخرها في وقوفه كل قليل لكي يشم كل شيء في طريقه .
                  وابعدت الازهار البنفسجية عن ثوبها وتأملته قليلاً لقد اصبحت نحيفة جداً , لأنها لا تنام جيداً , ولأنها فقدت كل شهية للطعام .
                  عندما سأنساه سأشتري ملابس جديدة , وسأهتم بزينتي اكثر , والسيد تالبوت سيعطيني المال الكافي , وسأعود لتناول الطعام كالعادة .
                  لم تكن تجروء على لفظ اسم جيردم حتى بينها وبين نفسها , وعندما اقتربت من القصر, سمعت وقع حوافر جواد يقترب فالتفتت الى الخلف ورأت رجلاً على حصانه الاسود يتجه نحوها و وللحظة توقف قلبها في صدرها و لكنها هزت رأسها وتابعت سيرها , انها ليست المرة الاولى التي تتوهم فيها انها تراه , ولكنه لم يكن سوى سراب .
                  توقف الحصان بقربها , وقفز الفارس الى الارض وامسكها وضمها اليه حتى كاد ان يخنقها , تركته فانسيـا , واغمضت عينيها , ولم تجروء على تصديق ماتراه ...
                  (( حبيبتي ! )) واخذ يقبلها بحنان على جبينها , وعلى طرف انفها , وترددت شفاهه على شفتيها , عندئذ عقدت فانسيـا يديها حول عنقه , وضمته ايضاً وسالت الدموع على وجهها .
                  وعندما ابعدها قليلاً شعرت بالبرد , فهزت رأسها وكأنها تريد ان تتحقق مما هي فيه .
                  (( جيردم ؟ هل جئت من اجلي ؟ أأنا حقاً من تريد ؟ )).
                  فضمها اليه من جديد.
                  (( حبيبتي , ماذا حصل لك ؟ ماذا فعلو بك ؟ انتِ نحيفة جداً , لقد ضعفتِ كثيراً ! ووجهك شاحب جداً ! )).
                  ثم طبع قبلة على شعرها , وابعدها قليلاً وتأمل وجهها .
                  (( سأقتل اول~ك الذين عذبوك هكذا )).
                  (( لم يفعل احد بي شيئاً , لم اكن آكل شيئاً تقريباً , ولكن لماذا عدت الآن , جيردم ؟ لماذا لم تأتِ من قبل ؟ ))
                  (( لأنني لم اكن اعلم اين تختبئين ! لقد بحثت عنك في كل مكان , ولكني لم اجد اي اثر لك واخيراً اشفقت ماتيلدا علي واعترفت لي بمكانك وبأنك ابنة مدير مزرعة باسكومب هال )).
                  ((ما ... ماذا ؟ )).
                  ((نعم , لقد اخبرتني , واعتقدت انني سأغير رأي ’ لكنك انتِ , فانسيـا ياحبيبتي الامرأة الوحيدة التي ارغب بالزواج منها ! فانسيـا , اتقبلين الزواج مني ؟ )) اشرقت عيون فانسيـا وعادت من جديد الفتاة المرحة الماكرة التي يعبدها .....
                  (( نعم , احب ان اكون زوجتك , جيردم ولكني اعتقد ان الوصي علي لن يسمح بذلك ))
                  (( سأقنعه ! سأروي له انني امللك ارضي كثيرة ...))
                  (( لن ينفع ذلك , ياعزيزي , سيقول بأنك تريد الزواج مني من اجل ثروتي ))
                  (( ثروتك ؟ لكنك لا تملكين اي ثروة ! وانا ايضاً لكننا لسنا بحاجة لشيْ , وهذا ليس مهماً , هيا خذيني اليه وانا سأكلمه )).
                  (( انك تضيع وقتك , جيردم سيقول سيد هاركورت , انت تطمع بثروة الآنسة باسكومب , وانا اريدها زوجةلأبني )).
                  (( الآنسة ... ولكنك الآنسة نوريس ؟ ))
                  وتوقف وتأملها بذهول , فزت رأسها واشرقت عيونها.
                  (( لا , لقد كذبت عليك , ياحبيبي , انا فانسيـا باسكومب وكل هذا ملكاً لي )) واشارت نحوا القصر والحدائق والمزرعة (( كل هذا واكثر منه بكثير , من المؤكد انك سمعت الكثير عن ثروة , بسكومب جيردم ؟ ))
                  فهز رأسة تغيرت ملامحه , فتوقفت فانسيـا عن المزاح , ورفعت يديها وداعبت وجهه بحنان .
                  (( اتفعلين هذا ؟ اتقبلين بأن تتخطي التقاليد وتجتازي الحدود معي ؟ سيقول الجميع انني كنت اطمع بثروتك ...)) فرمت نفسها بين ذرعيه , وقبلته بشوق كبير, وصرخت (( لا يهمني ! لا يهمني من كل هذا العالم الا انت ! آه جيردم , تعالى لنهرب معاً ! الآن فوراً )).
                  ظهرت امرأة شقراء امام باحة القصر , واخذت تنظر اليهما بذهول .
                  ابتعد جيردم عن فانسيـا قليلاُ.
                  (( هل هذه عمتك ؟ ايجب ان اكلمها ؟ )).
                  وقفت فانسيـا على رؤوس اصابع قدميها وقبلته الى ان سكت واستجاب لعناقها بكل شوق الاسابيع الماضية .
                  ((اانتِ جادة فيما تقولين ؟ اذن هيا بنا ! هوب ! )).
                  ورفعها فوق جواده وركب خلفها .
                  (( جيردم و احضر بروك ايضاً )).
                  فانحنى وحمل الكلب ووضعه بين ذراعيها , ثم انطلق تيرور بسرعة غير مبالِ بحمولته المزدوجة .
                  وعندما ابتعدا , تنهدت فانسيـا واسندت رأسها على كتفه , وبعد صمت قصير قالت له فانسيـا.
                  (( نعم , كانت تلك السيدة عمتي )).
                  (( حقاً ؟ اتساءل ماذا ستفعل الآن ...))
                  (( وانا ايضاً , لكني لست مهتمه )) وتنهدت بسعادة كبيرة.
                  (( وانا ايضاً ! )) ثم تبادلا قبلة حب طويلة .
                  وتابع الحصان الاسود طريقة نحو الحدود .



                  تــــــمـــــــــــت

                  تعليق

                  • حمادة الشاعري
                    عضو متميز
                    • Aug 2006
                    • 5861

                    #10
                    الرد: مكتبة القصص العالمية ..

                    القصة الثانية

                    الزَّهــــير (الظاهر) ... باولو كويليو ..

                    أنا رجل حر.......

                    تعليق

                    • حمادة الشاعري
                      عضو متميز
                      • Aug 2006
                      • 5861

                      #11
                      الرد: مكتبة القصص العالمية ..

                      تدعى إستير؛ هي مراسلة حرب عادت لتوها من العراق بسبب الاجتياح الوشيك لتلك البلد؛ هي في الثلثين من العمر، متزوجة، لا أولاد لها . هو رجل مجهول الهوية، ما بين الثالثة والعشرين والخامسة والعشرين من العمر، ذو بشرة داكنة، وملمح كملمح أهل منغوليا . شوهد الاثنان معًا لخر مرة في مقهى في شارع " فوبور سان أونوريه " .
                      أخبرت الشرطة أنهما التقيا من قبل، لكن لا يعرف أحد كم من المرات : لطالما قالت إستير إن الرجل، الذي ستر هويته الحقيقية خلف اسم ميخائيل، كان شديد الأهمية، غير أنها لم تشرح قط لو كان مهما لمهنتها كصحافية، أم لشخصها كامرأة .
                      بدأت الشرطة تحقيقا رسميا . طرحت نظريات مختلفة - خطف، ابتزاز، خطف أفضى إلى جريمة قتل -لم تجاوز أي منها حدود الاحتمال؛ لأن إستير، بعملها في البحث عن المعلومات، كانت عرضة للاتصال المتكرر مع أشخاص يرتبطون بوحدات إرهابية . اكتشفت الشرطة أن الأسابيع السابقة لاختفائها، شهدت سحبا منتظم لمبالغ مالية من حسابها المصرفي :
                      شعر المسؤولون عن التحقيق أن هذا المال ربما كان عبارة عن دفعات مسددة لقاء المعلومات . لم تأخذ معها بدلات ملابسها ، لكن من الغرابة بمكان أنه لم يعثر على جواز سفرها .
                      هو شاب غريب، في مقتبل العمر، لا سجل عدليا له، لا دلالة على هويته .
                      وهي إستير، في الثلاثين من العمر، حائزة على جائزتين عالميتين في الصحافة، هي متزوجة .إنها زوجتي .
                      أمسي على الفور مشتبها بأمره . يتم توقيفي لأني أرفض القول أين كنت يوم اختفائها . مع ذلك، يفتح مأمور السجن باب زنزانتي، قائلا إني رجل حر .
                      ولم أكون رجل حرا ؟ لأنه في يومنا، الجميع يعلم كل شيء عن الجميع؛ ما لك إلا السؤال، فتصلك المعلومات لحظتها : أين استخدمت بطاقة الاعتماد، أين تقضي وقتك، من عاشرت . في حالتي، كان الأمر أسهل بكثير : تقدمت امرأة، صحافية أخرى، صديقة زوجتي، ومطلقة _ وهو السبب الذي لم يمنعها من الإفصاح عن معاشرتي لها _ كشاهدة لصالحي عندما سمعت أنني موقوف . قد مت دليلا حسيا على وجودي معها ذلك اليوم وفي ليلة اختفاء إستير .
                      أتكلم إلى رئيس المفتشين الذي يعيد إلي متلكاتي . يقدم لي اعتذاره مضيفا أن توقيفي بهذه
                      السرعة أمر كلي القانونية، ولا أساس لي أرتكز عليه لاتهام الحكومة أو لمقاضاتها . أقول له انني لا أملك أدنى نية للقيام بأي من الأمرين وإنني مدرك تمام الإدراك أننا جميعا في عداد المشبوهين باستمرار، وأننا تحت المراقبة على مدار الساعة، حتى ولو لم نرتكب أي جرم .
                      يقول : : « أنت حر طليق » ؛ مرددًا كلماته على مسمع مأمور السجن .
                      أسأله : أو ليس من المحتمل أن مكروها أصاب زوجتي؟ فذات مرة، وبالنظر إلى الشبكة صلاتها الواسعة في وسط عالم الإرهاب المتسم بالإجرام، قالت لي إنها تشعر أحيانا بأنها ملاحقة .
                      يبدل المفتش الموضوع . أصر ، لكنه لا يقول شيئا .
                      أسأله هل بإمكانها السفر بجواز سفرها؛ فيقول، بالطبع، مادامت لم ترتكب جرما . ما الذي يحول دون دخولها البلد ومغادرتها بحرية؟
                      . » إذا أيحتمل أنها ليست في فرنسا؟ «
                      هل تعتقد أنها هجرتك بسبب تلك المرأة التي تعاشرها؟
                      أجيبه : هذا ليس من شأنك . يتوقف المفتش عن الكلام قليلا ويتقنع وجهه بالجدية؛ يقول إني أوقفت بداعي الجراءات الروتينية، غير أنه شديد السى لاختفاء زوجتي . هو متزوج، ومع أن كتبي لا تروق له ( إذا، هو ليس بقدر الجهل المتبدي عليه ! وهو يعرف من أكون ! )، يمكنه أن يضع نفسه مكاني ويتصور ما أمر به .
                      أسأله ما علي فعله بعد ذاك . يعطيني بطاقته ويطلب إلي الاتصال به إذا ما علمت بأي أمر . سبق أن مررت بهذا المشهد في عدد من الأفلام، ولم أقتنع؛ إن المفتشين على الدوام يعرفون أكثر مما يقرون بأنهم يعرفون .
                      يسألني إذا قابلت يوما الشخص الذي كانت إستير معه، آخر مرة شوهدت فيها على قيد
                      الحياة . أقول إني أعرف اسمه الأول . لكني لا أعرفه شخصيا .
                      يسألني هل كنا نواجه أي مشكلات زوجية . أقول إننا متزوجان منذ عشرة أعوام ونواجه المشكلات التي يواجهها معظم المتزوجين، لا أكثر .
                      يسألني بلطف هل كنا قد تناقشنا في موضوع الطلاق مؤخرا ؟ أم هل كانت زوجتي تفكر في هجري . أخبره أننا لم نفكر يوما في احتمال ذلك حتى، وأكرر إننا " كسائر المتزوجين " ، نختلف في الرأي أحيانا .
                      بشكل متكرر أم أحيانا فقط؟
                      أقول، أحيانا .
                      يسألني وبلطف أيضا هل اشتبهت بأنني على علاقة بصديقتها . أقول له إنها كانت المرة الأولى - والأخيرة - التي ضاجعت فيها صديقتها . لم تكن علاقة غرامية؛ حصلت بكل بساطة لغياب أي أمر آخر نفعله . كان يوما مملا نوعا ما، لم يكن لدى أي منا ارتباط ملح بعد الغداء، ولعبة الإغراءت تضيف دوما بعض الزخم إلى الحياة، وهذا ما أفضى بنا إلى السرير معا .
                      " يفضي بك الأمر إلى السرير مع إحداهن لمجرد أن اليوم ممل نوعا ما؟ "

                      فكرت أن أقول له إن مثل هذه الأمور لا تكاد تشكل جزءًا من تحقيقاته . لكني في حاجة إلى مساعدته، أو قد أحتاج إليها لاحقا . هناك، في النهاية، تلك المؤسسة الوهمية التي تدعى " مصرف الخدمة " ، والتي طالما وجدتها شديدة النفع .
                      " أحيانا ، نعم . ما من أمر مشوق آخر نقوم به، كانت المرأة تبحث عن الإثارة، وأنا أبحث عن المغامرة، وهكذا، في اليوم التالي، ادعى كل منا أن شيئا لم يحدث، والحياة تستمر " .
                      يشكرني، يمد يده ويقول إن في عالمه لا تجري الأمور تماما على هذا النحو . بحكم الطبيعة، يتو لد الملل والضجر، تماما كتولد الرغبة في المضاجعة، لكن من الممكن التحكم في كل أمر، ولا أحد يتصرف على هوى أفكاره أو رغباته .
                      جاء رد ه بشكل ملاحظ : " ربما تمتع الفنانون بحرية أكبر " .
                      أقول إنني آلف عالمه لكنني لا أرغب في المقارنة بين آرائنا المختلفة حول المجتمع والناس . أسكت بانتظار خطوته التالية .
                      ثم يقول وقد خاب ظنه قليلا برفض هذا الكاتب مناقشة مأمور الشرطة، " بما أننا نتحدث عن الحرية، فأنت حر طليق . وبما أنني قابلتك، سوف أقرأ كتبك . ومع إني قلت إنها لا تروق لي، فأنا في الواقع، لم يسبق أن قرأت أحدها " . هذه ليست المرة الأولى أو الأخيرة التي سأسمع فيها هذه الكلمات . على الأقل، أكسبتني هذه اللحظة قارئا إضافيا . أحييه وأرحل .
                      أنا حر . خارج من السجن، وزوجتي اختفت في ظروف غامضة، لا أتبع أي جدول زمني ثابت للعمل، لا مشكلة لدي في التقاء أناس جدد، أنا ثري، مشهور، وإذا كانت إستير قد هجرتني حقا ، فسرعان ما سأجد بديلة منها . أنا حر ، أنا مستقل .
                      لكن، ما الحرية؟
                      لقد قضيت جزء ا وافرا من حياتي عبدًا لشيء أو لآخر، فلابد أنني أعرف معنى تلك الكلمة . منذ صغري، كافحت لجعل الحرية، أثمن مقتنياتي . خضت صراعا مع والدي ، اللذين أرادا أن أكون مهندسا ، وليس كاتبا . صارعت بقية الصبية في المدرسة، الذين اتخذوني أضحوكة لنكاتهم المبتذلة؛ وكان لي، فقط بعد أن نزف دم غزير من أنفي ومن أنوفهم، فقط بعد أمسيات عديدة اضطررت فيها إلى إخفاء الندوب عن أمي - لأنه كان وقفا علي أنا، وليس عليها، أن أحل مشاكلي - كان لي أن أظهر للجميع أني قادر على
                      تحمل الهزيمة من دون أن أنفجر باكيًا . صارعت للحصول على وظيفة أدعم نفسي بها، وعملت في خدمة التوصيل إلى المنازل لدى أحد المتاجر الخردة، لكي أكون حرًا من تلك الخصلة الراسخة من البتزاز العائلي : " سوف نعطيك المال شرط أن تقوم بهذا وذاك " .
                      كافحت - إنما بفشل - من أجل الفتاة التي أحببت عندما كنت مراهقا ، والتي أحبتني في
                      المقابل . هجرتني في نهاية المطاف بعد أن أقنعها والداها بأنني بلا مستقبل .
                      خضت صراعًا مع عالم الصحافة العدائي - وظيفتي الثانية - حينما أبقاني مديري في انتظاره لساعات ثلاث؛ وتفضل بملاحظة وجودي عندما شرعت أمزق الكتاب الذي كان يقرأه : نظر إلي بدهشة، ورأى أن أمامه شخصا يقدر على الصمود أمام العدو ومواجهته، وهي صفات أساسية تخول المرء أن يكون مراسلا جيدا .
                      كافحت من أجل الفكر الشتراكي، دخلت السجن، خرجت منه وواصلت كفاحي، وأنا أشعر وكأنني بطل من أبطال الطبقة الكادحة، إلى أن أصغيت إلى موسيقى فرقة البيتلز وقررت أن موسيقى الروك هي أمتع بكثير من ماركس . صارعت للتحلي بالشجاعة لكي أهجر زوجتي الأولى والثانية فالثالثة، لأن ما شعرت به من حب تجاههن لم يدم، واحتجت إلى المضي قدما حتى عثرت على من و جدت في العالم لكي تجدني؛ وهي لم تكن أيا من الثلاث . صارعت للتحلي بالشجاعة لترك عملي في الصحيفة وأخوض مغامرة وضع كتاب، وأنا على تمام المعرفة بأن لا أحد في بلدي يمكنه كسب عيشه ككاتب . استسلمت بعد سنة، بعد أن وضعت صفحات
                      تجاوز الألف، صفحات تفيض عبقرية، إلى درجة أنني شخصيًا عجزت عن فهمها .
                      وفي غمرة كفاحي، سمعت أشخاصا آخرين يتحدثون عن الحر ية . وكلما دافعوا عن هذا الحق الفريد، استعبدتهم رغبات أهاليهم . استعبدهم زواج قطعوا خلاله وعد البقاء مع القرين « مدى العمر . » استعبدهم ميزان الوزن، والحمية الغذائية ومشروعات نصف ها غير منجز . استعبدهم عشاق عجزوا عن مصارحتهم بقول « لا » أو « انتهت العلاقة . » استعبدتهم عطل نهاية الأسبوع حينما اضطروا إلى تناول الغداء مع أشخاص لا يروقون لهم حتى . باتوا عبدةً للثراء، لمظاهر الثراء، لمظهر من مظاهر الثراء . عبدةً لحياة لم يختاروها، بل قرروا أن يعيشوها لن أحدهم تمكن من إقناعهم بأنها لصالحهم .
                      وهكذا توالت نهاراتهم ولياليهم المتشابهة، نهارات وليال كانت المغامرة فيها مجرد كلمة في كتاب أو صورة على الشاشة الصغيرة المضاءة دوما؛ ومتى انفتح أمامهم الباب، يأتي الرد : " لست مهتما . لست في المزاج لذلك " .
                      كيف لهم أن يعرفوا إن كانوا في المزاج للقيام بذلك أم لا، ماداموا لم يجربوه؟ لكن، لا جدوى من السؤال؛ الحقيقة أنهم كانوا يخشون القيام بأي تغيير قد يخل بالعالم الذي درجوا عليه وهم يكبرون .
                      قال المفتش إنني حر . أنا الآن حر ، وفي السجن كنت حرًا أيضا ، لأن الحرية هي كنزي الأثمن في العالم .
                      وبالطبع، أودى بي ذلك إلى معاقرة أنواع خمرة لم ترق لي، إلى القيام بأشياء لم يجدر بي فعلها ولن أكررها أبدا .
                      ترك ذلك ندوبا على جسدي، وفي روحي؛ عنى ذلك أن أؤذي بعض الناس، مع أنني التمست صفحهم م ذاك، حينما أدركت أنني عاجز عن فعل أي أمر على الإطلاق باستثناء إرغام شخص آخر أن يكون تابعا لي، في جنوني، في اشتهائي التواق للحياة . وما أنا بآسف على الأوقات الأليمة؛ أحمل ندوبي وكأني بها ميداليات . أعرف أن ثمن الحرية باهظ، أسوة بثمن العبودية؛ الفرق الوحيد بينهما أنك في الحالة الأولى تسدد الثمن بلذة، بابتسامة، حتى عندما توشحها الدموع .
                      وإذا بي أترك مركز الشرطة، إنه يوم جميل في الخارج، يوم أحد مشمس لا يعكس حالتي الذهنية على الإطلاق . محامي بانتظاري لمواساتي ببضع كلمات وباقة من الأزهار . يقول إنه هاتف كل المستشفيات وأمكنة حفظ الجثث ) وهو أمر يقدم المرء عليه عندما يخفق أحدهم في العودة إلى المنزل ( ، لكنه لم يعثر على إستير . يقول إنه استطاع أن يمنع الصحافيين من معرفة مكان توقيفي . يقول إنه في حاجة إلى محادثتي لكي نرسم إستراتيجية قانونية تساعدني على الدفاع عن نفسي ضد أي اتهام مستقبلي . أشكره على ما تكبده؛ أعلم أنه ليس مهتما جديا برسم إستراتيجية قانونية، هو لا يريد أن يتركني وحيدا، لأنه لا يثق بردة فعلي ( هل أثمل ويتم توقيفي ثانية؟ هل أثير فضيحة؟ هل أحاول الانتحار؟ ) . أخبره أن علي إنجاز عمل مهم وأن كل منا يعرف حق المعرفة أن لا مشكلة لدي مع القانون . أصر ، لكنني لا أترك له خيار ا . ففي النهاية، أنا رجل حر .

                      تعليق

                      • حمادة الشاعري
                        عضو متميز
                        • Aug 2006
                        • 5861

                        #12
                        الرد: مكتبة القصص العالمية ..

                        الحرية . حرية أن يكون المرء وحيدا بائسًا .
                        تقلني سيارة أجرة نحو وسط مدينة باريس، أطلب إلى السائق التوقف بي قرب قوس
                        النصر . انطلق من الشانزيليزيه باتجاه فندق البريستول، حيث كنا أنا وإستير نلتقي دوما لاحتساء شراب الشوكولاتة الساخن متى رجع أحدنا من رحلة إلى الخارج . كان هذا طقس عودتنا إلى الديار، انغماسا متجددًا في الحب الذي جمعنا، مع أن الحياة ظلت تضعنا على دروب متعاكسة .
                        ولم أزل أمشي، الناس في ابتسامة، والولد في سرور لما أ عطوا من ساعات ربيعية معدودات في عز الشتاء، سيل الازدحام حر كل شيء يبدو منتظما ، ما عدا أنهم جميعا يجهلون أنني فقدت زوجتي لتوي . هم لا يد عون الجهل، هم لا يبالون حتى .!!
                        ألا يدركون مدى الألم الذي أشعر به؟ عليهم جميعا أن يشعروا بالحزن والتعاطف ودعم رجل تنزف روحه الحب كما لو أنها تنزف دما . لكنهم يتابعون الضحك، تستغرقهم حياتهم البائسة الصغيرة التي لا تكون، إلا في عطلة نهاية السبوع .
                        يا لها من فكرة سخيفة ! لا بد أن معظم الناس الذين أمر بهم في حالة مزرية، وأنا لا أملك أدنى فكرة كيف يعانون الأمرين ولماذا .
                        أدخل حانة؛ أبتاع سجائر؛ يجيبني الشخص هناك
                        باللغة النجليزية . أدخل إلى الصيدلية لشراء سكاكر بروح النعناع أحبها جدا، وتتحدث المساعدة إلي باللغة الإنجليزية ) وفي المرتين، طلبت السلع باللغة الفرنسية ( . وقبل بلوغي الفندق، يستوقفني صبيان وصلا من فورهما من مدينة تولوز وهما يبحثان عن متجر محدد؛ سبق أن سألا عددا من الأشخاص، لكن لا أحد يفهم ما يقولان . ما الذي يجري؟ هل تم تغيير اللغات في الأطلس منذ اعتقالي في الساعات الأربع والعشرين الماضية؟
                        يمكن للسياحة والمال صنع المعجزات، لكن كيف حدث أنني لم ألحظ ذلك من قبل؟ من الواضح أنه مر وقت طويل على لقائي إستير هنا لتناول شراب الشوكولاتة الساخن، مع أن كل منا قد سافر وعاد مرات عدة خلال تلك الفترة . هناك دوما شيء أكثر أهمية . هناك دوما موعد يستحيل تأجيله . أجل يا حبي، سوف نتناول شراب الشوكولاتة الساخن في المرة المقبلة، سنرجع إلى هنا قريبا ؛ لدي مقابلة شديدة الأهمية اليوم ولا يمكنني اصطحابك من المطار، ولتقلك سيارة أجرة، هاتفي النقال يعمل، اتصلي بي إذا طرأ طارئ . عدا ذلك، أراك الليلة .
                        هاتفي النقال ! انتشلته من جيبي وأدرته فور ا؛ رن مرات عدة، وفي كل مرة كان قلبي يثب بين أضلعي، كنت أرى أسماء الشخاص الذين حاولوا الاتصال بي، على الشاشة الصغيرة، لكني لم أجب أ يا منهم . رجوت أن يظهر أحد « مجهول الهوية » ، لأنه سيكون هي، ذلك أن حوالي عشرين شخصا فقط يعرفون رقمي وأقسموا على عدم إعطائه لأحد . لابد أنهم كانوا على أحر من الجمر لمعرفة ما حدث، هم يبغون مساعدتي ) لكن كيف؟ ( ، وسؤالي إن كنت في حاجة إلى أي شيء .
                        ظل الهاتف يرن ، أأجيب؟ أو ألتقي هؤلاء الأشخاص؟
                        أقرر أن أبقى لوحدي إلى أن أتمكن من تصور مجريات الحال .
                        أبلغ فندق البريستول، الذي طالما وصفته إستيربأنه أحد الفنادق القلئل في باريس حيث يعامل الزبائن بصفة ضيوف وليس كمشردين سعيا إلى ملجأ . تلقى علي التحية كما لو كنت صديقا للعائلة؛ أختار طاولة محاذية لساعة فاخرة؛ أستمع إلى الموسيقى وأنظر إلى الحديقة .
                        علي أن أكون عمليا ، أن أدرس الخيارات؛ ففي النهاية، الحياة تستمر . لست أول رجل، ولن أكون الأخير الذي تهجره زوجته، لكن هل كان ضروريا أن يحدث ذلك في يوم مشمس، حيث الجميع، في الشارع، يبتسمون والأولاد يغنون، حيث أولى بوادر الربيع بدأت تظهر، الشمس تسطع والسائقون يتوقفون عند تقاطع الطرقات ليعبر المارة؟
                        أتناول منديل ورقيا . سوف أعمل على نزع هذه الأفكار من رأسي وأخطها على الورق . فلندع الشعور
                        جانبا، ولنر ما علي فعله :
                        أ/ التوقف عند احتمال أنها قد خطفت فعلا ، أن حياتها في خطر في هذه اللحظة بالذات، وأنني أنا، بصفتي زوجها ورفيقها الثابت، علي بالتالي أن أجول الدنيا بسمائها وأرضها بحثا عنها .
                        الرد على هذا الاحتمال : لقد اصطحبت جواز سفرها . تجهل الشرطة ذلك، لكنها اصطحبت حاجات شخصية عديدة أيضا ، إحداها محفظة تحوي أيقونات لقديسين شفيعين درجت على اصطحابها في سفرها .كما أنها سحبت المال من حسابها المصرفي .
                        الاستنتاج : من البديهي أنها كانت تتهيأ للرحيل .
                        ب / التوقف عند احتمال أنها صدقت وعدًا قطعه عليه أحدهم وتبين أنه فخ .
                        الرد : غالبا ما ألقت نفسها في أوضاع خطيرة مسبقا . هذا جزء من عملها، لكنها كانت تنذرني دوما متى فعلت ذلك، لأنني كنت الشخص الوحيد الذي تثق به ثقة عمياء . تعودت أن تقول لي أين ستكون، من ستقابل ) غير أنها، كانت تستخدم اسم الشخص
                        الحركي في العادة - لئلا تعرضني للخطر ( ، وما علي فعله إذا لم ترجع في وقت معين .
                        الاستنتاج : لم تكن تخطط للقاء أحد مخبريها .
                        ج / التوقف عند احتمال أنها التقت رجل آخر .
                        الرد : لا رد . من بين جميع الفرضيات، هذه الفرضية الوحيدة المنطقية، مع ذلك، فإنني لا
                        أقبلها . لا أقبل أن تكون قد رحلت هكذا، من دون سبب . فكلنا، أنا وإستير، اعتددنا بأنفسنا على الدوام في مواجهة مصاعب الحياة سويا . تعذ بنا، لكن لم يكذب أحدنا على الخر يوما . غير أن كتمان علاقاتنا الغرامية خارج إطار الزوجية كان جزءا من قواعد
                        اللعبة . كنت مدركا أنها تغيرت كثير ا مذ التقت ذلك الشاب ميخائيل . لكن هل يبرر ذلك نهاية زواج دام عقد ا؟
                        حتى وإن كانت قد ضاجعته و أغرمت به، أو لن تقيس في كفتي ميزان كل الوقت الذي قضيناه معا وكل ما حصلنا عليه قبل أن تنطلق لخوض مغامرة لا رجوع عنها؟ كانت حرة ن تسافر متى أرادت، عاشت محاطة بالرجال، بالجيوش الذين طال بهم الزمن مذ رأوا أنثى، لكنني لم أطرح عليها يوما أي أسئلة، وهي لم تخبرني يوما بأي شيء . كان كل منا حر، وكنا نفخر بذلك .
                        لكن إستير اختفت وتركت دلائل مرئية لي وحدي، كما لو أنها بمثابة رسالة سر ية : أنا
                        راحلة . لماذا؟ أو هذا سؤال جدير بالإجابة؟
                        لا . لأن ما يتخفى في الجواب هو عجزي عن إبقاء المرأة التي أحب إلى جانبي . أم أن الجدير إيجادها وإقناعها بالعودة؟ التوسل إليها، التضرع إليها أن تمنح زواجنا فرصة ثانية؟
                        يبدو هذا سخيف : لمن الفضل فحسب أن أتعذب كما تعذبت ماضيا ، عندما هجرني أناس آخرون أحببتهم . لمن الفضل أن ألعق جروحي ببساطة، كما لعقتها ماضيا . لبعض الوقت، ستكون هاجسي، سأذوق المر ، سيمل مني أصدقائي لأن كل ما سأتحد ث عنه هو هجر زوجتي لي . سأحاول تبرير ما حصل، أقضي أياما وليالي أسترجع كل لحظة بقربها، سأستنتج أنها كانت صعبة للغاية، مع أنني حاولت مرارا .
                        سأجد امرأة أخرى . وعندما سأمشي في الشارع، سأظل أرى طيفها في نساء أخريات . سأعاني ليل نهار، نهار ليل . قد يستغرق ذلك أسابيع، أشهر ا، ربما سنة أو أكثر .
                        إلى أن يحل صباح أحد الأيام، سأستيقظ مكتشفا أن أمرا آخر يراودني، عندئذ سأعرف أن زمن المعاناة قد ولى . قد يكون قلبي انشطر، لكنه سيتعافى ويصبح قادرا على رؤية جمال الحياة مرة أخرى . لقد سبق أن حدث هذا، سيحدث مجددا، أنا متأكد . عندما يرحل أحدهم، فذلك لأن أحدا آخر على وشك الوصول، سأجد الحب ثانية .
                        للحظة ، تطيب لي فكرة وضعي الجديد : أعزب ومليونير . يمكنني أن أخرج مع من أريد في وضح النهار، يمكنني أن أتصر ف كما لم أفعل منذ سنوات . ستنتشر الأخبار بسرعة، وجميع أنواع النساء، من الشابات والفتيات، الثريات ومن هن ثريات إنما ليس بالثراء الذي يردنه، اللبيبات وتلك المدربات على قول ما يعتقدن أنني أود سماعه؛ جميعهن،
                        سرعان ما سيطرقن بابي .
                        أود أن أصد ق أن من الروعة أن يكون المرء حرا . على استعداد لأجد حبي الصادق الوحيد، القابع في انتظاري والذي لن يسمح لي مطلقا أن أخبر هذا الذل ثانية .
                        أنهي شراب الشوكولاتة الساخن، أنظر إلى الساعة؛ أعرف أن من المبكر جدا الاستمتاع بشعور رائع هو أنني، مجددا، جزء من الإنسانية . وللحظات، أتخيل أن إستير على وشك الدخول من ذلك الباب، تخطو نحوي وهي تطأ السجاد العجمي الجميل، تجلس بقربي ولا تنبس بكلمة، تدخن سيجارة فحسب، تلقي بنظرها على فناء الحديقة، وتمسك بيدي . مرت نصف ساعة،ولنصف ساعة صدقت القصة التي ابتدعتها، إلى حين أدركت أنها من نسج الخيال .
                        أقرر ألا أعود إلى المنزل . أتوجه إلى ركن الاستقبال، أطلب غرفة، فرشاة أسنان ومعطرا للجسم .
                        الفندق مكتظ، لكن المدير تدبر الأمر : أفضى بي الأمر إلى جناح جميل يطل على برج إيفل، على تراس، على سطوح المنازل الباريسية، والأضواء المتوهجة أحدها تلو الآخر، والعائلات التي تجتمع لتناول عشاء يوم الأحد .
                        وإذا بالشعور الذي خالجني في الشانزيليزيه ، يعاودني : كلما ازداد جمال ما يحيط بي، ازددت شعورا بالتعاسة .
                        لا تلفاز، لا عشاء، أجلس على التراس أعاين حياتي، شاب حلم أن يصبح كاتبا مشهورا، ورأى فجأة أن الحقيقة مختلفة تماما . هو يكتب بلغة لا يكاد أحد يقرأها، في بلد يذيع فيه أن ليس للمطالعة جمهور تقريبا . شاب تجبره عائلته على ارتياد الجامعة ) أي جامعة ستفي بالمطلوب يا بني، ما دمت ستحصل على شهادة، وإلا فأنت نكرة ( . هو يثور، يجول العالم خلال حقبة موجة الهيبيين، يلتقي مغنيا ، يكتب بعض كلمات أغنيات، وإذا به فجأة، يجني المال بما يفوق ما تجنيه أخته، التي أصغت إلى ما أمله عليها والداها
                        وقررت أن تصبح مهندسة كيميائية . . .
                        أكتب المزيد من الأغنيات، وينتقل المغني من قوي إلى أقوى؛ أشتري بعض الشقق ويتلاشى عملي مع المغني، لكنني لا أزال أملك رأسمال كافيا يوفر علي العمل في السنوات القليلة اللحقة . أتزوج للمرة الأولى من امرأة تكبرني سنا، أتعلم الكثير، كيف أمارس الحب، كيف أقود، كيف أتكلم النكليزية، كيف أستلقي في السرير لساعة متأخرة - لكننا انفصلنا لاعتباري غير ناضج عاطفيا ، وعلى استعداد مفرط لمطاردة أي « فتاة ناهدة الصدر . » أتزو ج للمرة الثانية والثالثة من امرأتين اعتقدت أنهما ستمنحاني الاستقرار العاطفي : أحصل على مرادي، لكنني أكتشف أن ما أريده من استقرار هو توأم الشعور العميق بالملل .طلقان جديدان . حر ثانية، لكنه مجرد شعور؛ ليست الحرية غياب الالتزامات، إنما هي القدرة على اختيار ما هو أفضل لي، وإلزام نفسي به .
                        أواصل بحثي عن الحب، أواصل كتابة الأغاني . عندما يسألني الناس ما عملي، أقول إنني
                        كاتب . عندما يقولون إنهم لا يعرفون إلا كلمات أغاني ، أقول إنها مجرد جزء من عملي . عندها يعتذرون ويقولون إنهم لم يقرأوا من قبل أ يا من كتبي، فأشرح لهم أنني أعمل على مشروع - كذب طبعا . الحقيقة أنا أملك المال، ولي صلات، لكني أفتقر إلى الشجاعة لتأليف كتاب . أصبح حلمي ممكن التحقيق، لكن إذا حاولت وفشلت، فلا أدري ما ستكون عليه باقي حياتي؛ لذلك من الفضل أن أحيا وفي البال حلم بدل
                        من مواجهة الاحتمال أن نهاية المر عقيمة .
                        ذات يوم، تحضر صحافية لاجراء مقابلة معي، تريد أن تعرف شعور من تكون أعماله معروفة في جميع أنحاء البلد، في حين أنني غير معروف كليا، لأن من الطبيعي أن المغني هو فقط من يظهر في وسائل الإعلم . هي جميلة، ذكية، هادئة . نلتقي مجددا في حفلة، حيث يخلو الجو من ضغط العمل، أتمكن من مضاجعتها في الليلة نفسها . أغرم بها، لكن اهتمامها كان زهيدا . عندما أهاتفها، تقول، على الدوام، إنها منشغلة . كلما زاد صدها لي، زاد اهتمامي بها، إلى أن أتمكن في النهاية، من إقناعها بقضاء عطلة نهايةالسبوع في منزلي في الريف ) ربما كنت المستضعف الوحيد , في العائلة، لكن الثورة تنفع أحيانا - كنت بين أصدقائي في تلك المرحلة من حياتنا الوحيد الذي يشتري منزل في الريف ) .
                        نقضي ثلاثة أيام وحدنا، نتأمل البحر . أطهو لها الطعام وتروي لي قصصا عن عملها، وتنتهي بالوقوع في غرامي . نعود إلى المدينة، وتأتي إلى النوم في شقتي بانتظام . ذات صباح، ترحل أبكر من العادة وتعود بصحبة آلتها الكاتبة؛ من تلك اللحظة فصاعدا، من
                        دون التفو ه بشيء، يغدو منزلي منزلها .
                        وإذا بالنزاعات التي عهدتها مع زوجاتي السابقات، تبدأ بالظهور : النساء في بحث دائم عن
                        الاستقرار والاخلاص، في حين أنني أسعى وراء المغامرة والمجهول . لكن هذه المرة، تدوم العلاقة أطول . مع ذلك، وبعد سنتين، أقرر أن الوقت حان لأستير أن تصطحب آلتها الكاتبة إلى شقتها، إلى جانب كل شيء آخر أحضرته معها .. » لن ينجح الأمر «
                        . » لكني أحبك وأنت تحبني، أليس صحيحا ؟ «
                        لا أدري . إن كنت تسألين إذا كانت صحبتك « تروق لي، فالجواب هو نعم، وإن كنت تسألين إذا كان . » بإمكاني العيش من دونك، فالجواب هو نعم أيضا
                        أنا سعيدة لني لم أولد رجل . أنا في غاية « السعادة كوني أنثى . كل ما تتوقعونه منا نحن النسوة هو قدرتنا أن نكون طاهيات ماهرات . ويتوقع من الرجال من جهة أخرى أن يقدروا على كل شيء - عليهم البقاء على المنزل في حالة اكتفاء، أن يمارسوا الحب،
                        . » أن يعيلوا الولد، أن يجنوا المال وأن يكونوا ناجحين ليس الأمر هكذا : أنا في غاية السعادة لما أنا « عليه . أستمتع بصحبتك، لكنني لا أظن أن الأمر . » سينجح بيننا
                        أنت تستمتع بصحبتي، لكنك تمقت البقاء «
                        وحيدا . أنت في سعي دائم وراء المغامرة كي تنسى أمور ا أعظم أهمية . تريد دوما أن تشعر بالدرينالين يتدفق عبر شرايينك، لكنك تنسى أن الأمر الوحيد الذي . » يجب أن يجري فيها هو الدم أنا لست هاربا من الأمور المهمة . أعط ني مثال «. » على أمر مهم
                        . » تأليف كتاب «
                        . » يمكنني فعل ذلك في أي وقت «
                        هلم إذا، افعله . عندها، إن أردت، يمكننا أن «
                        . » ننفصل
                        وجدت تعليقها سخيفا ؛ يمكنني تأليف كتاب متى أريد؛ أعرف ناشرين، صحافيين، كل من يدين لي بخدمات . إستير مجرد امرأة تخشى خسارتي، هي تبتدع أمورا . أقول لها إن علاقتنا انتهت، ولا يتعلق الأمر بما تعتقد أنه يسعدني، بل بالحب .
                        ما الحب ؟ جاء سؤالها . أقضي نصف ساعة أشرح لها، وأدرك أنني أعجز عن استحضار تعريف جيد . تقول، بما أنني أجهل تعريف الحب، فعلي المحاولة وتأليف كتاب .
                        قلت إن الأمرين طرفا نقيض تماما . أقر ر ترك الشقة في ذلك اليوم بالتحديد؛ يمكنها أن تبقى ما تشاء . سأذهب للمكوث في فندق حتى تجد مكانا آخر ا تعيش فيه .
                        تقول لا بأس بذلك، يمكنني الرحيل، وسوف تخلي الشقة في غضون شهر . ستبدأ بالبحث عن مكان جديد منذ الغد . أحزم أمتعتي، وتقرأ هي كتابا . أقول إن الوقت متأخر، وإنني سأرحل غد ا . تقول إن علي الرحيل من فوري، لأنني في الغد، لن أكون على القدر نفسه من القوة أو العزم . أسألها إذا كانت تحاول التخلص مني . تضحك وتقول إنني أنا من أراد قطع العلاقة .
                        ننام، وفي اليوم التالي، لم تعد الرغبة في الرحيل بالإلحاح نفسه . أقرر أن علي التفكير في الأمور . مع ذلك، تقول إستير إن الأمر لم ينته بعد : هذا السيناريو سيتكرر ويتكرر ببساطة مادمت أرفض المجازفة بكل شيء من أجل ما أؤمن بأنه سبب بقائي الحقيقي؛ ففي النهاية، ستغدو تعسة، وتهجرني .
                        فيما عدا ذلك، إذا هي رحلت، ستفعل ذلك على الفور وتهدم كل الجسور التي تتيح لها العودة . أسألها ماذا تقصد؟ . تقول إنها ستجد حبيبا آخر تقع في غرامه .
                        تذهب إلى عملها في الصحيفة، وأقر ر أن آخذ يوم
                        إجازة ) فإلى جانب تأليف كلمات الغاني، فأنا أعمل أيضا لدى شركة تسجيل ( . أجلس إلى الآلةالكاتبة . أنهض ، أقرأ الصحف، أرد على بعض الرسائل الطارئة؛ وعندما أنتهي من ذلك، أبدأ بالرد على الرسائل غير الطارئة . أدون قائمة بالأشياء التي علي فعلها، أستمع إلى الموسيقى، أجلس بقرب المبنى، أتحدث إلى الخباز، أعود إلى المنزل . وإذا بالنهار يذوي فجأة ، ولا أكون قد تمكنت لحينها من كتابة ولو جملة واحدة . أقرر أنني أكره إستير، إنها تجبرني على القيام بأمور لا أريد فعلها .

                        تعليق

                        • حمادة الشاعري
                          عضو متميز
                          • Aug 2006
                          • 5861

                          #13
                          الرد: مكتبة القصص العالمية ..

                          عندما تصل إلى المنزل، لا تسألني شيئا ، لكنني أقر أنني لم أتمكن من الكتابة . تقول إنني لا أزال أملك النظرة ذاتها التي وشحت عيني أمس .
                          في اليوم التالي، أذهب إلى العمل . لكن عشية ذاك اليوم أتوجه مجدد ا إلى طاولة المكتب حيث الآلة الكاتبة . أطالع، أشاهد التلفاز، أستمع إلى الموسيقى، أرجع نحو الآلة، وإذا بشهرين يمر ان، وأنا أكوم أوراقا فوق أوراق فيها « جمل أولى » ، من دون أن أتمكن من إنهاء ولو مقطع . أتذرع بكل حج ة ممكنة : لا أحد يطالع في هذه البلد، لم أحبك عقدة الحكاية، أو إن لدي عقدة رائعة لكنني لا أزال أبحث عن الطريقة الصحيحة لتوسيعها . وفضل عن ذلك، فأنا منهمك في كتابة مقال أو كلمات أغنية . وإذا بشهرين آخرين يمران . وذات يوم، تدخل المنزل ومعها تذكرة سفر .تقول « هذا يكفي . كف عن الادعاء بأنك منشغل، بأن المسؤوليات تثقلك، بأن العالم في حاجة إليك لتفعل ما تفعله . سافر لبعض الوقت . » يمكنني أن أصبح محرر الصحيفة حيث أنشر مقالتي، يمكنني أن أصبح رئيس شركة التسجيل التي أكتب لها كلمات الأغاني، والتي أعمل لديها لمجرد أنهم لا يريدونني أن أكتب أغاني لمنافسيهم . يمكنني فعل ما أفعله الآن، لكن حلمي لا ينتظر . فإما أن أقبله أو أنساه .
                          ما وجهة تذكرة السفر؟
                          إسبانيا .
                          أصدم . تذاكر السفر باهظة الثمن؛ وبالإضافة إلى ذلك، لا يمكنني السفر الآن، فلدي مهنة أمامي وأحتاج إلى العناية بها . سوف أخسر الكثير من الشراكات الموسيقية المحتملة؛ ليست المشكلة في ، إنها في زواجنا . لو أردت وضع كتاب، لما استطاع أحد منعي .
                          تقول : : « يمكنك، لو أردت، لكنك لا تريد . مشكلتك لا تكمن بي، بل بك، لذا من الأفضل أن تقضي بعض الوقت وحدك " .
                          تريني خريطة، علي الذهاب إلى مدريد، حيث يقلني قطار باتجاه جبال البيرينيه، على الحدود مع فرنسا . هناك تبدأ درب للحج تعود للقرون الوسطى : الدرب إلى سانتياغو . علي أن أمشي الدرب بطولها . ستكون هي في انتظاري عند الطرف الآخر وعندها سوف تتقبل كل ما أتفو ه به : أنني كففت عن حبها، أنني لم أعش كفاية بعد، كي يتسنى لي ابتكار مؤ لف أدبي، أنني لا أريد حتى التفكير في أن أكون كاتبا ، أن ذلك لم يكن سوى حلم مراهق .
                          هذا جنون ! إن المرأة التي أعيش معها منذ سنين طوال - سنين تبدو أبدية في مفهوم العلاقات - تصنع قرارات بشأن حياتي وتجبرني على ترك عملي، متوقعة مني المشي مجتاز ا بلد ا بأكملها ! إنه لجنون عارم إلى درجة أني أقرر أخذه على محمل الجد .
                          أشرب حتى الثمالة ليالي عديدة هاربا ، وهي إلى جانبي تشاطرني القدر نفسه من السكر، مع أنها تكره الشرب . أمسي عدائيا . وأقول لها إنها تغار من استقلاليتي، وإن السبب الوحيد الذي خلف فكرة الجنون هذه بأكملها كوني قلت لها إنني أردت النفصال عنها . فتقول إن بادرة الأمر كله تعود إلى أيام المدرسة حين كنت أحلم في أن أصبح كاتبا . ما من تأجيل للأمور بعد الآن؛ وإذا لم أواجه نفسي الآن، سوف أقضي بقية حياتي، أتزو ج وأطلق وأروي نكتا حلوة عن ماضي وعن انحطاطي الدائم .
                          بديهيا ، لا أستطيع القرار بأنها محقة، لكنني أعرف أنها تقول الحقيقة، وكلما أدركت ذلك، ازددت عدائية . هي تتقبل عدائيتي بل تذمر؛ تذكرني، فحسب، بأن موعد الرحيل يقترب .
                          ذات ليلة، وقبيل ذاك الموعد، ترفض ممارسة الحب معي . أدخن سيجارة ماريوانا كاملة، أشرب زجاجتي نبيذ ويغمى علي في وسط غرفة الجلوس . وبعد استعادة وعيي، أدرك أني بلغت قعر الحفرة، وكل ما تبقى الآن هو أن أجهد في الصعود لبلوغ القمة . وأنا، الذي أتبجح بنفسي لما أملك من شجاعة، أرى بكم من الجبن والحقارة وقلة المغامرة أجابه حياتي . ذاك الصباح، أوقظها بقبلة وأقول لها إني سأنفذ اقتراحها .
                          أنطلق وأتبع الدرب إلى سانتياغو مدة ثمانية وثلاثين يوما . مع وصولي، أدرك أن رحلتي الحقيقية تبدأ هنا . أقرر الاستقرار في مدريد وأعيش من مردود حقوقي كمؤلف، لكي يفصلني محيط عن جسد إستير، مع أننا لا نزال معا رسميا ، وغالبا ما نتحادث هاتفيا . من المريح جد ا أن أكون متزوجا ومدركا أن بإمكاني العودة إلى ذراعيها متى أشاء في حين أستمتع بكل استقلالية في العالم .
                          استمرت حقوقي المادية من تأليف الأغاني تتدفق وتتدفق، وتكفيني لعيش بهناء، غير مضطر إلى العمل . وكان لي متسع من الوقت للقيام بكل شيء، حتى . . . تأليف كتاب .
                          مع هذا، يمكن للكتاب أن ينتظر إلى الغد، لأن محافظ مدريد أصدر مرسوما يقضي بأن تتحو ل المدينة إلى حفلة مطولة، وألف شعارا مشو قا يقول : : « مدريد قاتلتي » ، وحث الجميع على ارتياد حانات مختلفة ليلا مستحدثا عبارة « La movida madrileña مهرجان مدريد . » وهذا أمر يستحيل علي تأجيله حتى الغد؛ كل شيء ممتع، النهارات قصيرة والليالي طوال .
                          ذات يوم، تهاتفني إستير لتخبرني أنها قادمة لرؤيتي : في رأيها، علينا تقييم وضعنا نهائيا . حجزت تذكرة سفرها للأسبوع المقبل، ما يتيح لي الوقت الكافي لترتيب سلسلة من الأعذار « أنا ذاهب إلى البرتغال، لكنني سأعود خلال شهر » ، سأقول هذا للشقراء التي كانت تغني في القطار السريع، والتي تنام في الشقة المستأجرة حيث أعيش والتي أخرج . » بمهرجان مدريد « برفقتها كل ليلة للاستمتاع أرتب الشقة، أمحو أي أثر لوجود أنثوي فيها، وأطلب إلى أصدقائي عدم التفوه بحرف، لأن زوجتي آتية وستمكث شهرا هنا .
                          تترجل إستير من الطائرة متباهية بتسريحة شعر قبيحة عجائبية . نسافر وجهتنا داخل أسبانيا، مكتشفين قرى صغيرة تعني الكثير عند قضاء ليلة واحدة فيها، غير أنني قد أعجز حتى عن إيجادها إذا ما رجعت اليوم إليها . نذهب لحضور مصارعة الثيران، عروض رقص الفلمينكو . وخلال كل هذا أمثل دور الزوج المثالي في العالم، لأنني أريدها أن ترجع إلى الديار محملة بشعور أنني لا أزال أحبها . لا أدري لماذا أريد أن أترك هذا النطباع لديها، ربما لأنني، في الصميم، أعرف أن حلم مدريد سيتبدد في النهاية . أتذمر بشأن قصة شعرها . تغيرها، مستعيدة جمالها . بقي عشرة أيام فقط من عطلتها، وأريدها أن ترجع وهي سعيدة . وأن تتركني وشأني أستمتع بمدريد هذه، قاتلتي : حانات الرقص التي تفتح عند العاشرة صباحا ، مصارعة الثيران، الأحاديث اللانهائية حول الموضوعات القديمة ذاتها، الكحول، النساء، المزيد من مصارعة الثيران، المزيد من الكحول، المزيد من النساء، وبالطبع، لا جدول زمنيا على الإطلق .
                          ذات أحد ، وفيما كنا نتجه نحو حانة تقدم الطعام الليل بطوله، تفتتح الموضوع المحرم : الكتاب الذي قلت إني أؤ لفه . أحتسي زجاجة كاملة من خمر الشيري، أركل كل الأبواب الحديدية التي عبرناها في طريق العودة، أشتم أشخاصا في الشارع، وأسألها لماذا تكبدت عناء السفر هذه المسافة بطولها ما دام هدفها الوحيد جعل حياتي جحيما والقضاء على سعادتي . لا تتفوه بكلمة، لكن كلا منا عرف أن علاقتنا وصلت إلى تخومها . تهجر الأحلام نومي تلك الليلة . وفي الصباح التالي، وبعد أن أتذمر شاكيا لمدير المبنى بشأن هاتفي المعطل، بعد أن أعنف خادمة التنظيف كلاميا لأنها لم تغير ملاءات السرير لأسبوع، بعد أن أستحم مطول لغسل عني آثار الليلة السابقة، إذا بي أجلس إلى آلتي الكاتبة، لمجرد أن أظهر لستير أنني أحاول، أحاول بصدق ، أن أعمل .
                          وفجأة تحصل المعجزة . ألقي بناظري على المرأة التي أعدت لتوها بعض القهوة . وهي الآن تقرأ الصحيفة، بعينيها التعبتين اليائستين، تبدو هي هي، بروحها الهادئة، التي لا تعبر دوما عن عطفها بالحركات؛ امرأة جعلتني أقول « نعم » عندما وددت قول « لا » ؛ أجبرتني على الكفاح من أجل ما تؤمن هي، بصواب تام، أنه سبب عيشي؛ سمحت لي بالرحيل منفردا لأن حبها لي كان أعظم من حبها لروحها؛ دفعتني إلى السعي وراء حلمي . وفجأة، رؤية هذه المرأة القلقة، الهادئة، التي تخبر عيناها ما تعجز عنه أي كلمات، التي غالبا ما ذعرت في الصميم، لكنها أظهرت شجاعة في أفعالها، والتي أمكنها أن تحب رجل من دون أن تذل نفسها ولم تأسف قط للصراع من أجل الرجل الذي بجانبها؛ فجأة، رؤيتها جعلت أصابعي تضغط على الزرار . تظهر الجملة الولى، فالثانية .
                          أقضي يومين بل طعام، أنام القسط الدنى، تبدو الكلمات، وكأنها تنبع من مكان مجهول، كما كانت تفعل عندما تعودت تأليف الأغاني، عندما كنت وشريكي الموسيقي، بعد الكثير من المشاحنات والكثير من المحادثات الفارغة، كنا ندرك أن ذلك " الشيء " هناك، جاهز، أن الوقت حان للباسه كلمات ونو تات . هذه المرة، أعلم أن ذلك « الشيء » نابع من قلب إستير؛حبي انبعث من جديد، أضع الكتاب لأنها موجودة، لأنها تخطت كل الصعاب من دون تذمر، من دون أن ترى نفسها ولو لمرة، أنها الضحية . أبد أ بوصف التجربة التي أثرت بي أعمق التأثير في السنوات الأخيرة ـ الدرب إلى سانتياغو .
                          وفيما أكتب، أدرك أن نظرتي إلى العالم تمر بسلسلة من التغيرات . لسنوات عديدة، درست السحر ومارسته، ودرسه الخيمياء والتنجيم؛ ذ هلت لفكرة أن قوة عارمة تتملك مجموعة ضئيلة من الناس، قوة عارمة يستحيل مشاطرتها مع باقي الإنسانية، لأنه سيكون من الخطر الكبير السماح لمثل هذه المقدرة الشاسعة أن تقع في أيد عديمة الخبرة . كنت عضوا في جمعيات سرية، وتورطت في فرق غريبة، ابتعت كتبا قاتمة، باهظة للغاية، أنفقت قسطا كبير ا من الوقت أؤدي طقوسا وصلوات . تعودت الانضمام إلى مجموعات وأخويات مختلفة، معتقدا على الدوام أنني وجدت أخيرا الشخص الذي يمكن أن يكشف لي خفايا العالم اللامرئي . لكن، في النهاية، كان ظني يخيب متى اكتشفت أن معظم هؤلاء الأشخاص - ومع أنهم حسنوا النية - كانوا يتبعون هذا المعتقد أو ذاك فحسب؛ ونزعوا إلى التعصب، لأن التعصب هو الطريقة الوحيدة لوضع حد للشكوك التي تكدر روح البشر على الدوام .
                          اكتشفت أن العديد من الطقوس مفيدة بالفعل، لكنني اكتشفت أيضا أن أولئك الذين يصرحون بأنهم أرباب أسرار الحياة وحملتها، الذين يدعون معرفة تقنيات مكنتهم من إشباع كل رغبة ، قد انقطعوا تماما عن تعاليم الأجداد . وبإتباع الدرب إلى سانتياغو، والتواصل مع أشخاص عاديين، اكتشفت أن الكون تفوه بلغته الخاصة، لغة الإشارات؛ وأنه، من أجل فهم هذه اللغة، لم يكن علينا سوى النظر بقلب منفتح حولنا . كل هذا دفعني إلى التساؤل هل التنجيم السبيل الوحيد لبلوغ هه الخفايا . في كتابي عن الدرب إلى سانتياغو، أناقش طرق أخرى محتملة من النضوج والوصول إلى هذه الفكرة : " كل ما عليك فعله هو الانتباه؛ تأتي العبر دوما عندما تكون على استعداد، وإذا تمكنت من قراءة الإشارات، سوف تتعلم كل ما تحتاج إلى معرفته لكي تخطو الخطوة التالية " .
                          نحن البشر، نعاني مشكلتين كبيرتين : الأولى، أن نعرف متى نبدأ، والثانية، أن نعرف متى نتوقف .
                          بعد أسبوع، أبدأ بوضع المسودة الأولى، الثانية، فالثالثة . لم تعد مدريد تقتلني، حان وقت العودة إلى الديار . أشعر وكأن حلقة قد تمت، والحاجة ملحة إلى البدء بأخرى . أودع المدينة كما تعودت دوما قول الوداع في الحياة : بي ظن أنني سأبدل رأيي وأرجع يوما ما .
                          أرجع إلى بلدي مع إستير، وأنا على قناعة بأن الوقت ربما حان لكي أجد عمل آخر، لكن إلى حين أفعل ) ولن أفعل، لأنني لست في حاجة إلى ذلك ( سأواصل مراجعة الكتاب . لا أعتقد أن أحدا سيهتم كثير ا بتجارب رجل تبع دربا رومانسية إنما وعرة عبر أسبانيا .
                          بعد أشهر أربعة، وفي ما أنا منهمك بمسودتي العاشرة، أكتشف أن النسخة المطبوعة وإستير قد اختفتا . وفيما كنت على وشك أن أ جن قلقا ، تعود وفي يدها وصل تسلم من مكتب البريد - أرسلت النسخة إلى حبيب سابق لها، وهو يدير حاليا دار نشر صغيرة .
                          ينشر الحبيب السابق الكتاب . لا كلمة عنه في الصحافة، إنما ابتاعه عدد قليل من الناس . أوصوا به إلى أناس آخرين، ابتاعوه بدورهم وأوصوا به إلى آخرين .
                          بعد أشهر ستة، نفدت الطبعة الأولى . بعد سنة، صدرت ثلاث طبعات وبدأت أكسب المال من الشيء الوحيد الذي لم أحلم يوما أنه سيدر علي المال، من الأدب !!.
                          لا أدري كم من الوقت سيستمر الحلم، لكني أقرر أن أعيش كل لحظة وكأنها الأخيرة . أرى أن هذا النجاح يفتح الباب الذي طالما أردت فتحه : ناشرون آخرون يتوقون إلى نشر كتابي التالي .
                          جلي أنه لا يمكنني أن أتبع الدرب إلى سانتياغو كل سنة، فما الذي سأكتب عنه تاليا ؟ أو علي تحمل الهراء نفسه في أن أقبع أمام الآلة الكاتبة لأجد نفسي أفعل كل أمر باستثناء كتابة الجمل والمقاطع؟ من المهم أن أواصل إشراك الغير في نظرتي إلى العالم وأن أصف تجاربي في الحياة .
                          أحاول لأيام معدودة ولليالي عديدة، لكني أقرر أن ذلك مستحيل . ثم، ذات عشية ، أقع على قصة مشو قة في « ألف ليلة وليلة » ؛ فيها أجد رمز دربي اخاصة، شيء يساعدني على فهم كياني ولماذا طال بي الأمر لاتخاذ قرار كان في انتظاري منذ الأزل . أستخدم تلك القصة كأساس لقصة أخرى عن راع ينطلق سعيا وراء حلمه، كنز مخبأ في أهرامات مصر . أروي فيها عن الحب الذي ينتظره هناك، كما انتظرتني إستير فيما سرت في دوائر ودوائر .
                          لم أعد شخصا يحلم أن يصبح شيئا : أنا كيان . أنا الراعي الذي يجتاز الصحراء، لكن أين الخيميائي الذي يعينه على المضي؟ عند الانتهاء من هذه الرواية، لم أفهم تماما ما كتبت : إنها كقصة خيالية للراشدين، والراشدون أكثر اهتماما بالحرب، والجنس، وقصص القوة؛ مع ذلك، قبلها الناشر . نشر الكتاب، وإذا بقرائي يدرجونه مرة ثانية على لوائح الكتب الأكثر مبيعا .
                          بعد سنوات ثلاث، زواجي في أحسن حالته، وأقوم بأمر طالما أردت القيام به؛ وإذا بباكورة الترجمات تظهر، فالثانية، وإذا بالنجاح - بطيء إنما أكيد - يحمل مؤ لفاتي إلى بقاع الأرض قاطبة .
                          أقرر الانتقال إلى باريس بسبب مقاهيها، وكتابها والحياة الثقافية فيها . أكتشف أن أيا منها لم يعد له أثر : باتت المقاهي تعج بالسياح وصور الناس الذين جعلوا من تلك الأماكن أماكن مشهورة . معظم الكتاب يولون الأسلوب اهتماما أكثر من المحتوى؛ يجهدون وراء التميز، إنما ينجحون في كونهم تافهين فحسب .
                          همفي انطواء داخل عالمهم الصغير الخاص . أتعلم عبارة فرنسية مثيرة للهتمام : " " renvoyer l‘ ascenseur ، ومعناها الحرفي " طلب المصعد إلى أعلى » ، أما معناها المجازي فمراد به « رد الجميل . » عمليا، أقول أمورا حسنة عن كتابك ، وأنت تقول أمور ا حسنة عن كتابي، وهكذا، نخلق حياة ثقافية جديدة، ثورة، فلسفة جديدة ظاهريا ؛ نعاني؛ لأن لا أحد يفهمنا، لكن في النهاية هذا ما حدث لعباقرة الماضي كل هم : أن يسيء المعاصرون فهمهم، هو بالطبع جزء لا يتجزأ من كون المرء فنانا عظيما . ، وبداية ، يلقى » هم يطلبون المصعد إلى أعلى « مثل هؤلاء الكتاب بعض النجاح : لا يود الناس المخاطرة بتوجيه انتقاد صريح إلى شيء لا يفهمونه، لكنهم سرعان ما يدركون أنهم حفظوا في ذاكرة التاريخ ويكفون عن تصديق الانتقادات . إن الانترنت ولغتها البسيطة هي كل ما يلزم لتغيير العالم . عالم مواز ينبثق في باريس : كتاب جدد يصارعون لكي تفهم كلماتهم وأرواحهم . أنضم إلى هؤلاء الكتاب في مقاه لم يسمع بها أحد، لأن الكتاب لم يبلغوا الشهرة بعد وكذلك المقاهي . أطو ر أسلوبي منفردا وأتعلم من ناشر كل ما أحتاج إلى معرفته بشأن الدعم المتبادل .. » ما مصرف الخدمة؟ «
                          . » أنت تعلم . الجميع يعلم «
                          . » محتمل، لكنني لم أفهم قولك جيد ا «
                          أو ل من ذكر هذه العبارة كاتب أميركي . هذا «
                          المصرف من أقوى المصارف في العالم، وتجده في
                          . » نواحي الحياة كافة
                          نعم، لكنني أنحدر من بلد تفتقر إلى أي تراث «
                          . » أدبي . ما الخدمات التي يمكنني تقديمها لي يكن؟
                          " قل ما يهم ذلك . دعني أعطك مثلا : أعرف أنك كاتب واعد، وأنك، ذات يوم، ستكون شديد النفوذ . أعرف ذلك، لأنني، على غرارك، كنت طموحا ، مستقلا ، صريحا . لم أعد أملك الطاقة التي ملكتها يوما ، لكنني أريد مساعدتك لأنني لا أستطيع أو بالأحرى لا أريد منذ الآن أن أنسحق إلى نقطة النهاية . لا أحلم بالتقاعد، لا أزال أحلم بالكفاح المذهل الكامن في الحياة والقوة والمجد . . «
                          أبدأ بوضع ودائع في حسابك - ليست بودائع نقدية - أنت تعلم، إنما صلات ، أعرفك بفلان وفلان، أدبر بعض الصفقات ما دامت قانونية . تكون على علم بأنك مدين لي، لكنني لا أطالبك بأي شيء " .
                          . » . . . وذات يوم «
                          بالضبط . ذات يوم، سأطلب إليك «
                          خدمة . وبالطبع يمكنك قول " لا " ، لكنك تدرك أنك مدين لي . فتفعل ما أطلبه . أواظب على مساعدتك ويرى الآخرون أنك من الأشخاص المحترمين والمخلصين . فيودعون ما يودعون في حسابك
                          - وتكون الإيداعات دائما على هيئة إيصالات، لأن هذا العالم قائم على الصلات لا غير . هم أيضا سيطلبون إليك خدمة، وسوف تحترم طلبهم وتساعد من ساعدك .
                          ومع الوقت، تكون قد ألقيت بشباكك على امتداد العالم، ستعرف ما أنت بحاجة إلى معرفته وسيزداد نفوذك تعاظما " .
                          " قد أرفض ما تطلبه إلي " .
                          " قد تفعل، مصرف الخدمة استثمار خطر، شأنه شأن أي مصرف آخر . ترفض تأدية الخدمة التي طلبتها إليك، ظنا منك أني ساعدتك لأنك أهل للمساعدة، لأنك الأفضل وعلى الجميع الأعتراف تلقائيًا بموهبتك . حسن ، أشكرك عندئذ جزيل الشكر، وأطلب الخدمة إلى شخص آخر أو دعت في حسابه ودائع مختلفة؛ لكن من تلك اللحظة فصاعد ا، سيعلم الجميع - من دون أن أضطر إلى التفو ه بكلمة - بأنك غير جدير بالثقة .
                          سوف تكبر بنصف ما أمكنك أن تكبر، وبالطبع ليس بقدر ما وددت أن تكبر . وفي مرحلة ما، ستبدأ حياتك بالانحطاط، فأنت عبرت نصف الدرب، لا كلها، أنت نصف سعيد ونصف تعس، غير محبط وغير واثق الخطوة . لست باردًا ولا حارًا، أنت فاتر، وكما جاء على لسان أحد الإجيليين في كتاب مقد س ما : " الأمور الفاترة لا تطيب للذوق يودع الناشر الكثير من الودائع - أو الصلات– في حسابي لدى مصرف خدمة . أتعل م , أعاني , تترجم كتبي إلى الفرنسية , وفي تقاليد تلك البلد، الغريب مرحب به . ليس هذا فحسب، فالغريب عبارة عن نجاح ضخم ! بعد عشر سنوات، أصبحت أملك شقة واسعة تطل على نهر السين Seine ، القر اء يحبونني والنقاد يكرهونني ) هم الذين عشقوني إلى أن بعت نسخ كتابي المائة ألف الأولى . منذ تلك اللحظة، كففت عن كوني « عبقريا يساء فهمه . ) » أصبحت بنفسي مقرضا للصلات .
                          تحصل إستير على الترخيص للعمل صحافية، وبغض النظر عن الخلافات العادية التي تطرأ على أي زواج، فأنا راض . أدرك للمرة الأولى أن كل ما شعرت به من إحباط في علاقاتي الغرامية وزيجاتي السابقة لم يكن له أي دخل بالمرأة المعنية، بل بمرارتي أنا . غير
                          أن إستير هي الوحيدة التي فهمت أمرا واحدا في غاية البساطة : لكي أتمكن من إيجادها، علي أن أجد نفسي أولا . نحن معا منذ ثماني سنوات؛ أثق بأنها حب حياتي، ومع أنني أحيانا ) أو بالحرى - تقتضي الصراحة - هنا، مرار ا ( أغرم بنساء أخريات يعبرون طريقي، فلا أفكر أبدا باحتمال الطلاق . لا أسألها قط إن كانت على علم بعلاقاتي خارج الزوجية . هي لا تعلق على الموضوع .

                          لذلك، أذهل عندما كنا نخرج من السينما، حين تقول لي إنها طلبت إلى المجلة التي تعمل لديها أن تعد تقريرًا عن الحرب الهلية في أفريقيا .
                          . » ماذا تقولين؟ «
                          . » إني أريد أن أكون مراسلة حرب «
                          أنت مجنونة، لست في حاجة إلى القيام . أنت « تقومين بالعمل الذي تريدينه الآن . وتجنين المال اليسير، الذي لا تحتاجين إليه لكسب عيشك . أنت تملكين كل الصلات التي تحتاجين إليها في مصرف . » زملائك » احترام « الخدمة . أنت موهوبة وقد كسبت
                          . » حسن إذ ا، فلنقل إنني أريد أن أكون وحدي «
                          . » بسببي أنا؟ «
                          لقد بنينا حياتنا سويا . أحب زوجي وهو «
                          . » يحبني، مع أنه أحيانا ليس أكثر الزواج وفاء
                          " لكنك لم تأت على ذكر أي شيء عن هذا من
                          قبل " .
                          " لأنه لا يهمني . أعني، ما الوفاء؟ الشعور بأنني أمتلك روحا وجسدا ليسا لي؟ أو تتصور بأني لم أضاجع رجال آخرين طوال تلك السنوات التي قضيناها معا ؟ " .
                          " لا يهمني ولا أريد أن أعرف " .
                          " حسن ، ولا أنا " .
                          " إذ ا، ما قضية رغبتك في الكتابة عن حرب في بقعة منسية من العالم؟ "
                          " كما قلت ، أحتاج إلى ذلك " .
                          " أو لم تحصلي على كل ما تحتاجين إليه؟ " .
                          " لدي كل ما قد تود امرأة الحصول عليه " .

                          " ما الريب في حياتك إذ ا؟ " .
                          " هذا بالتحديد : امتلك كل شيء، لكنني لست سعيدة . ولست الوحيدة؛ على مر السنوات، التقيت الناس على اختلافهم وأجريت مقابلت معهم : الغني، الفقير، القوي، وأولئك المكتفين بما لديهم . رأيت المرارة اللامحدودة هي نفسها في عيونهم كافة، تعاسة لا يكون الناس دوما على استعداد للعتراف بها . لكنها، بغض النظر عما كانوا يخبرونني، كانت دوما هناك . هل تصغي؟ " .
                          " نعم، أنا أصغي . كنت أفكر فقط . إذا، في رأيك، لا أحد سعيد؟ " .
                          " بعض الناس يبدون سعداء، لكنهم لا يفكرون في الأمر كثير ا، سواهم يرسم مخططات : سوف أجد لي زوجا ، منزل ، ولدين، منزل في الريف . وما داموا منهمكين في هذا المنوال، يغدون كالثيران الساعية وراء المصارع : تأتي ردة فعلهم غريزيا، يمشون على
                          غير هدى، لا أدنى فكرة لديهم عن مكان الهدف . يحصلون على سياراتهم، حتى أنهم يشترون سيارة فراري أحيانا ، ويخالون أن بها تكتسب الحياة معنى ، ولايشكون في ذلك أبدا . غير أن عيونهم تخون تعاستهم التي يجهلون أنهم يحملونها في نفوسهم . هل أنت سعيد؟ " .
                          " لا أدري " .
                          " لا أدري إذا كان الجميع تعساء، أعلم أن الجميع مشغولون : يعملون أوقاتا إضافية ، يقلقون بشأن أولادهم، أزواجهم، مهنهم، شهاداتهم، ما سيفعلونه في الغد، ما يحتاجون إلى شرائه، ما يحتاجون إلى
                          امتلاكه لئلا يشعروا بالدونية، وسوى ذلك . يندر من يقول منهم : " أنا تعس " . معظمهم يقول " أنا بخير، حصلت على كل ما أريده " . ثم اسأل " ما الذي يسعدك؟ " . يأتي الجواب : " حصلت على كل شيء يمكن لي امرئ الحصول عليه، عائلة، منزل، عمل، صحة سليمة " . أسأل مجدد ا : " هل استوقفت نفسك يوما متسائل إذا كان هذا كل ما في الحياة؟ " يأتي الجواب : " نعم، هذا كل ما فيها " . أصر : " إذ ا معنى الحياة هو : العمل، العائلة، الأولاد الذين سيكبرون ويتركونك، زوج يغدو بمثابة صديق بدل من
                          حبيب حقيقي . وبالطبع، ذات يوم، سيكون لعملك نهاية . ماذا ستفعل عندما يحدث هذا؟ يأتي الجواب . . . لا جواب، هم يبد لون الموضوع " .
                          " لا، ما يريدون قوله هو : " عندما يكون الأولاد قد كبروا، عندما يصبح زوجي، بمثابة صديق عوضا عن حبيب و لهان، عندما أتقاعد، عندها، ستسنح لي الفرصة أن أفعل ما أردت فعله دوما : " السفر " . ثم يأتي السؤال : " أو لم تقل الآن أنك سعيد؟ أو لا تفعل ما أردت دوما فعله؟ " ثم يقولون إنهم كثيرو النشغال ويبدلون الموضوع " .
                          " إذا رأوك مصر ا، يختلقون دوما شيئا يفتقرون إليه .
                          فرجل الأعمال لم يعقد بعد الصفقة التي يريد، ربة المنزل تود التمتع بمزيد من الاستقلالية ومزيد من المال، والفتى المغرم يخشى خسارة حبيبته، والمتخرج الجديد يتساء ل بشأن مهنته هل هو مخير أم مسير ؟ وطبيب الأسنان كان يريد أن يكون مغنيا ، والمغني كان يريد أن يكون رجل سياسة، ورجل

                          السياسة كان يريد أن يكون كاتبا ، والكاتب كان يريد أن يكون مزارعا . حتى وإن التقيت أحد ا يفعل ما اختار فعله، ترى روحه في عذاب . لم يجد السلام بعد هو
                          أيضا . وإنني أسألك مجدد ا : " هل أنت سعيد؟ " .
                          " لا . أملك المرأة التي أحب، المهنة التي طالما حلمت بها، نوع الحرية الذي يحسدني عليه جميع أصدقائي، الأسفار، التكريمات، المديح . لكن، هناك شيء . . . " .
                          " ماذا؟ " .
                          " تراودني فكرة أنني، إذا توقفت ، ستخلو الحياة من المعنى " .
                          " لا يمكنك أن تسترخي فحسب، أن تنظر إلى باريس , أن تمسك بيدي وتقول : حصلت على كل ما أريده، فلنستمتع الآن بما تبقيه الحياة لنا " .
                          " يمكنني أن أنظر إلى باريس أن أمسك بيدك، لكنني أعجز عن قول تلك الكلمات " .
                          " أراهن أن كل من في هذا الشارع الآن يراوده الشعور نفسه . المرأة الأنيقة التي مرت لتو ها من أمامنا، تقضي نهاراتها وهي تحاول إيقاف الزمن، وتتحقق من وزنها على الدوام، ظنا منها أن الحب و قف على ذلك . أنظر إلى الجهة المقابلة من الطريق : زوج وولدان . هما يشعران بسعادة غامرة عندما يخرجان برفقة ولديهما، إنما، في الوقت ذاته، يبقيهما اللاوعي في حالة ر عب ثابتة : هما يفكران في وظيفتهما التي قد يخسرانها، في المرض الذي قد يصابان به، في التأمين على الصحة الذي قد لا يجدي نفعًا، في أن يدهس أحد الولد . وفي محاولة إلهاء أنفسهما،

                          يحاولان أيضا إيجاد طريقة للانعتاق من هذه المآسي، لحماية أنفسهما من العالم " .
                          " والمتسو ل عند الزاوية؟ " .
                          " لا أدري ما حاله . لم يسبق لي أن تكلمت إلى متسو ل . إنه بالتأكيد انعكاس للبؤس، إنما عيناه، كعيني كل متسول، تبدوان وكأنهما تخفيان شيئا . إن تعاسته واضحة جد ا بحيث لا يسعني إلا تصديقها " .
                          " ما الناقص؟ " .
                          " لا أدنى فكرة لدي . أنظر إلى مجلات المشاهير وأرى فيها الجميع مبتسمين وراضين . وبما أنني، شخصيًا، متزوجة إلى مشهور، فإنني أدرك أن الحال ليست هكذا تمامًا : الجميع يضحكون ويستمتعون بأوقاتهم في تلك اللحظة، في تلك الصورة . لكن لاحقا في الليلة التالية، أو في الصباح، تكون القصة مختلفة فعلا . "
                          ماذا ينبغي أن أفعل كي أظهر باستمرار في المجلة؟ كيف لي أن أستر واقع أنني لم أعد أملك ما يكفي من المال لمواكبة نمط حياتي المترف؟، كيف لي أن أناور في حياتي المترفة أفضل مناورة لتبدو أكثر ترفا من حياة أي من الخرين؟ الممثلة التي تظهر معي في الصورة والتي أبتسم معها وأحتفي، قد تختلس بعضا مني غدا ! هل ثيابي أجمل من ثيابها؟ لماذا نبتسم
                          ما دامت إحدانا تمقت الخرى؟ ، لماذا نتاجر بالسعادة لقر اء هذه المجلة ونحن تعساء تعساء، ونحن عبدة الشهرة " .
                          " لسنا عبدة الشهرة " .
                          " لا يجن جنونك . لست أتحدث عنا " .
                          ما الذي يحدث إذ ا؟

                          " منذ سنوات، قرأت كتابا روى قصة مشو قة . افتر ض أن هتلر انتصر في الحرب، و بطش بكل اليهود وأقنع شعبه أن العرق الأسمر الآري، سيد الأعراق، موجود فعليًا . وبعد ثلاثمائة سنة، يتمكن خلفاؤه من إبادة كل الهنود . تبدأ كتب التاريخ تتغير، وبعد مرور مائة سنة، ترى السود قد أبيدوا أيضا . ويستغرق الأمر خمسمائة سنة، إنما، في نهاية
                          المطاف، تنجح آلة الحرب الكلية القدرة في محو العرق الشرقي عن وجه الرض . تتحدث كتب التاريخ عن معارك موغلة في القدم ضد البرابرة، لكن لا أحد يطالع هذا الأمر عن كثب ذلك أنه بلا أهمية .
                          وبعد مرور ألفي سنة على ولادة النازية، وفي حانة في طوكيو، مدينة استوطن فيها لخمسة قرون، ذوو العيون الزرق والقدود الهيفاء، ترى هانز وفريتز يتلذذان باحتساء الجعة . ثم ينظر هانز إلى فريتز ويسأله :
                          - فريتز، أوتعتقد أن هذا ما كان منذ الأزل؟
                          - ماذا؟ سأله فريتز .
                          - العالم .
                          - بالتأكيد، هكذا كان العالم من الأزل، أوليس
                          هذا ما لقناه؟ .
                          - طبعا . لا أدري ما الذي حملني على طرح سؤال بهذه السخافة .
                          انتهيا من احتساء الجعة، تحد ثا بأمور أخرى ونسيا السؤال كليا " .
                          " لا داعي للغوص حتى هذا العمق في الزمن الآتي، ما عليك سوى العودة إلى ألفي سنة
                          خلت . هل ترين نفسك في موقع عبادة مقصلة أو مشنقة أو كرسي كهربائي؟ " .
                          " أدرك ما ترمي إليه، أسوأ عذابات النسان على الإطلاق، الصليب . أذكر أن شيشرون أشار إليه على أنه " عقاب بطني " ينطوي على تعذيب المصلوب بشناعة قبل موته . ومع ذلك، في يومنا، يضعه الناس حول أعناقهم، يعلقونه على جدران غرف النوم، وقد
                          توصلوا إلى تعريفه كرمز ديني، متغافلين عن أنهم ينظرون إلى آلة تعذيب " .
                          " مضى 250 سنة قبل أن يقرر أحدهم أن الوقت قد حان لبطال الاحتفاءات الوثنية بمناسبة حلول النقلب الشتوي، حينما تكون الشمس في أبعد نقطة عن الأرض . الر سل، ومن أتوا بعدهم، كانوا منهمكين Natalis في نشر رسالة المسيح ليتاح لهم القلق بشأن
                          لولادةالشمس، الذي ، المهرجان الميثرائي Invict Solis حدث في الخامس والعشرين من ديسمبر . ثم قرر حد الساقفة أن الاتفاءات النقلبية تهدد الإيمان
                          وهكذا كان ! الن، نحتفي بالقداديس، بالولادة، بالهدايا، بالعظات، بأطفال من البلاستيك في مذود، وبالقناعة الصلبة بأن المسيح قد ولد في ذلك اليوم بالذات ! " .
                          " ثم تأتي شجرة الميلد . أو تدري مصدرها؟ " .
                          " ليس لدي أدنى فكرة " .
                          " قر ر القديس بونيفاس أن " ينصر " طقسا وثنيًا كان يرمي إلى تبجيل الله أودن طفل ، حيث تعو دت القبائل الجرمانية، مرة كل سنة، نثر الهدايا حول شجرة

                          تعليق

                          • حمادة الشاعري
                            عضو متميز
                            • Aug 2006
                            • 5861

                            #14
                            الرد: مكتبة القصص العالمية ..

                            سنديان ليجدها الولد , ظن ا منها أن هذا الأمر يسعد الله الوثني " .
                            " بالعودة إلى قصة هانز وفريتز : أتعتقدين أن الحضارة والعلاقات النسانية وآمالنا وانتصاراتنا، كلها نتاج قصة مغربلة أخرى فحسب؟ " .
                            " عندما كتبت عن الدرب إلى سانتياغو، وصلت إلى النتيجة ذاتها، أليس كذلك؟ كنت تعتقد أن نخبة دون سواها تعرف معنى الرموز السحرية، لكنك الآن تدرك أننا جميعا على دراية بهذا المعنى، كل ما في الأمر أننا نسيناه " .
                            " معرفة ذلك لا تحدث أي فرق . يبذل الناس جهدهم لنسيان المقدرة السحرية الشاسعة التي يملكون، يبذلون جهدهم لرفضها، لأن ذلك قد يخل بعوالمهم الصغيرة الصافية " .
                            " لكننا جميعا نملك القدرة، أليس كذلك؟ " .
                            " طبعا ، لكن لا نملك جميعا الشجاعة لتتبع أحلامنا والإشارات، لعل ذلك ما يجلب علينا التعاسة " .
                            " لا أدري، ولا أعني أنني تعسة طوال الوقت، أنا أستمتع بوقتي، أحبك ، أعشق عملي . لكن بين الحين والحين، تنتابني تلك التعاسة الموغلة، يوشحها الذنب أو الخوف أحيانا ؛ يذوي الشعور لكنه يرتد دوما ليذوي مجددا . وعلى غرار هانز، أطرح ذاك السؤال
                            نفسه؛ ومتى عجزت عن الإجابة، أتناساه ببساطة . بوسعي أن أساعد الأولاد الجوعى، أن
                            أنشئ مؤسسة لأولاد الشارع، أن أشرع في خلاص

                            الناس باسم المسيح، أن أفعل شيئا يشعرني بأنني ذات فائدة، لكنني لا أريد ذلك . "
                            " لماذا إذ ا تريدين الذهاب لتغطية هذه الحرب؟ " .
                            " لأنني أعتقد أن الإنسان في أوقات الحرب، يعيش عند أبعد الحدود . في النهاية، قد يموت في اليوم التالي . أي امرئ يعيش على هذا النحو يتصر ف بشكل مغاير للمعتاد " .
                            " إذ ا تريدين إيجاد الجواب عن سؤال هانز؟ " .
                            " نعم، أريد " .

                            اليوم ، في هذا الجناح الجميل في فندق البريستول، وبرج إيفل الذي يتلل أضواء لخمس دقائق كلما دقت الساعة معلنة مرور 60 دقيقة، وزجاجة نبيذ فارغة إلى جانبي وسجائري التي تفنى بسرعة، والناس يحيونني كما لو أن شيئا شديد الخطورة لم يحدث، أتساءل : هل بدأ الأمر برمته لحظة خروجنا من السينما؟ أكان يجدر بي أن أدعها تنطلق سعيا وراء تلك القصة المغربلة أو كان يجدر بي أن أستبد وأطلب إليها أن تغض الطرف عن الفكرة بكاملها لأنها زوجتي وأريدها معي، وأحتاج إلى دعمها؟
                            هراء . حينها، عرفت ، كما أعرف الآن، أنني لا أملك خيارا سوى الانصياع لإرادتها . لو قلت : " أنت مخيرة بيني وبين أن تصبحي مراسلة حرب " ، لخنت كل ما فعلته إستير من أجلي . لم أكن على قناعة بهدفها الصريح ـ التماسها " القصة المغربلة " - لكنني
                            استنتجت أنها في حاجة إلى القليل من الحرية، للخروج، لاختبار انفعالات قوية . وما الريب في ذلك؟ قبلت ، لكن ليس قبل أن أوضح لها أن ذلك انسحاب كبير جد ا من مصرف الخدمة ) الذي يبدو شيئا مضحكا عندما أفكر فيه ( .

                            على مدى سنتين، لحقت إستير نزاعات مختلفة في أقطار قريبة، متنقلة من قارة إلى قارة، أكثر من تغيير حذائها . كلما كانت تعود، كنت أعتقد أنها ستتخلى عن ذلك . بمنتهى البساطة، يستحيل العيش مطولا في مكان ليس فيه طعام لئق، ولا استحمام يومي، ولا سينما ولا مسارح ..
                            كنت أسالها هل وجدت الجواب عن سؤال هانز، كانت تجيب دوما أنها على الدرب الصواب، وأن علي الكتفاء بهذا . أحيانا ، كانت تغيب أشهر ا متواصلة عن المنزل؛ خلافا لما ينص عليه " تاريخ الزواجالرسمي " ) بدأت استخدم مصطلحاتها ( ، أن المسافة
                            تقو ي أواصر حبنا، وتظهر لنا مدى أهمية أحدنا للآخر .
                            علاقتنا، التي أتصور أنها بلغت ذروة المثالية عندما انتقلنا إلى باريس، كانت تتحسن .
                            وفي حدود فهمي للأمر، التقت ميخائيل عندما استدعتها الحاجة إلى مترجم يرافقها إلى بلد ما في آسيا الوسطى . بداية ، كانت تتحدث عنه بحماسة كبرى : كان شخصا مفرط الحساسية، شخصا رأى العام على حقيقته وليس كما أخبروه أنه يجب أن يكون . كان يصغرها بخمس سنوات، لكنه امتلك ميزة تصفها إستير بأنها " سحرية " . كنت أميل بسمعي إليها، بصبر ولباقة، كما لو أنني كنت مهتما بالفعل بذلك الفتى وأفكاره . لكنني في الحقيقة كنت أرتحل بعيدا، أتدارك في ذهني كل ما يتوجب علي : أفكارا لمقالتي، أجوبة لأسئلة الصحافيين والناشرين، استراتيجيات لإغواء امرأة محددة تظهر أنها مهتمة
                            بأمري، مخططات لتسويق كتاب مستقبلي .
                            لا أدري هل لحظت إستير ذلك أم لا . أخفقت بالتأكيد في ملاحظة أن ميخائيل بدأ يتلاشى من محادثاتنا، ثم احتجب كليا . راح تصرف إستير يتفاقم غرابة : حتى عند تواجدها في باريس، أخذت تخرج ليالي عدة في الأسبوع، وتقول لي إنها تعد بحثا عن
                            المتسولين . قلت في نفسي إنها تقيم علاقة غرامية (!!!!!)

                            بلا شك . تأ لمت لأسبوع بأكمله وتساءلت : أيجدر بي الإفصاح لها عن شكوكي أم أد عي أن شيئا لا يحدث؟
                            قررت تجاهل الأمر، عملا بالمبدأ القائل " ما لا تراه العين، لا يغتم له القلب " . كنت على قناعة تامة بأنه ما من احتمال ولو ضئيل في هجرها لي؛ عملت جاهدة لمساعدتي كي أصبح ما أنا عليه، وسيكون منافيا للمنطق أن تتخلى عن كل ذلك مقابل علاقة غرامية
                            عابرة .
                            لو أنني كنت مهتما فعلا بعالم إستير، لكنت على الأقل سألتها عما حدث لمترجمها وحساسيته " السحرية " . كان علي أن أشك في ذلك الصمت وفي تواري المعلومات . كان علي أن أطلب الخروج بصحبتها في إحدى " رحلات البحث " تلك عن المتسو لين عندما كانت تسأل أحيانا عن اهتمامي بعملها، كان جوابي الدائم ثابتا لا يتغير : " نعم، أنا مهتم، لكن لا أريد التدخل، أريدك أن تكوني حرة لمطاردة حلمك بالطريقة التي تختارينها، تماما كما ساعدتني على القيام بال ثل " .
                            كان هذا، طبعا ، مرادفا لقول إنني غير مهتم ولو قليلا . لكن بما أن الناس يصد قون ما يريدون تصديقه، فقد بدت إستير راضية عن جوابي .

                            ها إن كلمات المفتش التي قالها لي مع إخلائي من زنزانة المخفر، يرتد صداها إلي : أنت رجل حر . لكن، ما الحرية؟ أهي الملاحظة أن الزوج لا يهتم بما تقوم به الزوجة؟ أهي الشعور بالوحدة من دون .شخص تشاطره أعمق مشاعره، لأن الشخص الذي تزوجته متمحور بكليته حول عمله الخاص، حول مهنته المهمة، الرائعة، الصعبة؟
                            أنظر إلى برج إيفل : ساعة أخرى مرت، إنه يتلألأ ثانية كما لو أنه صنع من الماس . ليس لدي أدنى فكرة عن عدد المرات التي حدث فيها هذا مذ وقفت قبالة النافذة .
                            أنا أعرف أنني، باسم حرية زواجنا، لم ألحظ أن ميخائيل غاب عن أحاديث زوجتي، ليتجلى مجددا في حانة، ثم يغيب، ويصطحبها معه هذه المرة، مخلفين وراءهما الكاتب الناجح والمشهور كمشبوه أساسي .
                            أو بالأحرى، أفظع من ذلك، كرجل مهجور .


                            *تمــــــــــــــت *


                            تعليق

                            • حمادة الشاعري
                              عضو متميز
                              • Aug 2006
                              • 5861

                              #15
                              الرد: مكتبة القصص العالمية ..

                              موريلا‏

                              إدجار ألان بو

                              "وحيدة تعيش عازبة في عزلتها الأبدية"‏

                              أفلاطون ـ سيمبوس‏

                              أرنو إلى صديقتي موريلا بإحساس عميق مفعم بالحبّ المتفرّد. رمتني المصادفة في رفقتها منذ سنين طويلة، فاتقدت نفسي منذ اللقاء الأول بنار لم تعرفها قبلاً، لكنّ النار لم تكن نار (إيروس)(1)، وما أضنى روحي وعذّبها هو القناعة أنني عاجز عن تحديد معناها الخارق، بأي وسيلة، أو أن أتحكّم بتأججها الغامض. التقينا، وقيّدنا القدر معاً عند المذبح، لم أنبس ببنت شفة عن الحبّ، ولم أُفكّر عاطفياً. نأت وحيدة، وتحاشت الآخرين، ودنت منّي دون غيري، فأسعدتني. أسعدتني سعادة مثيرة للعجب.. سعادة تُشرع الباب للأحلام.‏

                              تمتّعت موريلا بآفاق معرفية واسعة. وكما أرغب في العيش، كانت مواهبها مُطلقة العنان ودون ضوابط عامة ـ وتمتّعت بقوى عقلية هائلة. أدركتُ ذلك وتحوّلتُ تلميذاً لها لدى مناقشتها لفيض من المواضيع. لاحظتُ حالاً، أنّ موريلا، ربما بسبب تربيتها في "بريسبورغ"، التي فردت أمامي عدداً من الكتابات الصوفية، التي تُعتبر عادة من بقايا الأدب الألماني القديم، عميقة الاطلاع. عجزت عن تخيّل أسباب ذلك، لكن تلك كانت دراستها المفضّلة والمستمرّة ـ ومع مرور الزمن غدت دراستي التي يجب أن أعزوها، إلى التأثير البسيط والفعّال في داخلي للعادة والاقتداء.‏

                              أمام ذلك كلّه، إن لم أكن مخطئاً، لم يجد عقلي سوى القليل للعمل. لم تكن تلك قناعاتي، أو أنني نسيت نفسي، لم تكن طريقة تفكيري مطابقة لخيالي، ولم تكن أية إمارة من التأمّل الذي قرأته، قابلة للاكتشاف، ما لم أكن مخطئاً جداً، سواء في تصرّفي أو في تفكيري. أقنعني الإحساس العميق بذلك، واستسلمت داخلياً لذاتي، كما استسلمت بصورة أكبر لإرشادات زوجتي، فولجت جسوراً إلى باطن دراساتها. بعدئذ ـ عندئذ، عندما تأمّلت الصفحات المحظورة أحسست أنّ الروح التي تتقد في داخلي، بينما وضعت موريلا يدها الباردة فوق يدي لتبعث من رماد فلسفة ميتة كلمات خفيضة منفردة تحترق معانيها الغريبة في ذاكرتي. بعد ذلك، ساعة بعد ساعة أقف إلى جوارها متريثاً وأترصّد موسيقى صوتها الساحر ـ حتى تترقرق ألحانها مع الرعب ـ وتتساقط كظلّ على نفسي ـ فأزداد شحوباً وترتعد فرائصي بتلك الألحان السماوية. ذبل الفرح فجأة وتحوّل رعباً، وصار الأجمل هو الأقبح، كما يتحوّل ورق نبات الحنّاء إلى تراب الحنّاء.‏

                              ليس ضرورياً أن أذكر الصفة الدقيقة للبحوث التي وردت في المجلّدات التي ذكرتها، والتي شكّلت لزمن طويل المحادثة الوحيدة تقريباً بين موريلا وبيني: وهذا ما يُطلق عليه المتعلّمون المبدأ الأخلاقي اللاهوتي القابل للفهم حالاً، وما لا يفهمه الأميون كافة في مختلف الظروف.‏

                              إنّ وحدة الوجود الصارمة لفيخته، والرؤية الفيثاغورية المعدّلة، وتعاليم التماثل التي حثّ عليها شيلينغ، هي المواضيع التي تُجسّد الجمال بغالبيته بالنسبة لموريلا الخيالية. ليس مستبعداً اعتبار تلك الهوية.. "ذاتية" وأعتقد أن السير لوك يحدد تطابقها الحقيقي مع الوجود النفسي. وما دمنا أشخاصاً نفهم أن جوهر الذكاء هو العقل، وما دام الوعي يقترن بالتفكير، فإننا أصحاب ذوات أو نفوس ـ وهذا ما يميّزنا عن الكائنات الأخرى التي تفكّر، ويهبنا هويتنا الذاتية. لكنّ مبدأ التشخيص(2)، أو فكرة تلك الهوية التي نفقدها، أو لا نفقدها نهائياً عند الموت، كان بالنسبة لي، وعلى مرّ الزمن، مثار بحث واهتمام مكثّفين، وليس أكثر من الطبيعة الباطنية والطبيعة القائمة بنتائجها، وليس أكثر من سلوكيات معينة ومثيرة سبق وذكرتها موريلا.‏

                              لكنّ الوقت حان الآن لأتلقّى سلوك زوجتي الضاغط كالسحر. لم أعد أحتمل لمسة أصابعها الواهنة، ولا نبرة لغتها الموسيقية، ولا بريق عينيها السوداوين. أدركتْ ذلك كلّه، لكنّها لم تُعرب عن لومها لي، بدت واعية لضعفي أو سخفي، ودعتْ ذلك قدراً، وبدت مدركة أيضاً للسبب الذي أجهله، سبب التحوّل التدريجي في احترامي، لكنّها لم تُظهر تلميحاً أو علامة عن طبيعة ذاتها. كانت امرأة تزداد وهناً يومياً. استقرّت البقعة القرمزية ثابتة طويلاً على وجنتها، وبرزت الأوردة الزرقاء على جبينها الشاحب، وانصهرت طبيعتي لحظة في الشفقة، ولاحظتُ النظرة الخاطفة في عينيها اللتين تحملان المعاني، فمرضت نفسي وراحت تدور دوران من يُحدّق إلى الأدنى في هاوية موحشة عميقة الغور.‏

                              هل أعترف أنني تقتُ، برغبة جامحة ومستنفدة، للحظة موت موريلا؟ تقتُ، لكنّ الروح الضعيفة التصقت بحجرتها الطينية بضعة أيام ـ بضعة أسابيع وشهور مملّة ـ إلى أن استعادت أعصابي المتوتّرة السيطرة على دماغي، فتنامى خوفي أخيراً، ولعنتُ الأيام والساعات، واللحظات المريرة التي بدت كأنّها تطول مع تراجع حياتها اللطيفة ـ مثل الظلال في آخر النهار.‏

                              عندما هدأت الرياح في الجو في أمسية خريفية، نادتني موريلا إلى جوارها. ثمّة ضباب كثيف يغطّي الأرض برمتها، وثمّة بصيص دافئ فوق الماء، وبين أوراق الشجر الكثيفة في الغابة في تشرين الأول، وحيث سقط قوس قزح من قبّة السماء الزرقاء حقاً. ما أن دنوت منها حتى سمعتها تدندن بصوت خفيض يرتعش متقداً وهي ترتّل كلمات ترنيمة كاثوليكية.‏


                              آخر تعديل بواسطة حمادة الشاعري; 30-08-2007, 05:02 PM.

                              تعليق

                              • حمادة الشاعري
                                عضو متميز
                                • Aug 2006
                                • 5861

                                #16
                                الرد: مكتبة القصص العالمية ..


                                الترنيمة‏

                                أيتها الطاهرة مريم! انظري‏

                                إلى أضحية الخاطئ‏

                                الذي يرفع صلاته الحارة وحبّه المتواضع،‏

                                من عرشك المقدّس العالي.‏

                                صباحاً ـ ظهراً ـ وعند الغروب ـ‏

                                يا مريم! وقد سمعتِ ترنيمتي!‏

                                في السرّاء والضرّاء ـ في الخير والشر ـ‏

                                لا تتركيني يا أم الإله!‏

                                عندما تنتهي ساعاتي بسلام،‏

                                وعندما تزول النجوم من السماء،‏

                                حتى لا تواجه نفسي الكسل،‏

                                محبتي أرشدتني إليك،‏

                                وعندما تغلّف سحب القدر،‏

                                حاضري وماضيّ كليهما،‏

                                دعي مستقبلي المضيء يسطع‏

                                بآمال عذبة منك!‏

                                قالت موريلا: إنّه يوم من الأيام، يوم من الأيام كلّها، إمّا للحياة وإمّا للموت. إنّه يوم جميل لأبناء الأرض والحياة ـ لكنّه أجمل لبنات السماء والموت!‏

                                استدرت ناحيتها فتابعت:‏

                                إنني ألفظ أنفاسي الأخيرة، لكنني سأعيش. ومع ذلك.. أنا موريلا زوجتك التي ستدخل القبر دون خوف ـ حدد مكاني ـ ولا تخشَ حتى الديدان. ليت الأيام تنمحي عندما تفقد حبّي ـ لكنّ التي كرهتها في أثناء الحياة ستعبدها بعد الموت.‏

                                موريلا!‏

                                أكرر إنني ألفظ أنفاسي الأخيرة. لكنّ عربوناً في داخلي عن ذلك الحبّ ـ آه ما أصغره! ـ إحساسك ناحيتي يا موريلا! وبعد أن تفارقني روحي سيعيش الطفل ـ طفلنا، طفل موريلا. لكنّ الأيام سيطعبها الحزن ـ الحزن الذي يُشكّل الانطباع الأكثر ديمومة، كما هو السرو أطول الأشجار عمراً. انتهت ساعات سعادتك، وليس بالإمكان جمع الفرح مرتين في الحياة، كورود الباستوم التي تتورد مرتين في العام، لن تعزف على آلة "التيان" في وقت فراغك، لأنّك تجهل الآس والكرمة، ولأنك ستحمل كفنك خلال تجوالك في الأرض، مثل المسلمين في مكّة.‏

                                صرختُ: موريلا! موريلا! كيف عرفتِ هذا؟ ـ لكنّها أدارت وجهها بعيداً فوق الوسادة واعترت أطرافها رعشة خفيفة، وهكذا فارقت الحياة، ولم أعد أسمع صوتها.‏

                                مع ذلك، كما توقّعتْ، طفلتها ـ طفلتها التي ولدتها وهي في حالة النزع الأخير، لم تتنفّس حتى كتمت الأم أنفاسها ـ عاشت طفلتها وترعرعت قوية جسدياً وعقلياً، كانت نسخة مطابقة لأمّها التي رحلت، وأحببتها بحرارة وشدّة أكثر مما توقّعت أنّه ممكن أن أحسّه ناحية أي قاطن للأرض.‏

                                قبل انقضاء فترة طويلة تحول مناخ ذلك الحبّ الطاهر إلى ظلمة، واعترت سحبه معالم الرعب والحزن. قلتُ إنّ الطفلة ترعرعت بصورة غريبة في قوامها وذكائها. كان نموها الجسدي غريباً حقاً ـ لكنّ الخوف الشديد لازمه، فازدحمت في داخلي آراء عنيفة مخيفة وأنا أرقب نموها العقلي. هل يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك وأنا أكتشف يومياً في مفاهيم الطفلة طاقات وقدرات امرأة بالغة؟ ـ عندما تخرج دروس الخبرة من بين شفتي طفلة؟ وأنا ألاحظ الحكمة أو عاطفة الرشد تسطع في عينها المتميّزة والمتأمّلة في كلّ ساعة؟ وأنا أقول إنّ ذلك كلّه تبدّى واضحاً في أحاسيسي التي يتملكها الرعب ـ وأنا عاجز عن إخفائها عن نفسي، وعن سلخها عن الإدراكات الحسيّة التي ترتعش حيال تلقيها ـ فهل يجب أن نستغرب تلك الشكوك ذات الطبيعة المخيفة والمثيرة التي تتنامى داخل روحي، أم أنّ أفكاري ارتدت مذعورة إلى الحكايات الوحشية والنظريات المثيرة المتعلّقة بموريلا المدفونة؟ اختطفت من إنعام النظر ملياً إلى العالم كائناً أرغمني مصيره على حبّه كثيراً، وفي عزلتي المريرة داخل بيتي الذي توارثته عن أسلافي راقبت بقلق مزعج كلّ ما يهمّ ابنتي.‏

                                حدّقتُ ملياً ويومياً في وجه ابنتي البليغ السمح الطاهر طوال سنين، وتأمَّلت شكلها الناضج فاكتشفت معالم جديدة متطابقة بين الطفلة وأُمّها. وتنامت قتامة الظلال في كلّ ساعة، وتبدّى التشابه أكثر تطابقاً وتميزاً، وأكثر إرباكاً ورعباً بالنسبة لي في مظهره. كانت ابتسامتها مثل ابتسامة أمّها، وهذا ما تحمّلته، لكنني ارتعدت من جرّاء هويتها التامة ـ كانت عيناها كعيني موريلا، وكان هذا محمولاً، لكنّ العينين حدقتا ملياً إلى أعماق نفسي، حاملتين معاني موريلا الحادة والمذهلة. وفي محيط الجبين العالي، وجعدات الشعر الناعم، والأصابع الشاحبة التي دفنت ذاتها في الشعر، ونغمات حديثها الموسيقية، وفوق ذلك ـ وفوق ذلك كلّه ـ في تعبيرات الميتة وإيماءاتها على شفاه الحبيبة الحية، وجدتُ غذاء للاستهلاك عبر الأفكار والرعب ـ بالنسبة لدودة لن تموت.‏

                                وهكذا انقضت عشر سنوات من عمرها.. وبقيت ابنتي من دون اسم على الأرض. كنت أناديها.. طفلتي.. حبيبتي.. اللقبين اللذين يطلقهما الأب عادة حالاً مفعمين بالحبّ الأبوي، لكن عزلة أيامها الصارمة حالت دون التواصلات الأخرى كلّها. مات اسم موريلا عند وفاتها. لم أُحدّث البنت عن أمّها نهائياً ـ كان الكلام مستحيلاً. لم تحصل الطفلة خلال فترة وجودها القصيرة على أي انطباع عن العالم الخارجي إلاّ ما كان بالإمكان أن تتحمّله بالحدود الدنيا في عزلتها. مع الزمن.. مثّلت مراسم معموديتها، في حالتها المتقدة الهادئة، تحرراً ذهنياً فورياً من مخاوفي المستقبلية. ولدى تنفيذ المراسم تروّيت قبل إطلاق الاسم. احتشدت بين شفتي عناوين متعددة وألقاب تجمع بين الحكمة والجمال، تنتمي إلى الزمن الغابر والمعاصر، ومن بلدي ومن بلدان أخرى ـ وأسماء متعددة جداً تحمل معاني الدماثة والسعادة والخير. ما الذي حضّني وأزعج ذكرى الميتة المدفونة؟ أي شيطان حرّضني على إطلاق ذاك الصوت، الصوت الذي مال عند استرجاعه لتحقيق انسياب الدم الأرجواني وسقوطه في عملية مدّ، من الصدغ إلى القلب؟ وأي عفريت نطق في أغوار نفسي، فصرخت في ردهات الكنيسة، وفي سكون الليل، صرخت في أذن الرجل الطاهر الكلمة ـ موريلا؟ وهل يستطيع غير شيطان أن يزلزل ملامح طفلتي ويفردها مقترنة بمظاهر الموت.. وما أن انطلق ذلك الصوت النادر حتى رفعتْ ناظريها خلف النظارة عالياً، وخرّت ساجدة فوق الألواح السوداء في سردابها السفلي ـ وقالت: ها أنذا!‏

                                تعليق

                                • حمادة الشاعري
                                  عضو متميز
                                  • Aug 2006
                                  • 5861

                                  #17
                                  الرد: مكتبة القصص العالمية ..

                                  واضحة ببرودة وسكون، كنا قوس الموت ـ رهيب هو الموت وفظيع، وغرقت الأصوات الأبدية في نفسي. انقضت سنوات ـ سنوات عديدة، لكنّ ذكرى تلك الفترة لم تفارقني! عجزت عن نسيان الزهور والكرمة ـ ظللتني أشجار الشوكران والسرو ليلاً نهاراً.‏

                                  نسيت الزمان والمكان، وذبلت نجوم قدري في السماء، وتنامت ظلمة روحي، وعبرتني أشكال الأرض كظلال سريعة، فرأيت موريلا وسط ذاك الركام كلّه. هبّت رياح السماء لكنّ صوتاً واحداً استمرّ يرنّ في أذني، ودمدمت أمواج البحر دوماً ـ موريلا. لكنّها ماتت، وحملتها بيدي إلى المقبرة، وضحكت طويلاً ذات مرة عندما لم أجد أثراً للأولى في المقبرة حيث مددت موريلا الثانية.‏

                                  (1) إله الحب عند الإغريق...(م.)‏

                                  (2) مبدأ التفرّد بشخصية لها استقلاليتها وذاتيتها. (م.)‏



                                  تعليق

                                  • حمادة الشاعري
                                    عضو متميز
                                    • Aug 2006
                                    • 5861

                                    #18
                                    الرد: مكتبة القصص العالمية ..

                                    الرئعة العالمية .. الخيميائي ..لـ باولو كويليو


                                    تمهيـد ))


                                    تناول الخيميائي بيده كتاباً، كان قد أحضره أحد أفراد القافلة، لم يكن للكتاب غلاف، ولكنه استطاع على الرغم من ذلك التعرف على اسم الكاتب " أوسكار وايلد " وهو يقلب صفحاته، وقع نظره على قصة كانت تتحدث عن " نرجس " … لاشك أن الخيميائي يعرف أسطورة " نرجس " هذا الشاب الوسيم الذي يذهب كل يوم ليتأمل بهاءه المتميز على صفحة ماء البحيرة.
                                    كان متباهياً للغاية بصورته، لدرجة أنه سقط ذات يوم في البحيرة، وغرق فيها، في المكان الذي سقط فيه، نبتت وردة سميت باسمه: "وردة النرجس".
                                    لكن الكاتب " أوسكار " لم ينه روايته بهذا الشكل، بل قال أنه عند موت نرجس، جاءت الإريادات (آلهة الغابة) إلى ضفة البحيرة العذبة المياه، فوجدتها قد تحولت إلى زير من الدموع المرة، فسألتها:
                                    - لماذا تبكين؟
                                    - أبكي نرجساً . اجابت البحيرة.
                                    فعلقت الإريادات قائلة:
                                    - ليس في هذا مايدهشنا، وعلى الرغم من أننا كنا دوماً في إثره في الغابة، فقد كنت الوحيدة التي تمكنت من تأمل حسنه عن كثب.
                                    - كان نرجس جميلاً إذاً ؟
                                    مكثت البحيرة صامتةً للحظات ثم قالت:
                                    - أنا أبكي نرجساً لكنني لم ألحظ من قط أنه كان جميلاً، إنما أبكيه لأنه في كل مرة انحنى فيها على ضفافي كنت أتمكن من أن أرى في عينيه انعكاساً لحسني.
                                    - إنها لقصة جميلة جداً. قال الخيميائي.




                                    تعليق

                                    • حمادة الشاعري
                                      عضو متميز
                                      • Aug 2006
                                      • 5861

                                      #19
                                      الرد: مكتبة القصص العالمية ..

                                      الجزء الأول ::


                                      كان يُدعى سنتياغو.
                                      كان النهار يتلاشى عندما وصل بقطيعه أمام كنيسة قديمه مهجورة، سقفها قد انهار منذ زمن بعيد. وفي الموضع الذي كان يوجد فيه الموهف نمت شجرة جميز عملاقة.
                                      قرر أن يقضي الليل في هذا المكان، أدخل نعاجه من الباب المحطم، ووضع بضع ألواح بطريقه بمنعها بها من الفرار أثناء الليل. لم يكن هناك ذئاب في تلك المنطقة، فذات مرة هربت دابة فكلفه ذلك إضاعة نهار بكامله في البحث عن النعجة الفارة.
                                      مد معطفه على الأرض وتمدد، وجعل من كتابه الذي فرغ من قراءته وسادة.
                                      قبل أن يغرف في النوم أكثر فكر بأن عليه قراءة كتب أكبر، وسيكرس لإنهائها وقتاً أكبر، وسوف يكون له منها وسادات أكثر راحة من أجل الليل.
                                      عندما أفاق، كانت العتمة لاتزال قائمة، نظر إلى الأعلى فرأى النجوم تلمع، من خلال السقف الذي انهار نصفه.
                                      فقال في نفسه:
                                      - كنت أتمنى فعلاً لو نمت لوقتٍ أطول.
                                      فقد رأي حلماً، إنه حلم الأسبوع الفائت، ومن جديد أفاق قبل نهايته. نهض وشرب جرعة من الخمر، ثم تناول عصاه، وأخذ بإيقاظ نعاجه التي كانت ماتزال راقدة، وقد لاحظ أن معظم البهائم تستعيد وعيها وتتخلص بسرعة من نعاسها ولمّا يسعد وعيه هو، وكأنما هناك قدرة غريبة قد ربطت حياته بحياة تلك الأغنام، والتي تطوف معه البلاد منذ عامين سعياً وراء الماء والكلأ.
                                      - قد تعودت على فعلاً لدرجة أنها صارت تعرف مواقيتي ـ قال في نفسه بصوت منخفض، وبعد لحظة من التفكير تراءى له أن العكس هو الصحيح، إذ أنه هو الذي قد اعتار عليها وعلى مواقيتها.
                                      كانت بعض النعاج تماطل بالاستيقاظ، فكان يوقظها واحدة إثر أخرى بعصاه، منادياً كل نعجة منها باسمها، فقد كان مقتنعاً دائماً بمقدرة النعاج على فهم مايقول، وكان يقرأ لها مقاطع من بعض الكتب، أو يتحدث إليها عن عزلة أو سرور راع، بحياته في الريف، ويفسر لها آخر المستجدات التي قد رآها في المدن التي اعتاد أن يمر بها.
                                      مع ذلك منذ قبل يوم أمس، لم يكن لديه عملياً، موضوع محادثة آخر سوى تلك الشابة التي تسكن في المدينة التي سيصل إليها بعد أربعة أيام، لم يكن قد زارها إلا لمرة واحدة في العام الفائت.
                                      كان التاجر يملك متجراً للقماش، وكان يحبذ أن يجز صوف أغنامه على مرأى منه، كي يتحاشى الوقوع ضحية للغش، لقد قاد الراعي قطيعه إليه لأن أحد أصدقائه قد دلّه على المتجر.

                                      × × ×

                                      - أنا بحاجة لأن أبيع قليلاً من الصوف ـ قال للتاجر.
                                      كان المتجر يغص بالزبائن، لذا فقد طلب التاجر من الراعي الانتظار حتى المساء، فذهب ليجلس على رصيف المتجر وأخرج من حقيبته كتاباً.
                                      - لم أكن أعلم أن بإمكان الرعاة قراءة الكتب.
                                      قال صوت امرأة كانت بجانبه، كانت هذه الشابة تمثل نموذجاً لنساء منطقة الأندلس بشعرها الأسود المسدول، وعينيها اللتين تذكران توعاً ما بالفاتحين العرب القدماء.
                                      - ذلك لأن النعاج تعلم أشياء أكثر مما هو في الكتب ـ أجاب الراعي الشاب.
                                      بقيا يثرثران أكثر من ساعتين، هي أخبرته بأنها ابنة التاجر، وتحدثت عن الحياة في القرية، وعن رتابة الأيام فيها، والراعي حدثها عن الأندلس، وعن آخر المستجدات التي رآها في المدن التي مرّ فيها.
                                      كان سعيداً لأنه لم يكن مجبراً على التحدث مع أغنامه دائماً.
                                      - كيف تعلمت القراءة؟ سألت الشابة لتوها.
                                      - كسائر الناس، في المدرسة.
                                      - لكن، وربما أنك تعرف القراءة، لماذا لم تصبح إلا مجرد راعٍ؟
                                      وارب الراعي كي لايرد على هذا السؤال، لأنه كان متأكداً من أن الفتاة لن تفهمه.
                                      تابع رواية سير ترحاله، وعيناها العربيتان الصغيرتان تحملقان قم تنغلقان بفعل الانذهال والمفاجأة.
                                      كان يشعل أن الوقت يمر سريعاً، وتمنى لهذا اليوم ألا ينتهي، ولوالد الفتاة أن يبقى مشغولاً لزمن أطول، وأن يطلب منه الانتظار ثلاثة أيام.
                                      وانتابه إحساس لم يكن قد ألم به من قبل أبداً: إنه الرغبة في الاستقرار في مدينة بالذات مع الشابة ذات الشعر الأسود، فلن تكون الأيام رتيبة متشابهة، لكن التاجر، ظهر أخيرا، فطلب منه أن يجز له صوف أربع نعاج، دفع إليه التاجر ثمن الصوف ودعاه إلى المجيء في السنة القادمة.
                                      حتى الآن لم يكن يعوزه إلا أربعة أيام، من أجل الوصول إلى تلك البلدة نفسها، كان مبتهجاً وبالوقت نفسه مرتاباً من أن تكون الفتاة قد نسيته، فالرعاة الذين يمرون من هنا لجز صوف أغنامهم ليسوا قلائل.
                                      - غير مهم ـ قال متحدثاً إلى أغنامه _ فأنا أيضاً أعرف فتيات أخريات، في مدن أخرى.
                                      لكنه كان في قرارة نفسه يعترف أن لقاءه بها له أهميته، وأن الرعاة كالبحارة أو التجار المتجولين، يعلمون دائماً أن مدينة يوجد فيها من يجعلهم ينسون متعة التجوال في العالم بملئ حريتهم.

                                      بينما أخذت تبدو خيوط الشمس الأولى، بدأ الراعي يتقدم بأغنامه باتجاه الشمس المشرقة.
                                      - إنها تتبعني، فهي ليست بحاجة على الإطلاق إلى اتخاذ قرار – فكر- ربما لهذا السبب فإنها تبقى بقربي، وبقدر ماسيبقى راعيها عارفاً بأفضل المراعي الأندلسية بقدر ماستبقى تلك الأغنام صديقاته، فحتى لو تشابهت الأيام بعضها ببعضها الآخر، مكونة ساعات ممتدة بين طلوع الشمس وغروبها، حتى لو أن تلك النعاج لم تقرأ قط أي كتاب خلال حياتها القصيرة، حتى لو جهلت لغة البشر الذين يررون ماكان يحصل في القرى، فهي تكتفي بالماء والكلأ، وهذا بالمحصلة كافٍ. وفي المقابل فهي تمنح صوفها، وصحبتها بسخاء، ومن وقت لآخر لحمها أيضاً، ولو أنني بين لحظة وأخرى قد تحولت إلى غول وأخذت بذبحها وحدة إثر الأخرى. فإنها لن تستوعب مايحصل، إلا عندما يوشك القطيع على الهلاك، وذلك لأنها تثق بي، ولم تعد تعتمد على غرائزها، وهذا كله لأنني أنا الذي أسوقها إلى المراعي.
                                      أخذ الراعي يفاجأ بأفكاره، وصار يجدها غريبة.
                                      ربما بدت الكنيسة، مع شجرة الجميز المنتصبة في الداخل مسكونة بالأرواح. هل كان هذا هو السبب الذي جعل هذا الحلم يعاوده أيضاً، وهل لهذا يعاني من شعور الغضب تجاه نعاجه، صديقاته المخلصات دوماً؟
                                      شرب قليلاً من الخمر الذي تبقى لديه من عشاء ليلة الأمس، وشد معطفه على جسده، فهو يعلم أن الشمس ستكون في أوجها بعد بضع ساعات، وسيصبح الطقس حاراً جداً، لدرجة لن يستطيع معها اصطحاب قطيعه عبر الريف.
                                      في تلك الساعة من الصيف، كانت إسبانية كلها غافية، الحرارة مرتفعة حتى في الليل، وخلال ذلك الوقت كله يتوجب عليه أن يحمل معطفه معه.
                                      وكلّما كانت تتملكه الرغبة في الشكوى من هذا العبء تحديداً، كان يتذكر أنه بفضله يجابه برودة الصباح الباكر.
                                      - علينا أن نكون مستعدين دائماً لمفاجآت الطقس ـ تخيل عندئذٍ وتقبّل بامتنان ثقل معطفه الذي كان هناك مبرر لوجوده كمثل الشاب، فبعد سنين من تطواف سهول الأندلس، صار يعرف عن ظهر قلب، أسماء مدن المنطقة كلها، وكان هذا ما أعطى لحياته معنى، إنه الترحال ...





                                      تعليق

                                      • حمادة الشاعري
                                        عضو متميز
                                        • Aug 2006
                                        • 5861

                                        #20
                                        الرد: مكتبة القصص العالمية ..


                                        الجزء الثاني::


                                        كان ينوي هذه المرة أن يشرح للفتاة الشابة، لماذا يعرف راع بسيط القراءة؟ فقد كان يتردد حتى سن السادس عشرة عاماً على المدرسة الأكليريكية، وأهله أرادوا له أن يصبح قسيساً، تتشرف به عائلة متواضعة، من وسط فلاحي، تكد من أجل لقمتها وهي بذلك كأغنامه.
                                        درس اللاتينية والإسبانية واللاهوت، لكنه منذ طفولته المبكرة كان يحلم بمعرفة العالم، ويكسب معرفة أفضل من مجرد معرفة الذات الإلهية أو آثام البشر.
                                        ذات مساءٍ جميل، وهو ذاهب لرؤية ذويه، تسلّح بالشجاعة وأخبر والده بأنه لايريد أن يكون راهباً بل يريد السفر.
                                        - ياولدي، رجال من العالم بأسره قد أتوا إلى هنا، ومرّوا آنفاً بهذه القرية، إنهم يأتون إلى هنا ليبحثوا عن أشياء جديدة، لكنهم يبقون الرجال أنفسهم، يذهبون إلى الهضبة لزيارة القصر ويجدون أن الماضي أفضل من الحاضر، أكانوا ذوي شعر فاتح، أو ذوي بشرة غامقة، فهم يشبهون رجال قريتنا.
                                        قال الشاب:
                                        - لكنني لا أعرف قصور البلاد التي قدم منها هؤلاء الرجال.
                                        تابع الأب:
                                        - عندما رأى هؤلاء الرجال حقولنا ونساءنا حبذوا العيش هنا إلى الأبد.
                                        قال الإبن:
                                        - أريد أن أتعرّف على نساء وحقول وأراضي البلاد التي قدم منها هؤلاء الرجال، إنهم لا يديمون البقاء بيننا.
                                        قال الأب:
                                        - لكن هؤلاء الرجال يملكون المال الوفير، أما عندنا فالرعاة وحدهم من يستطيع رؤية مختلف البلدان.
                                        - إذاً سأصبح راعياً.
                                        لم يضف الأب شيئاً بعد، وفي صباح اليوم التالي أعطى لولده كيس نقود يحتوي على ثلاث قطع ذهبية إسبانية قديمة.
                                        - ذات يوم، وجدتها في أحد الحقول، وكنت أفكر أنها حق للكنيسة بمناسبة ترقيتك فيها، لكن خذها واشتر لنفسك بها قطيعاً، واذهب عبر العالم، إلى أن يأتي اليوم الذي تعلم فيه أن قصرنا هو الأعظم، ونساءنا هن أجمل النساء، ومنحه بركته.

                                        قرأ الولد في عيني والده الرغبة في تطواف العالم أيضاً، رغبة كانت تحيا معه رغم عشرات السنين التي حاول أن يمضيها مقيماً في المكان نفسه يأكل ويشرب ويغفو فيه كل ليلة.

                                        × × ×

                                        تلوّن الأفق باللون الأحمر، ثم بدت الشمس.
                                        تذكر الشاب المحادثة التي دارت بينه وبين أبيه، فأحس بالسعادة، كان قد عرف من قبل كثيراً من القصور، وكثيراً من النساء، لكن أياً منهن لا تعادل تلك التي ينتظرها بعد مسيرة يومين من الآن، كان يمتلك معطفاً، وكتاباً وبإمكانه أن يبادله مقابل آخر، وقطيعاً من الغنم، والأكثر أهمية من هذا كله أنه كل يوم يتحقق حلم حياته الكبير: الترحال ...
                                        وعندما سيتعب من التجوال في ريف الأندلس، فإنه سيستطيع بيع أغنامه ليصبح بحاراً، وعندما سيمل البحر، فإنه سيكون قد تعرّف على مدن كثيرة، ونساء كثيرات، وفرص عديدة ليظل سعيداً.
                                        ثم تساءل وهو يشاهد بزوغ الشمس:
                                        - كيف يمكن للمرء أن يبحث عن الإله في مدرسة إكليريكية؟.
                                        لم يكن قد جاء إطلاقاً حتى هذه الكنيسة، مع أنه مرّ من هنا مرات عديدة.
                                        العالم كبير، لامتناهٍ، ولو ترك أغنامه تقوده، ولو لبعض الوقت، لوصل إلى اكتشاف أشياء جديدة ومفعمة بالفائدة.
                                        - المشكلة هي انها لا تعي أنها تعبر دروباً جديدة كل يوم، ولا تلاحظ أن المراعي تغيرت، وأن الفصول متباينة، لأنها لا تملك من هاجس سوى الماء والكلأ.
                                        - إن الشيء نفسه يجري لكل الناس ـ فكر الراعي ـ حتى بالنسبة لي أنا الذي لم أفكر بنساء أخريات منذ التقيت ابنة ذلك التاجر.
                                        نظر إلى السماء، وقدّر أنه سيكون ـ تبعاً لحساباته ـ في " طريفه " قبل وقت الغداء، هناك ... سيستطيع مبادلة كتابه بآخر أكبر حجماً، وتعبئة زجاجته بما يحتاجه، وأن يحلق ذقنه، ويقص ضعره، عليه أن يكون على أتم استعداد للقاء الفتاة الشابة، ولم يكن يريد حتى أن يتصور احتمال امكانية وصول راعٍ آخر قبله، يملك من الغنم أكثر منه، قاصداً طلب يدها.
                                        - إنها تماماً إمكانية تحقيق حلم يجعل الحياة ذات أهمية ـ تخيل رافعاً نظره نحو السماء وهو يسرع في خطواته.
                                        لقد تذكر لتوه أن هناك في " طريفه " امرأة عجوز تعرف تفسير الأحلام، في هذه الليلة حلم بالحلم الذي كان يراوده ... الحلم القديم نفسه ..

                                        × × ×

                                        قادت المرأة العجوز الشاب إلى داخل المنزل، إلى غرفة يفصلها عن الصالة ستار من البلاستيك متعدد الألوان، كانت هناك طاولة، وصورة للأب المقدس السيد المسيح، وكرسيان.
                                        جسلت العجوز، ورجته أن يفعل مثلها، ثم أمسكت بيديه وأخذت بالدعاء بصوت منخفضٍ جداً، كان هذا أشبه مايكون بصلاة غجرية، لقد التقى كثيراً من الغجر في دربه من قبل، فقد كانوا يسافرون أيضاً، لكنهم لم يكونون يهتمون بالغنم، بل ان الشائع بين الناس هو أن الغجري يقضي وقته في خداع الناس، ويقال أيضاً أن هناك عهداً بينهم وبين الشيطان، وأنهم يسرقون الأطفال، ليجعلوا منهم عبيداً لهم في مخيماتهم الغامضة.
                                        عندما كان الراعي الشاب طفلاً صغيراً كان كثير التخوف وتراوده فكرة أن يختطفه العجر، وعاوده هذا الخوف القديم عندما كانت العجوز تمسك بيديه.

                                        - أمرٌ مثير ! قالت العجوز دون أن تفارق عيناها يد الولد.
                                        وابتسمت من جديد، أما هو فقد كان يشعر من وقت إلى آخر بثورة أعصابه، يداه أخذتا ترتجفان رغماً عنه، ولاحظت العجوز ذلك، صمم أن يسحبها على الفوز ثم قال:
                                        - أنا لم آتِ إلى هنا من اجل قراءة خطوط يدي.
                                        وهو الآن يتأسف دخوله هذه الدار وحسب أنه سيكون من الأفضل أن يدفع قيمة الاستشارة وينصرف دون أن يعرف شيئاً، فقد علق دون شك أهمية كبرى على حلم تكرر.
                                        قالت العجوز:
                                        - أتيت تسألني على الأحلام، والأحلام هي لغةمعقده,وعندما يحلم البشر فأنا أستطيع تفسيرها.
                                        - حيلة أخرى ـ فكر الشاب، وعلى الرغم من كل شيء فإن الراعي قد قرر المجازفة. إنه يتعرض دائماً لخطر الذئاب، أو لخطر الجفاف، وهذا تماماً ما يجعل من مهنته مهنة هامة ومثيرة.
                                        قال الشاب:
                                        - حلمت بالحلم نفسه مرتين على التوالي. كنت متواجداً مع أغنامي على أرض أحد المراعي، حينما ظهر طفل وأخذ يلعب مع البهائم، وأنا لا أحبذ كثيراً أن يأتي أحد ليلهو مع نعاجي، فهي تخاف من رؤية أشخاص لا تعرفهم، لكن الأطفال ينجحون دائماً في اللهو معها دون أن يسببوا لها الخوف، إنني أجعل لماذا، ولا أعرف كيف تستطيع الحيوانات معرفة أعمار الكائنات البشرية.
                                        - ارجع إلى حلمك ـ قالت العجوز ـ فلدي قدر على النار، بالاضافة إلى أنك لاتملك الكثير من المال وتأخذ وقتي كله.
                                        - تابع الطفل اللعب مع النعاج لفترة ـ أردف الراعي مرتبكاً قليلاً ـ وفجأة أخذ بيدي وقادني حتى أهرامات مصر.
                                        عدل الشاب عن الكلام لحظة، ليرى إن كانت العجوز تعرف ماتكون أهرامات مصر، لكنها بقيت خرساء، ثم تابع:
                                        - عندئذٍ أمام أهرامات مصر، (لفظ هذه الكلمى بمنتهى الدقة، لتستطيع العجوز فهمها جيداً)، كان الطفل يقول لي: " إن تأتِ حتى هنا، فستجد كنزاً مخبأ " . وفي اللحظة التي كان يكاد أن يريني فيها المكان المحدد كنت استيقظ في المرتين.
                                        مكثت العجوز صامتة للحظات، ثم عادت وأمسكت بيدي الشاب اللتين تفحصتهما بانتباه.
                                        - لن أدعك تدفع الآن أي شيء، لكنني أريد عشر الكنز إن وجدته.
                                        أخذ الشاب يضحك، إنها ضحكة انشراح ورضا، فهكذا سيدخر القليل من المال الذي يملكه بفضل حلم صار عبارة عن مسألة كنز مخبأ ! لابد أن تكون المرأة الطيبة العجوز غجرية، فالغجر أغبياء.

                                        تعليق

                                        مواضيع مرتبطة

                                        Collapse

                                        جاري العمل...