الرد: مكتبة القصص العالمية ..
***
اقتيد المسافران حتى المعسكر الحربي الذي كان في الجوار، ودفع أحد المحاربين الخيميائي وصاحبه داخل خيمة مختلفة تماماً عن خيام الواحة التي عرفاها، كان هناك قائد حربي محاط بأركانه.
- إنهما الجاسوسان ـ قال أحد الرجال.
-
نحن لسنا الا مسافرين اجاب الخيميائي
.
- لقد رأيناكما في المعسكر المعادي منذ ثلاثة أيام، وقد تكلّمتما مع أحد المقاتلين.
- أنا رجل أسير في الصحراء، ولي خبرة بالنجوم ـ قال الخيميائي ـ وليس لدي أية معلومة عن الجيوش، أو عن تحرّكات القبائل، كنت أرشد صاحبي إلى هنا فقط.
- من هو صديقك؟ سأل الشيخ.
-
انه خيميائي قال الخيميائي
ـ إنه يعرف قدرات الطبيعة، ويرغب أن يطلع القائد على قدراته الخارقة.
كان الشاب يصغي وهو خائف.
- ماذا يفعل غريب في أرضٍ غريبة؟ سأل وحد من الرجال.
- لقد حملت مالاً لأقدّمه لعشيرتكم ـ
تدخل الخيميائي
قبل أن ينطق الشاب بأية كلمة، ثم أخذ كيس المال من الشاب، وأعطى القطع الذهبية لكبير القوم الذي تناولها دون أن يقول شيئاً، ففيها مايكفي لشراء كمٍّ كبير من الأسلحة.
-
من هو الخيميائي سال العربي اخيرا
.
- إنه رجل يعرف الطبيعة والكون، ولو أراد لاستطاع تهديم هذا المخيّم مستعملاً في ذلك قوّة الريح فقط.
ضحك الرجال، فقد كانوا قد تمرّسوا على قسوة الحرب، وكانوا يعلمون أن الريح لا تستطيع أن توجه ضربة قاضية. ومع ذلك شعر كل واحد منهم بقلبه ينقيض في صدره، فهم من رجال الصحراء ويخافون من السحرة.
- بودي أن أرى شيئاً من هذا ـ قال الزعيم.
-
يلزمنا لذلك ثلاثة ايام- اجاب الخيميائي
ـ وهذا ليس إلا ليطلعكم على قدراته الخاصة، فإن لم ينجح، نقدّم لكم بكل تواضع حياتنا إكراماً لشرف العشيرة.
- لاتستطيع أن تهدي إليّ ماهو ملكي مسبقاً ـ أعلن الشيخ بتعجرف، لكنه منح مهلة ثلاثة أيام للمسافرين.
كان الشاب الذعور عاجزاً عن القيام بأية حركة، فانبغى على الخيميائي سحبه من ذراعه كي يساعده على الخروج من الخيمة.
- لاتظهر لهم أنك خائف، فهم رجالٌ بواسل ويحتقرون الجبناء.
كان الفتى كالمبكوم، ولم يستعد صوته إلا بعد فترة من الزمن بينما كانا يمشيان وسط المخيّم. لم يكن هناك داع لسجنهما، فالأعربا بكل بساطة قد اكتفوا بانتزاع حصانيهما، وهاهي مرة أخرى يفصح فيها العالم عن لغات لاتحصى: فالصحراء التي كانت حتى الآن فضاءً رحباً، لاحدود له، قد تحوّلت إلى سور يتعذّر عبوره.
- لقد أعطيتهم كنزي كله ـ قال الشاب ـ كل ماستطعت أن أجنيه خلال حياتي كلها !
- وبماذا يفيدك المال إن كنت ستموت؟ مالك أنقذك من الموت لثلائة أيام، وليس غالباً أن يفيد المال في تأخير الأجل.
أما الشاب فقد كان مذعوراً جداً كي يستطيع سماع كلام الحكمة، فهو لايعرف كيف ينقلب إلى ريح، فهو لم يكن خيميائياً.
طلب الخيميائي الشاي من أحد المحاربين، وسكب بعضاً منه على رسغي الشاب، فانتشرب موجة من السكون في أعماقه، بينما كان الخيميائي يلفظ بعض الكلمات التي لم يوفّق الفتى بفهمها.
لاتستسلم لليأس ـ
قال الخيميائي بصوت عذب للغاية
ـ فإن هذا يمنعك من التحادث مع قلبك.
- لكنني لا أعرف أن أحوّل نفسي إلى ريح.
من يعيش اسطورته الشخصية
يعرف كل ماهو بحاجة لمعرفته، وليس هناك إلا شيء واحد يمكن أن يجعل الحلم مستحيلاً: إنه الخوف من الإخفاق.
- أنا لستُ خائفاً من الإخفاق، وكل مافي الأمر أنني لا أعرف أن أتحوّل إلى ريخ.
- حسنٌ، عليك أن تتعلّم ! حياتك معلّقة بذلك.
- وإن لم أتوصل إلى ذلك.
-
ستموت فداء لنضالك في سبيل اسطورتك الشخصية
وهذه ميتى أثمن بكثير من ميتة هؤلاء الذين قضوا دون أن يعلموا شيئاً
من وجود اسطورة شخصية
لكن لا تقلق، بشكل عام، فإن الموت يدفع الإنسان لأن يكون أكثر تيقّظاً للحياة.
***
مضى اليوم الأول، وجرت خلاله معركة حامية في الجوار، ونُقل إلى المعكسر عدد كبير من الجرحى.
-
لا شئ يتغير بالموت
ـ فكّر الشاب ، فالمقاتلون الذين ماتوا، سيستعاض عنهم بآخرين والحياة تستمر.
- كان من الممكن لك أن تموت فيما بعد يا صديقي ـ قال أحدهم مخاطباً جثة أحد رفاقة ـ كان من الممكن أن تموت حين حلول السلام، فهي ميتة واحدة، ومهما يكن من أمر فإنك ستموت في النهاية.
عند المساء ذهب الشاب يلتقي الخيميائي الذي كان يصطحب الصقر معه في الصحراء وكرّر:
-
لا اعرف كيف اتحول الى ريح
.
- تذكّر ماقلته لك: " العالم ليس إلا الجزء المرئي من الله، والخيمياء هي نقل للكمال الروحي إلى العالم المادي " .
- ماذا تفعل؟
- أطعم صقري.
- إن لم أنجح في التحوّل إلى ريح، ستموت، فما الحاجة إلى إطعام الصقر؟
-
انت ستموت – اجاب الخيميائي – اما انا
أنا أعرف كيف أتحوّل إلى ريح.
في اليوم الثاني تسلّق الشاب ذروة صخرة تقع على مقربة من المعسكر، وقد تركه الخفراء يمر، كانوا يتحدّثون عن ساحر يتحوّل إلى ريح، ولم يكونوا يودون الاقتراب منه، بالاضافة إلى ذلك فإن الصحراء كانت تشكّل سوراً يتعذّر عبوره.
قضى بقيّة ظهيرة اليوم الثاني في تأمّل الصحراء، أصغى إلى قلبه، وأصغت الصحراء إلى الخوف الذي يتملّكه.
كلاهما كان يتكلم اللغه نفسها
***
في اليوم الثالث جمع الزعيم أعوانه الرئيسيين.
- هيا بنا نرَ ذلك الولد الذي يتحوّل إلى ريح ـ قال للخيميائي.
- هيا بنا ـ أجاب الخيميائي.
قادهم الشاب إلى المكان الذي كان قد جاء إليه يوم أمس، ثم طلب من الجميع أن يجلسوا.
- إن هذا سيتطلّب قليلاً من الوقت ـ قال الخيميائي.
- لسنا مستعجلين ـ أجاب الزعيم ـ فنحن من رجال الصحراء.
أخذ الشاب يتأمل الأفق قبالته، جبال كانت تبدو من بعيد، كثبان رميلة، صخور، ونباتات زاحفة تتشبّث بالحياة، هناك حيث البقاء شبه مستحيل. وحيث كانت تجثم الصحراء التي جابها طيلة شهور وشهور، ولم يكن يعرف منها على الرغم من ذلك إلا جزءاً يسيراً. في ذلك الجزء كان قد التقى إنكليزياً، وقوافل، ونزاعات بين العشائر، وواحة ذات خمسين ألف شجرة نخيل، وثلاثمائة بئراً.
- ماذا تريد مني اليوم ـ سألت الصحراء ـ ألم نتأمّل بعضنا بعضاً كفاية يوم البارحة؟
- أنتِ تحتفظين في مكانٍ ما بتلك التي أحبها، وعندما أتأمل مساحتك الرملية الشاسعة فأنا أتأملها هي أيضاً، أريد الرجوع إليها، وأحتاج إلى مساعدتك كي أتحوّل إلى ريح
- ماهو الحب؟ سألت الصحراء.
- الحب هو عندما يحلّث الصقر فوق رمالك، لأنك بالنسبة له ريف أخضر، لم يعد منه قط دون فريسة، وهو يعرف صخورك، كثبانك، جبالك، وأنتِ كريمة معه.
قالت الصحراء:
- إن منقار الصقر ينتزع مني قطعاً، هذه الفريسة قد غذّيتها طيلة أعوام، رويتها بالقليل من الماء الذي أملكه، وأرشدها إلى المكان الذي تجد فيه قوّتها، ويوم كبرت وأوشكت أشعر بها تحبو على رمالي، هاهو الصقر ينتفض من السماء ليختطف ما كنتُ جعلته ينمو ويكبر.
- ماكنت فعلته لهذه الطريه من إطعام ورعاية كان لهذه الغاية بالذات ـ أجاب الشاب ، لتطعم الصقر، والصقر سيطعم الإنسان، والإنسان سيطعم رمالك يوماً ما، ومنها ستولد الطريدة من جديد، وهكذا يسير العالم.
- هل هذا هو الحب؟
- هو ذا نعم، هو من يجعل الفريسة تتحوّل إلى صقر، والصقر إلى إنسان، والإنسان إلى تراب، هو من جعل الرصاص يتحوّل إلى ذهب، ويجعل الذهب يعود ليختبئ في بطن الأرض.
- لم أفهم كلامك ـ قالت الصحراء.
- إذن افهمي على الأقل، أن في بقعة ما وسط رمالك هناك امرأة تنتظرني، ولكي أستجيب إلى انتظارها عليَّ أن أتحوّل إلى ريح.
-
اقدم لك رمالي كي تستطيع الريح ان تهب, لكن بمفردي لا استطيع شيئا , اطلب مساعدة الريح
.
نسمة خفيفة أخذت تهب، وزعماء الحرب كانوا يرقبون من بعيد الشاب الذي كان يتكلّم لغة مجهولة بالنسبة لهم.
الخيميائي كان يبتسم.
وصلت الريح إلى الشاب، وداعبت وجهه، كانت قد سمعت حديثه مع الصحراء، لأن الرياح تعرف دائماً كل شيء، فهي تطوف العالم دون أن يكون لها موقع تولد فيه، أو موقع تموت فيه.
- ساعديني ـ قال الشاب ـ فأنا قد سمعت فيك صوت حبيبتي ذات يوم.
- من علّمك التكلّم بلغة الصحراء والريح؟
قلبي, اجاب الشاب
.
الريح كانت تحمل عدة أسماء فهي تدعى هنا بالسيروكو أو السموم، العرب كانوا يعتقدون بأنها كانت تأتي من الأراضي ذات المياه الغزيرة والمأهولة بسكان سود، وفي البلد البعيد الذي قدم منه الشاب كانت تسمّى بالشرقيّة لأن الناس كانوا يظنّون بأنها تحمل الرمل وصيحات العرب القتالية، وربما في مكان آخر بعيد عن الحقول التي ترتعي فيها القطعان، يعتقد الناس فيه بأنها تنشأ في الأندلس.
لكنها لاتولد من جهة، ولاتنتهي إلى جهة، لذلك فهي أقوى من الصحراء، فمن الممكن يوماً أن تنغرس الأشجار في الصحراء، وحتى أن نربّي فيها الأغنام، لكننا لانستطيع إطلاقاً أن نتحكّم بالريح أو نقهرها.
- أنت لاتستطيع أن تكون ريحاً فطبيعتانا مختلفتان ـ قالت الريح للشاب.
- هذا ليس صحيحاً، فأنا قد تعلّمت أسرار الخيمياء، بينما كنت أجوب العالم معك، فأنا أملك في داخلي الرياح، والصحاري، والمحيطات، والنجوم، وكل ماخُلق في الكون، وكلّنا خلقتنا يد واحدة، ولنا الروح نفسها، أريد أن أكون مثلكِ أخترق كل مكان، أعبر البحار، أنتزع الرمل الذي يغطّي كنزي، وأقرّب صوت حبيبتي مني.
- لقد سمعت محادثتك مع الخيميائي، في ذلك اليوم، كان يقول أن لكل شيء أسطورته الشخصيّة، والبشر لا يمكن لهم أن يتحوّلوا إلى ريح.
طلب الشاب:
- علّميني أن أكون ريحاً لبضع لحظات، كي نستطيع التحدّث سويّة عن الامكانات غير المحدودة للرياح والبشر.
كانت الرياح فضولية وكان هناك شيء ما لم تكن تعرفه، علماً بأنها كانت تعرفه الكثير من الأشياء، كانت تستطيع إنشاء صحراء، إغراق مراكب، إبادة غابات بأسرها، وأن تتجوّل في مدن تعج بالموسيقى وأنواع غريبة من الضوضاء. كانت تؤمن بقدراتها اللامحدودة، وهاهي الآن أمام شاب يؤكد أن بإمكان الريح أن تقوم بأشياء أخرى.
- هذا مايسمّونه الحب ـ قال الشاب لدى رؤيته أن الريح قد أوشكت أن تستجيب لطلبه ـ وعندما نحب، نستطيع أن نكون شيئاً من الخليقة، ولسنا بحاجة لفهم مايجري، لأن كل شيء إنما يجري في داخلنا، وإن الناس يستطيعون أن يتحولوا إلى ريح بشرط أن تساعدهم الريح طبعاً.
كانت الريح متعالية، وماقاله الشاب أثار سخطها، فراحت تعصب بقوّة كبيرة، مذرية رمال الصحراء، لكن عليها أن تعترف أنها وبعد كل هذا التطواف في العالم بأسره، فهي مازالت تجهل تحويل رجل إلى ريح، وانها لم تكن تعرف الحب.
قالت الريح:
- خلال جولاتي عبر العالم لاحظت، الكثير من الناس يتحدّثون عن الحب، وهم ينظرون إلى السماء ساخطين لأن عليهم أن يسلّموا بحدودها، ربما من الأفضل لك أن تستعيد بالسماء.
أجاب الشاب:
- إذن ساعديني، وغطي هذا المكان بالغبار، كي أستطيع النظر في الشمس دون أن أصاب بالعمى.
عصفت الريح بشكل أقوى، فاكتسحت الرمال وجه السماء حتى بدت السماء مجرّد قرص ذهبي.
في المعسكر، صار من الصعب تمييز أي كان، فرجال الصحراء خبروا جيّداً هذه الريح، ريح السموم، كانت أسوأ من عاصفة البحر، لكنهم لا يعرفون البحر، وأخذت الخيول تصهل، والأسلحة تغطّت بالرمال.
على الصخرة التفت رجل من أعيان الحرب نحو الزعيم وقال:
- ربما سيكون من الأقضل التوقف عند هذا الحد.
كانوا يميّزون بصعوبة الشاب، كانت وجوهم ملثّمة، ونظراتهم يبدو فيها القلق والذعر.
- لننهِ الأمر ـ ألحّ رجل أعيان حرب آخر.
- أريد أن أرى عظمة الله، قال الزعيم بصوت فيه كل الخشوع ـ أريد أن أرى تحوّل رجل إلى ريح.
لكنه سجّل في ذهنه اسمي هذين الرجلين الخانثين، وبمجرّد أن تهدأ الريح، سيخلعهما من مهامهما فليس من حق رجال الصحراء أن يخافوا.
قال الشاب للشمس:
- أخبرتني الريح بأنك تعرفين الحب، وإن كنت تعرفين الحب فلابد أنك تعرفين النفس الكليّة التي خُلقت من الحب.
اجابت الشمس:
- من مكاني هذا أستطيع رؤية النفس الكليّة، فهي على اتصال مع روحي، ومع تعاوننا نحن الإثنين تنمو النباتات، وتندفع الأغنام التي تبحث عن الظل، ومن حيث أنا استطعت أن أحب، قدرتُ أن أحب من مكاني هذا، واعلم أنني لو اقتربت قليلاً من الأرض لأنقرض كل ماعليها، ولتوقّفت النفس الكليّة عن الوجود، وهكذا فنحن الإثنين نتبادل النظر ونحب بعضنا بعضاً، فأنا أمدّها بالحياة والحرارة، وهي تعطيني سبب البقاء.
كرّر الشاب:
- أنتِ تعرفين الحب؟
تابعت الشمس:
- إنني أعرف النفس الكليّة، لأن بيننا أحاديث لاتنتهي أثناء سفرنا الأبدي في هذا الكون، لقد حدّثتني بأن أفدح مشكلاتها حتى الآن هو أن المعادن والنباتات وحدها فقط، قد أدركت أن كل شيء هو واحد وفريد، لهذا فإنه ليس من الضروري أن يكون الحديد مشابهاً للنحاس، والنحاس مشابهاً للذهب، فكل يشغل وظيفته الدقيقة في هذا الشيء الأوحد، وسوف يكون من الكل سيمفونية السلام، لو أن اليد التي كتبت كل هذا توقفت في اليوم الخامس، لكن كان هناك يوم سادس.
× × ×
قال الشاب:
- أنتِ عالمة لأنكِ ترين كل شيء عن بعد، لكنكِ لا تعرفين الحب، لو لم يكن هناك اليوم السادس، لما وُجد الإنسان، ولكان النحاس نحاساً، والرصاص رصاصاً. لكل أسطورته الشخصيّة ـ هذا صحيح ـ لكن هذه الأسطورة ستكتمل ذات يوم، فيجب التحوّل إلى ماهو أرقى، إلى أسطورة شخصيّة جديدة، إلى أن تصبح النفس الكليّة حقاً شيئاً واحداً وفريداً.
ظلّت الشمس حالمة، ثم أخذت تلمع لمعاناً عجيباً، والريح التي كانت معجبة بهذه المحادثة عصفت بقوة أيضاً كي لاتذهب الشمس ببصر الشاب.
- لهذا وُجدت الخيمياء ـ قال هذا الأخير ـ كي يبحث كل انسان عن كنزه ويجده، ويسعى أن يعيش فيما بعد أفضل مما كان عليه، والرصاص سيقوم بدوره إلى أن يصبح العالم بغنى عنه، عندئذٍ ينبغي عليه أن يتحوّل إلى ذهب.
الخيميائيون يتوصلون الى تحقيق هذا التحول
ويبيّنون لنا أنه عندما نسعى لأن نكون أفضل مما نحن عليه، فإن كل شيء حولنا يتحسّن.
سألت الشمس:
- ولماذا قلت أنني لا أعرف الحب؟
- لأن الحب لا يستدعي الجمود كالصحراء، ولا تجواب العالم كالريح، ولا النظر في كل شيء من بعيد مثلك. الحب هو القوّة التي تحوّل وتصقل النفس الكليّة، فعندما دخلت عالمها للمرة الأولى، كنت أظنها كاملة، أما فيها بعد، فقد رأيت أنها كانت انعكاساً لكل ماخُلق وكانت لها نزعاتها وأهواؤها، نحن الذين نغذّي النفس الكليّة، أما الأرض التي نحيا عليها، فإنها ستصبح بأفضل أو أسوأ، بقدر مانكون نحن أفصل أو أسوأ، وهنا تتدخّل قوة الحب، لأننا عندما نحب فإننا لانريد دائماً أن نكون أفضل مما نحن عليه.
- ماذا تنتظر مني؟ سألت الشمس
- أن تساعديني كي أتحوّل إلى ريح.
- الطبيعة تعرفني كأكبر عالمة بين كل المخلوقات، لكنني أجهل كيف أحوّلك إلى ريح.
- إلى من أتوّجه إذن؟
- صمتت الشمس لحظة، وكانت الريح تصغي وتستعد لتفشي في العالم بأسره محدودية علمها، فلم يكن بوسعها التهرّب من هذا الشاب الذي كان يتكلّم اللغة الكونية.
- توجّه إلى اليد التي كتبت كل شيء ـ قالت الشمس أخيراً.
أطلقت الريح صرخة رضى، وهبّت بقوة لاعهد لها بها، اقتلعت الخيام المنتصبة في الصحراء، وتحررت الحيوانات من قيودها، وعلى الصخرة صار الناس يتشبّثون ببعضهم خوفاً من أن تحملهم الريح.
عندئذٍ التفت الشاب إلى اليد التي كتبت كل شيء، وبدل أن يقول أدنى كلمة، فقد أحس أن الكون كلّه مكث من حوله صامتاً، ومكث هو صامتاً أيضاً.
اندفاع من الحب انبثق من قلبه، وأخذ بالصلاة، صلاة لم يفعل مثلها من قبل، لأنها كانت صلاة من دون كلام، لم يطلب شيئاً من خلالها، لم يكن يشكر لأنه وجد مرعىً لأغنامه، لم يكن يبتهل لأنه باع المزيد من الزجاجيّات، لم يكن يطلب أن تنتظر المرأة التي التقاها عودته.
لكنه أدرك من خلال الصمت الذي خيّم، أن الصحراء والريح والشمس، كانت هي أيضاً تبحث عن العلامات، التي كانت تلك اليد قد خطّتها، وكانت تريد متابعة طريقها، وتدرك ماكان منقوشاً على زمرّدة بسيطة، كان يعلم أن هذه العلامات منتشرة على الأرض وفي الفضاء والتي ليس لوجودها أي مبرر من حيث الظاهر، أي معنى، بحيث أن لا الصحارى، ولا الريح ولا االشمس، ولا البشر في النهاية لم يكونوا ليعلموا لماذا خُلقوا، لكن تلك اليد كان لها سببها بالنسبة لكل هذا وهي وحدها القادرة، على صنع المعجزات، وتحويل المحيطات إلى صحاري، والبشر إلى ريح، لأنها وحدها التي تفهم أن هناك هدفاً سامياً دفع الكون إلى النقطة التي تحوّلت فيها أيام الخلق الستة إلى إنجاز عظيم.
.
هبّت رياح السموم في ذلك اليوم على نحو لم يسبق له مثيل على الإطلاق، وعلى مدى أجيال فإن العرب كانوا يروون أسطورة شاب كان قد تحوّل إلى ريح، وكاد أن يزيل معسكراً متحدّياً بذلك بأس أهم زعيم حربي من زعماء الصحراء.
عندما توقفت ريح السموم عن العصف، حملقوا كلّهم باتجاه المكان الذي كان فيه الشاب الذي لم يعد هناك، بل كان في الجانب الآخر يراقب العاصفة.
كان الناس مذعورين وشخصان كانا يبتسمان آنذاك:
الخيميائي لانه وجد تلميذه الحقيقي
ثم الزعيم.
وفي الغد ودع الزعيم الشاب و الخيميائي
وسيّر معهما موكباً من الحرس ليرافقهما إلى المكان
الذي يبغيان الذهاب اليه
***
***
اقتيد المسافران حتى المعسكر الحربي الذي كان في الجوار، ودفع أحد المحاربين الخيميائي وصاحبه داخل خيمة مختلفة تماماً عن خيام الواحة التي عرفاها، كان هناك قائد حربي محاط بأركانه.
- إنهما الجاسوسان ـ قال أحد الرجال.
-
نحن لسنا الا مسافرين اجاب الخيميائي
.
- لقد رأيناكما في المعسكر المعادي منذ ثلاثة أيام، وقد تكلّمتما مع أحد المقاتلين.
- أنا رجل أسير في الصحراء، ولي خبرة بالنجوم ـ قال الخيميائي ـ وليس لدي أية معلومة عن الجيوش، أو عن تحرّكات القبائل، كنت أرشد صاحبي إلى هنا فقط.
- من هو صديقك؟ سأل الشيخ.
-
انه خيميائي قال الخيميائي
ـ إنه يعرف قدرات الطبيعة، ويرغب أن يطلع القائد على قدراته الخارقة.
كان الشاب يصغي وهو خائف.
- ماذا يفعل غريب في أرضٍ غريبة؟ سأل وحد من الرجال.
- لقد حملت مالاً لأقدّمه لعشيرتكم ـ
تدخل الخيميائي
قبل أن ينطق الشاب بأية كلمة، ثم أخذ كيس المال من الشاب، وأعطى القطع الذهبية لكبير القوم الذي تناولها دون أن يقول شيئاً، ففيها مايكفي لشراء كمٍّ كبير من الأسلحة.
-
من هو الخيميائي سال العربي اخيرا
.
- إنه رجل يعرف الطبيعة والكون، ولو أراد لاستطاع تهديم هذا المخيّم مستعملاً في ذلك قوّة الريح فقط.
ضحك الرجال، فقد كانوا قد تمرّسوا على قسوة الحرب، وكانوا يعلمون أن الريح لا تستطيع أن توجه ضربة قاضية. ومع ذلك شعر كل واحد منهم بقلبه ينقيض في صدره، فهم من رجال الصحراء ويخافون من السحرة.
- بودي أن أرى شيئاً من هذا ـ قال الزعيم.
-
يلزمنا لذلك ثلاثة ايام- اجاب الخيميائي
ـ وهذا ليس إلا ليطلعكم على قدراته الخاصة، فإن لم ينجح، نقدّم لكم بكل تواضع حياتنا إكراماً لشرف العشيرة.
- لاتستطيع أن تهدي إليّ ماهو ملكي مسبقاً ـ أعلن الشيخ بتعجرف، لكنه منح مهلة ثلاثة أيام للمسافرين.
كان الشاب الذعور عاجزاً عن القيام بأية حركة، فانبغى على الخيميائي سحبه من ذراعه كي يساعده على الخروج من الخيمة.
- لاتظهر لهم أنك خائف، فهم رجالٌ بواسل ويحتقرون الجبناء.
كان الفتى كالمبكوم، ولم يستعد صوته إلا بعد فترة من الزمن بينما كانا يمشيان وسط المخيّم. لم يكن هناك داع لسجنهما، فالأعربا بكل بساطة قد اكتفوا بانتزاع حصانيهما، وهاهي مرة أخرى يفصح فيها العالم عن لغات لاتحصى: فالصحراء التي كانت حتى الآن فضاءً رحباً، لاحدود له، قد تحوّلت إلى سور يتعذّر عبوره.
- لقد أعطيتهم كنزي كله ـ قال الشاب ـ كل ماستطعت أن أجنيه خلال حياتي كلها !
- وبماذا يفيدك المال إن كنت ستموت؟ مالك أنقذك من الموت لثلائة أيام، وليس غالباً أن يفيد المال في تأخير الأجل.
أما الشاب فقد كان مذعوراً جداً كي يستطيع سماع كلام الحكمة، فهو لايعرف كيف ينقلب إلى ريح، فهو لم يكن خيميائياً.
طلب الخيميائي الشاي من أحد المحاربين، وسكب بعضاً منه على رسغي الشاب، فانتشرب موجة من السكون في أعماقه، بينما كان الخيميائي يلفظ بعض الكلمات التي لم يوفّق الفتى بفهمها.
لاتستسلم لليأس ـ
قال الخيميائي بصوت عذب للغاية
ـ فإن هذا يمنعك من التحادث مع قلبك.
- لكنني لا أعرف أن أحوّل نفسي إلى ريح.
من يعيش اسطورته الشخصية
يعرف كل ماهو بحاجة لمعرفته، وليس هناك إلا شيء واحد يمكن أن يجعل الحلم مستحيلاً: إنه الخوف من الإخفاق.
- أنا لستُ خائفاً من الإخفاق، وكل مافي الأمر أنني لا أعرف أن أتحوّل إلى ريخ.
- حسنٌ، عليك أن تتعلّم ! حياتك معلّقة بذلك.
- وإن لم أتوصل إلى ذلك.
-
ستموت فداء لنضالك في سبيل اسطورتك الشخصية
وهذه ميتى أثمن بكثير من ميتة هؤلاء الذين قضوا دون أن يعلموا شيئاً
من وجود اسطورة شخصية
لكن لا تقلق، بشكل عام، فإن الموت يدفع الإنسان لأن يكون أكثر تيقّظاً للحياة.
***
مضى اليوم الأول، وجرت خلاله معركة حامية في الجوار، ونُقل إلى المعكسر عدد كبير من الجرحى.
-
لا شئ يتغير بالموت
ـ فكّر الشاب ، فالمقاتلون الذين ماتوا، سيستعاض عنهم بآخرين والحياة تستمر.
- كان من الممكن لك أن تموت فيما بعد يا صديقي ـ قال أحدهم مخاطباً جثة أحد رفاقة ـ كان من الممكن أن تموت حين حلول السلام، فهي ميتة واحدة، ومهما يكن من أمر فإنك ستموت في النهاية.
عند المساء ذهب الشاب يلتقي الخيميائي الذي كان يصطحب الصقر معه في الصحراء وكرّر:
-
لا اعرف كيف اتحول الى ريح
.
- تذكّر ماقلته لك: " العالم ليس إلا الجزء المرئي من الله، والخيمياء هي نقل للكمال الروحي إلى العالم المادي " .
- ماذا تفعل؟
- أطعم صقري.
- إن لم أنجح في التحوّل إلى ريح، ستموت، فما الحاجة إلى إطعام الصقر؟
-
انت ستموت – اجاب الخيميائي – اما انا
أنا أعرف كيف أتحوّل إلى ريح.
في اليوم الثاني تسلّق الشاب ذروة صخرة تقع على مقربة من المعسكر، وقد تركه الخفراء يمر، كانوا يتحدّثون عن ساحر يتحوّل إلى ريح، ولم يكونوا يودون الاقتراب منه، بالاضافة إلى ذلك فإن الصحراء كانت تشكّل سوراً يتعذّر عبوره.
قضى بقيّة ظهيرة اليوم الثاني في تأمّل الصحراء، أصغى إلى قلبه، وأصغت الصحراء إلى الخوف الذي يتملّكه.
كلاهما كان يتكلم اللغه نفسها
***
في اليوم الثالث جمع الزعيم أعوانه الرئيسيين.
- هيا بنا نرَ ذلك الولد الذي يتحوّل إلى ريح ـ قال للخيميائي.
- هيا بنا ـ أجاب الخيميائي.
قادهم الشاب إلى المكان الذي كان قد جاء إليه يوم أمس، ثم طلب من الجميع أن يجلسوا.
- إن هذا سيتطلّب قليلاً من الوقت ـ قال الخيميائي.
- لسنا مستعجلين ـ أجاب الزعيم ـ فنحن من رجال الصحراء.
أخذ الشاب يتأمل الأفق قبالته، جبال كانت تبدو من بعيد، كثبان رميلة، صخور، ونباتات زاحفة تتشبّث بالحياة، هناك حيث البقاء شبه مستحيل. وحيث كانت تجثم الصحراء التي جابها طيلة شهور وشهور، ولم يكن يعرف منها على الرغم من ذلك إلا جزءاً يسيراً. في ذلك الجزء كان قد التقى إنكليزياً، وقوافل، ونزاعات بين العشائر، وواحة ذات خمسين ألف شجرة نخيل، وثلاثمائة بئراً.
- ماذا تريد مني اليوم ـ سألت الصحراء ـ ألم نتأمّل بعضنا بعضاً كفاية يوم البارحة؟
- أنتِ تحتفظين في مكانٍ ما بتلك التي أحبها، وعندما أتأمل مساحتك الرملية الشاسعة فأنا أتأملها هي أيضاً، أريد الرجوع إليها، وأحتاج إلى مساعدتك كي أتحوّل إلى ريح
- ماهو الحب؟ سألت الصحراء.
- الحب هو عندما يحلّث الصقر فوق رمالك، لأنك بالنسبة له ريف أخضر، لم يعد منه قط دون فريسة، وهو يعرف صخورك، كثبانك، جبالك، وأنتِ كريمة معه.
قالت الصحراء:
- إن منقار الصقر ينتزع مني قطعاً، هذه الفريسة قد غذّيتها طيلة أعوام، رويتها بالقليل من الماء الذي أملكه، وأرشدها إلى المكان الذي تجد فيه قوّتها، ويوم كبرت وأوشكت أشعر بها تحبو على رمالي، هاهو الصقر ينتفض من السماء ليختطف ما كنتُ جعلته ينمو ويكبر.
- ماكنت فعلته لهذه الطريه من إطعام ورعاية كان لهذه الغاية بالذات ـ أجاب الشاب ، لتطعم الصقر، والصقر سيطعم الإنسان، والإنسان سيطعم رمالك يوماً ما، ومنها ستولد الطريدة من جديد، وهكذا يسير العالم.
- هل هذا هو الحب؟
- هو ذا نعم، هو من يجعل الفريسة تتحوّل إلى صقر، والصقر إلى إنسان، والإنسان إلى تراب، هو من جعل الرصاص يتحوّل إلى ذهب، ويجعل الذهب يعود ليختبئ في بطن الأرض.
- لم أفهم كلامك ـ قالت الصحراء.
- إذن افهمي على الأقل، أن في بقعة ما وسط رمالك هناك امرأة تنتظرني، ولكي أستجيب إلى انتظارها عليَّ أن أتحوّل إلى ريح.
-
اقدم لك رمالي كي تستطيع الريح ان تهب, لكن بمفردي لا استطيع شيئا , اطلب مساعدة الريح
.
نسمة خفيفة أخذت تهب، وزعماء الحرب كانوا يرقبون من بعيد الشاب الذي كان يتكلّم لغة مجهولة بالنسبة لهم.
الخيميائي كان يبتسم.
وصلت الريح إلى الشاب، وداعبت وجهه، كانت قد سمعت حديثه مع الصحراء، لأن الرياح تعرف دائماً كل شيء، فهي تطوف العالم دون أن يكون لها موقع تولد فيه، أو موقع تموت فيه.
- ساعديني ـ قال الشاب ـ فأنا قد سمعت فيك صوت حبيبتي ذات يوم.
- من علّمك التكلّم بلغة الصحراء والريح؟
قلبي, اجاب الشاب
.
الريح كانت تحمل عدة أسماء فهي تدعى هنا بالسيروكو أو السموم، العرب كانوا يعتقدون بأنها كانت تأتي من الأراضي ذات المياه الغزيرة والمأهولة بسكان سود، وفي البلد البعيد الذي قدم منه الشاب كانت تسمّى بالشرقيّة لأن الناس كانوا يظنّون بأنها تحمل الرمل وصيحات العرب القتالية، وربما في مكان آخر بعيد عن الحقول التي ترتعي فيها القطعان، يعتقد الناس فيه بأنها تنشأ في الأندلس.
لكنها لاتولد من جهة، ولاتنتهي إلى جهة، لذلك فهي أقوى من الصحراء، فمن الممكن يوماً أن تنغرس الأشجار في الصحراء، وحتى أن نربّي فيها الأغنام، لكننا لانستطيع إطلاقاً أن نتحكّم بالريح أو نقهرها.
- أنت لاتستطيع أن تكون ريحاً فطبيعتانا مختلفتان ـ قالت الريح للشاب.
- هذا ليس صحيحاً، فأنا قد تعلّمت أسرار الخيمياء، بينما كنت أجوب العالم معك، فأنا أملك في داخلي الرياح، والصحاري، والمحيطات، والنجوم، وكل ماخُلق في الكون، وكلّنا خلقتنا يد واحدة، ولنا الروح نفسها، أريد أن أكون مثلكِ أخترق كل مكان، أعبر البحار، أنتزع الرمل الذي يغطّي كنزي، وأقرّب صوت حبيبتي مني.
- لقد سمعت محادثتك مع الخيميائي، في ذلك اليوم، كان يقول أن لكل شيء أسطورته الشخصيّة، والبشر لا يمكن لهم أن يتحوّلوا إلى ريح.
طلب الشاب:
- علّميني أن أكون ريحاً لبضع لحظات، كي نستطيع التحدّث سويّة عن الامكانات غير المحدودة للرياح والبشر.
كانت الرياح فضولية وكان هناك شيء ما لم تكن تعرفه، علماً بأنها كانت تعرفه الكثير من الأشياء، كانت تستطيع إنشاء صحراء، إغراق مراكب، إبادة غابات بأسرها، وأن تتجوّل في مدن تعج بالموسيقى وأنواع غريبة من الضوضاء. كانت تؤمن بقدراتها اللامحدودة، وهاهي الآن أمام شاب يؤكد أن بإمكان الريح أن تقوم بأشياء أخرى.
- هذا مايسمّونه الحب ـ قال الشاب لدى رؤيته أن الريح قد أوشكت أن تستجيب لطلبه ـ وعندما نحب، نستطيع أن نكون شيئاً من الخليقة، ولسنا بحاجة لفهم مايجري، لأن كل شيء إنما يجري في داخلنا، وإن الناس يستطيعون أن يتحولوا إلى ريح بشرط أن تساعدهم الريح طبعاً.
كانت الريح متعالية، وماقاله الشاب أثار سخطها، فراحت تعصب بقوّة كبيرة، مذرية رمال الصحراء، لكن عليها أن تعترف أنها وبعد كل هذا التطواف في العالم بأسره، فهي مازالت تجهل تحويل رجل إلى ريح، وانها لم تكن تعرف الحب.
قالت الريح:
- خلال جولاتي عبر العالم لاحظت، الكثير من الناس يتحدّثون عن الحب، وهم ينظرون إلى السماء ساخطين لأن عليهم أن يسلّموا بحدودها، ربما من الأفضل لك أن تستعيد بالسماء.
أجاب الشاب:
- إذن ساعديني، وغطي هذا المكان بالغبار، كي أستطيع النظر في الشمس دون أن أصاب بالعمى.
عصفت الريح بشكل أقوى، فاكتسحت الرمال وجه السماء حتى بدت السماء مجرّد قرص ذهبي.
في المعسكر، صار من الصعب تمييز أي كان، فرجال الصحراء خبروا جيّداً هذه الريح، ريح السموم، كانت أسوأ من عاصفة البحر، لكنهم لا يعرفون البحر، وأخذت الخيول تصهل، والأسلحة تغطّت بالرمال.
على الصخرة التفت رجل من أعيان الحرب نحو الزعيم وقال:
- ربما سيكون من الأقضل التوقف عند هذا الحد.
كانوا يميّزون بصعوبة الشاب، كانت وجوهم ملثّمة، ونظراتهم يبدو فيها القلق والذعر.
- لننهِ الأمر ـ ألحّ رجل أعيان حرب آخر.
- أريد أن أرى عظمة الله، قال الزعيم بصوت فيه كل الخشوع ـ أريد أن أرى تحوّل رجل إلى ريح.
لكنه سجّل في ذهنه اسمي هذين الرجلين الخانثين، وبمجرّد أن تهدأ الريح، سيخلعهما من مهامهما فليس من حق رجال الصحراء أن يخافوا.
قال الشاب للشمس:
- أخبرتني الريح بأنك تعرفين الحب، وإن كنت تعرفين الحب فلابد أنك تعرفين النفس الكليّة التي خُلقت من الحب.
اجابت الشمس:
- من مكاني هذا أستطيع رؤية النفس الكليّة، فهي على اتصال مع روحي، ومع تعاوننا نحن الإثنين تنمو النباتات، وتندفع الأغنام التي تبحث عن الظل، ومن حيث أنا استطعت أن أحب، قدرتُ أن أحب من مكاني هذا، واعلم أنني لو اقتربت قليلاً من الأرض لأنقرض كل ماعليها، ولتوقّفت النفس الكليّة عن الوجود، وهكذا فنحن الإثنين نتبادل النظر ونحب بعضنا بعضاً، فأنا أمدّها بالحياة والحرارة، وهي تعطيني سبب البقاء.
كرّر الشاب:
- أنتِ تعرفين الحب؟
تابعت الشمس:
- إنني أعرف النفس الكليّة، لأن بيننا أحاديث لاتنتهي أثناء سفرنا الأبدي في هذا الكون، لقد حدّثتني بأن أفدح مشكلاتها حتى الآن هو أن المعادن والنباتات وحدها فقط، قد أدركت أن كل شيء هو واحد وفريد، لهذا فإنه ليس من الضروري أن يكون الحديد مشابهاً للنحاس، والنحاس مشابهاً للذهب، فكل يشغل وظيفته الدقيقة في هذا الشيء الأوحد، وسوف يكون من الكل سيمفونية السلام، لو أن اليد التي كتبت كل هذا توقفت في اليوم الخامس، لكن كان هناك يوم سادس.
× × ×
قال الشاب:
- أنتِ عالمة لأنكِ ترين كل شيء عن بعد، لكنكِ لا تعرفين الحب، لو لم يكن هناك اليوم السادس، لما وُجد الإنسان، ولكان النحاس نحاساً، والرصاص رصاصاً. لكل أسطورته الشخصيّة ـ هذا صحيح ـ لكن هذه الأسطورة ستكتمل ذات يوم، فيجب التحوّل إلى ماهو أرقى، إلى أسطورة شخصيّة جديدة، إلى أن تصبح النفس الكليّة حقاً شيئاً واحداً وفريداً.
ظلّت الشمس حالمة، ثم أخذت تلمع لمعاناً عجيباً، والريح التي كانت معجبة بهذه المحادثة عصفت بقوة أيضاً كي لاتذهب الشمس ببصر الشاب.
- لهذا وُجدت الخيمياء ـ قال هذا الأخير ـ كي يبحث كل انسان عن كنزه ويجده، ويسعى أن يعيش فيما بعد أفضل مما كان عليه، والرصاص سيقوم بدوره إلى أن يصبح العالم بغنى عنه، عندئذٍ ينبغي عليه أن يتحوّل إلى ذهب.
الخيميائيون يتوصلون الى تحقيق هذا التحول
ويبيّنون لنا أنه عندما نسعى لأن نكون أفضل مما نحن عليه، فإن كل شيء حولنا يتحسّن.
سألت الشمس:
- ولماذا قلت أنني لا أعرف الحب؟
- لأن الحب لا يستدعي الجمود كالصحراء، ولا تجواب العالم كالريح، ولا النظر في كل شيء من بعيد مثلك. الحب هو القوّة التي تحوّل وتصقل النفس الكليّة، فعندما دخلت عالمها للمرة الأولى، كنت أظنها كاملة، أما فيها بعد، فقد رأيت أنها كانت انعكاساً لكل ماخُلق وكانت لها نزعاتها وأهواؤها، نحن الذين نغذّي النفس الكليّة، أما الأرض التي نحيا عليها، فإنها ستصبح بأفضل أو أسوأ، بقدر مانكون نحن أفصل أو أسوأ، وهنا تتدخّل قوة الحب، لأننا عندما نحب فإننا لانريد دائماً أن نكون أفضل مما نحن عليه.
- ماذا تنتظر مني؟ سألت الشمس
- أن تساعديني كي أتحوّل إلى ريح.
- الطبيعة تعرفني كأكبر عالمة بين كل المخلوقات، لكنني أجهل كيف أحوّلك إلى ريح.
- إلى من أتوّجه إذن؟
- صمتت الشمس لحظة، وكانت الريح تصغي وتستعد لتفشي في العالم بأسره محدودية علمها، فلم يكن بوسعها التهرّب من هذا الشاب الذي كان يتكلّم اللغة الكونية.
- توجّه إلى اليد التي كتبت كل شيء ـ قالت الشمس أخيراً.
أطلقت الريح صرخة رضى، وهبّت بقوة لاعهد لها بها، اقتلعت الخيام المنتصبة في الصحراء، وتحررت الحيوانات من قيودها، وعلى الصخرة صار الناس يتشبّثون ببعضهم خوفاً من أن تحملهم الريح.
عندئذٍ التفت الشاب إلى اليد التي كتبت كل شيء، وبدل أن يقول أدنى كلمة، فقد أحس أن الكون كلّه مكث من حوله صامتاً، ومكث هو صامتاً أيضاً.
اندفاع من الحب انبثق من قلبه، وأخذ بالصلاة، صلاة لم يفعل مثلها من قبل، لأنها كانت صلاة من دون كلام، لم يطلب شيئاً من خلالها، لم يكن يشكر لأنه وجد مرعىً لأغنامه، لم يكن يبتهل لأنه باع المزيد من الزجاجيّات، لم يكن يطلب أن تنتظر المرأة التي التقاها عودته.
لكنه أدرك من خلال الصمت الذي خيّم، أن الصحراء والريح والشمس، كانت هي أيضاً تبحث عن العلامات، التي كانت تلك اليد قد خطّتها، وكانت تريد متابعة طريقها، وتدرك ماكان منقوشاً على زمرّدة بسيطة، كان يعلم أن هذه العلامات منتشرة على الأرض وفي الفضاء والتي ليس لوجودها أي مبرر من حيث الظاهر، أي معنى، بحيث أن لا الصحارى، ولا الريح ولا االشمس، ولا البشر في النهاية لم يكونوا ليعلموا لماذا خُلقوا، لكن تلك اليد كان لها سببها بالنسبة لكل هذا وهي وحدها القادرة، على صنع المعجزات، وتحويل المحيطات إلى صحاري، والبشر إلى ريح، لأنها وحدها التي تفهم أن هناك هدفاً سامياً دفع الكون إلى النقطة التي تحوّلت فيها أيام الخلق الستة إلى إنجاز عظيم.
.
هبّت رياح السموم في ذلك اليوم على نحو لم يسبق له مثيل على الإطلاق، وعلى مدى أجيال فإن العرب كانوا يروون أسطورة شاب كان قد تحوّل إلى ريح، وكاد أن يزيل معسكراً متحدّياً بذلك بأس أهم زعيم حربي من زعماء الصحراء.
عندما توقفت ريح السموم عن العصف، حملقوا كلّهم باتجاه المكان الذي كان فيه الشاب الذي لم يعد هناك، بل كان في الجانب الآخر يراقب العاصفة.
كان الناس مذعورين وشخصان كانا يبتسمان آنذاك:
الخيميائي لانه وجد تلميذه الحقيقي
ثم الزعيم.
وفي الغد ودع الزعيم الشاب و الخيميائي
وسيّر معهما موكباً من الحرس ليرافقهما إلى المكان
الذي يبغيان الذهاب اليه
***


تعليق