قصص عالمية

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • حمادة الشاعري
    عضو متميز
    • Aug 2006
    • 5861

    #181
    الرد: قصص عالمية

    عودة غريبة!


    توجد، على الأقل، مليون حيلة ووسيلة للعودة بذكاء إلى المنزل، عندما تحوم في الجو رائحة الحرب كما كان يحدث هذا المساء. ويرتكز بعضها، على إيجاد حجة مناسبة نوعاً ما، وأن يختفي الواحد منهم خلف أكاذيب متراكمة بعضها فوق بعضها الآخر كصناديق البرتقال؛ لكن هذا النوع من الحيل لن يصمد أو يدوم أكثر من صمود صناديق برتقال أمام نيران المدفعية.
    ويمكن لأحدهم أن يلوذ بالفرار، بعد أن يشعل النار في الغابة، وأن ينشر ذعراً يضاهي الذعر الذي يحاول الخلاص منه. وبإمكانه أيضاً إطلاق صيحات هلع مأساوية لحظة الإمساك به، لإيهامهم بحدوث حادث رهيب له، مما يجعل الأهالي يشعرون بشيء من الراحة والاطمئنان لأنهم يواجهون مسألة تأخير بسيط فقط. وهذا ما يسمّى بـ "المسألة النسبية"!
    كان هنود "قبيلة الخمسة" قد استخدموا هذه الحيل مراراً، واستهلكوا جميع خيوطها، وكان يلزمهم هذا المساء شيء مختلف تماماً كي يأملوا بالنجاة في " المحكمة العليا". تمّ الأمر لكل واحد منهم، وعاد إلى منزله بحيلة جديدة، وهو بحالة جيدة،وفي ساعة متأخرة من الليل، ودون إذن مسبق بذلك، مضيفين إلى حيلهم السابقة حيلاً جديدة من نوع آخر.
    ***
    كان "التمساح الشجاع" أول من شعر بالخطر،بعد أن ابتعدوا عن المنزل المهجور مسافة تقل عن المئة متر. وعرف أن هناك شبه غارة تعد لها العدة، من خلال الأنوار التي كانت تشع من هنا وهناك كشهب هابطة من السماء، ومن النداءات والأصوات المتفرقة التي كان يتبادلها أشخاص يحملون فوانيس بأيديهم. وبحركة واحدة أوقف صحبه:
    - قفوا!.. والآن، انتشروا.. المكان يعجّ بالجواسيس سوف أنفخ ببوقي لأجذبهم نحوي؛ استغلوا أنتم الفرصة للهرب والعودة إلى منازلكم التي ستصلون إليها قبل أجدادنا، وهذا شيء جيد. ولَيْحمِكم الإله "مانيتو"( )، أنتم وجلودكم التعيسة!
    وما إن التقطوا أنفاسهم، واشتدت عزائمهم، حتى انطلقوا جميعاً هاربين، وهم يكنون العرفان بالجميل، لزعيمهم الذي سوف يتحمل التعذيب المخيف الذي يُعدّ عادة للقادة والزعماء.
    استل "التمساح الشجاع" بوقه الذي كان يتدلى من رقبته، بشريط أحمر جميل، ورفعه بفخر إلى فمه، وأغمض عينيه، ثم تنفس بعمق و...نفخ، مرة وثانية وثالثة...
    انتشر في الغابة لحن موسيقي رائع، وفريد في نوعه، كان طويلاً وثابتاً، ونحاسياً ورناناً، وظل ينتشر حتى ملأ الغابة. وبدا لـِ"التمساح الشجاع" أن جسمهُ يكبر. وأنه أخذ شكل رجل، وهيكل عملاق. وشعر بأن الأرض التي يقف عليها أصبحت أبعد وأن الأرجل التي تمشي هناك، بعيداً جداً تحته، ليست له....
    وتوقف عن النفخ...
    وانقضت عليه الكلاب، مثلما انقضت على "رولان دورونسوفو" الشخصية الأسطورية القديمة؛ - قيل له:
    - عفواً، سيدي، نحن في مهمة للبحث عن خمسة أطفال لم يعودوا من المدرسة، هذا المساء...! إننا قلقون جداً عليهم..
    (سيدي؟ سيدي؟ سيّـ يـ يـ يـدي! هل أنا الشخص الذي يكلمونه؟ بِش.. ش!! ونظر حوله... سيدي يـ يي؟ إمّ، إمّ، إنه، دون شك، سوء تفاهم ناتج عن الظلمة، لكن لا، لا، مستحيل! كان الناس يحيطون به، لم يكونوا أبداً أطول قامة منه!).
    أجابهم بكل وقار: - خمسة أطفال؟
    وهاهو يتكلم بصوت ضخم، صوت جميل جداً،وعميق وخفيض ورنان!
    رفع يده إلى حنجرته، ثم إلى خده... هنا؟ شَعْر؟ لا!
    إنها لحية! كان له لحية وشاربان!
    - نعم، - ردد الناس من حوله - خمسة أطفال!
    - لم نستطع العثور عليهم!
    - لا بدأنهم هربوا!
    صاح التمساح الشجاع بصوته الهائل: "انتظروا، انتظروا! لنفكر قليلاً، هِم... هِم.... لكن، لا يوجد أي سبب يبرر هروبهم، أليس كذلك؟
    - حسن...
    - أووه...
    - أي أن....
    زمجر "التمساح الكبير": - ماذا، أي أنّ؟
    تجرأ أحدهم وقال هذه العبارة: - كانوا، فقط، قد تلقوا بعض "التحذيرات" "حول هذا الموضوع.
    - هم، نعم؛ إنني أرى... وكانوا يتوقعون أن يتلقوا شيئاً أكثر من المعاتبة، اليوم، أليس كذلك؟
    - يحق لنا، على أية حال، أن نعبر عن عدم موافقتنا!
    - قال "التمساح الكبير" وهو شارد الذهن:
    - طبعاً، طبعاً... لكن حاولوا ألا تتركوا الكثير من "آثار" عدم موافقتكم. وبانتظار ذلك، لنخرج من الغابة. إنّهم ليسوا هنا، لقد رأيت منذ أقل من نصف ساعة، أولادكم الصغار أولئك، ها،ها، ها... إنني متأكد من أنّهم قد عادوا الآن إلى منازلهم، بينما أنتم، هنا، تلعبون دور المهرج، حاملين فوانيسكم هذه.
    وظل يقول أي شيء يخطر بباله، على الرغم من بعض عبارات الاستنكار التي رددها بعضهم. لقد كان موزعاً بين رغبته في إلقاء محاضرات طويلة، بصوته السحري، صوت الرجل الكامل، حول مسألة "وضع الطفل الحضري" ورغبته في التخلص منهم بأسرع وقت كي يتمكن من تأمل نفسه بهدوء في أول مرآة يصادفها. ومع هذا، فقد كان في سرّه، يضحك من أهله الذين تعرف إليهم وسط هذه الزمرة التعيسة.

    تعليق

    • حمادة الشاعري
      عضو متميز
      • Aug 2006
      • 5861

      #182
      الرد: قصص عالمية

      وعندما خرج "التمساح الشجاع" من الغابة، وسار في الممرات المضادة، شعر بالدوار مرات عديدة بسبب حجمه الكبير الجديد. كان صعباً عليه التأقلم مع أعضاء طويلة إلى هذا الحد في دقائق معدودة.
      وبعد أن صرف الأهالي وفوانيْسَهم، سار وحيداً، ويداه معقودتان خلف ظهره، وهو يتطلع إلى البعيد، تداخلت الأسئلة في رأسه.
      لكن الحقيقة الوحيدة التي كانت لديه حول هذه الحادثة، حتى الآن، هي أن التحول حصل له بعد أن نفخ في البوق، وعلى أية حال، بعد أن نفخ فيه مدة طويلة، إذاً؛ لهذه الآلة علاقة بهذا الموضوع.
      حسن جداً، إن وضعه الحالي، كرجل ناضج، قد يبدو للوهلة الأولى ذا فائدة كبيرة؛ غير أنّه، في الواقع، سيسبب له مشاكل جدية، أولها: أنّه لن يستطيع العودة إلى منزله وهو على هذا الشكل. فمنذ برهة، لم يستطع أحد التعرف عليه؛ ولن يقبل أخوته أو أبناء عمومته، في الطابق السادس، أن يشاركهم غرفة نومهم "رجل غريب"!
      ومن جهة أخرى، لم يكن يملك أية أوراق ثبوتية، ولا فلساً واحداً في جيبه، ولا حتى شرحاً مفيداً يدلي به في حال استجوابه.
      ولم تكد نصف ساعة تنقضي على تحوله إلى رجل، حتى بدا له أن ذلك قدحدث منذ وقت طويل جداً. إن جميع أنواع السحر، وعلى اختلاف أنواعها، لها نقيضها. والوضع المثالي هو أننا عندما نملك سحراً معيَّناً. يجب علينا أن نعرف، بالتأكيد تعويذة إِبْطاله.
      و"التمساح الشجاع" لم يكن غبياً أو أحمق بتاتاً، وكان ترتيبه السييء في المدرسة غير قائم على أسس صحيحة، بل كانت نتيجة نزواته ومواقفه المتقلبة. ثم إنّ أكبر دليل على ذكائه هو اختياره زعيماً للقبيلة؛ نعم! هذا هو الدليل القاطع على أنّه ذكي.وبدأ يفكر:سحر -مضاد للسحر؛ سم -مضاد للسم؛ مرادف -ضد؛ تيار -مضاد.
      - آ ا اه! وإذا نفخت في الناحية الأخرى من البوق؟
      وأخذ آلته ونفخ فيها؛ ليس من ناحية الفم الضيق بل من الجهة الواسعة، فأرسل البوق صوتاًطويلاً وحاداً،ومضحكاً نوعاً ما، نظر "التمساح الشجاع"، إلى قدميه، ورأى الأرض تقترب منه،وكان هذا هو الشيء المهم.
      إن الساحر الجيد هو الذي يملك التعاويذ اللازمة لكل ألاعيبه، وهاهو قد بدأ بداية جيدة في هذا المجال، وتملكه السرور وفرح بنفسه كثيراً. لكن ذلك لم يمنع مشاكله القديمة من العودة إلى السطح.
      كان باستطاعته العودة إلى البيت، لكن بأي ثمن؟ وماذا لو التقى مصادفة برجال الأمن؟
      الشرطة؟ الشرطة؟ اللعنة! لكن حتماً...
      ولمعت الفكرة في ذهنه بسرعة البرق. فأخذ البوق ونفخ اللحن الجميل وعاد رجلاً ناضجاً. وبما أن السحر ألبسه ثوباً واقياً من المطر أيضاً؛ فهو الآن الذي سيلعب دور الشرطي.
      صعد إلى منزله مضطرب الخطا، خائفاً بعض الشيء. وبعد أن تردَّد قليلاً، دق الجرس، الذي بدا له منخفضاً جداً. وفتح والده الباب:
      - ماذا؟ من أنت؟
      قال التمساح الشجاع: - أنا المفتش "كوديل"-. إنني قادم بشأن ابنك.
      قال الأب قلقاً، وقد بدا صغير الحجم أمامه:
      - هاه؟ ما الذي حدث؟
      - هل وجدتموه؟ هل حدث له مكروه؟
      أضافت الأم، وقد جاءت مسرعة، هي وبناتها، وأبناء وبنات العمومة

      تعليق

      • حمادة الشاعري
        عضو متميز
        • Aug 2006
        • 5861

        #183
        الرد: قصص عالمية

        -... هل وجدتموه؟ هل حدث له مكروه؟
        كان جهاز التلفاز لا يعمل، لأن العائلة عقدَت اجتماعاً فور عودتها إلى الدار... همس التمساح الشجاع وهو يفقد رباطة جأشه، بسبب النظرات الدرامية التي كان عليه تحمُّلها:
        - لاشيء... كلا، لم يحدث له شيء خطير؛ كلا، اطمئنوا!
        لقد وجدنا "العصابة" الآن... إنهم جميعاً في الأسفل... يمكنكم النزول لرؤيتهم...هيّا!
        واندفع الجميع نحو الدرج: العائلة، والأقارب، وكل سكان البناية فاستغل هو هذه الفرصة ليدخل الشقة وليحبس نفسه في غرفته. وبلا أي تأخير، أخرج بوقه ونفخ فيه بالاتجاه المعاكس. وعاد، من جديد، تلميذ المرحلة المتوسطة البسيط، الذي لم يكف أبداً، في قرارة نفسه، عن الشعور به، وبعثر بعض الدفاتر على مكتبه، وتظاهر بأنه غارق في الدراسة منذ مدة طويلة.
        ولم تلبث الجلبة أن عادت إلى المنزل.
        كانوا يصيحون:
        - لقد وجدوهم جميعهم، نعم، عدا ابننا "جيروم"..
        - إنه هو أقواهم!
        - وماذا سنفعل نحن؟ ماذا سيحلّ بنا نحن؟
        - هل تعتقدون أن مكروهاً قد حدث له؟
        - يجب أن نجد المفتش..
        -سوف ينتهي الأمر بهذا الصبي إلى إرساله إلىمدرسة داخلية.
        - آه، كلا! إن هذا غير ممكن، غير ممكن!
        - لاشك أنه جرح نفسه.
        - قد يكون الآن قابعاً في الظلام في مكان ما،وهو ينادينا...
        - إن هذا فظيع، فظيع جداً.
        كان "التمساح الشجاع" يستمع إليهم، وهم يذرعون الشقة جيئة وذهاباً، ويندبون حالهم، تسارعت ضربات قلبه، لأنه عرف أنهم يحبونه، وسوف يفتقدونه كثيراً، إذا ما وجب عليه الاختفاء في يوم من الأيام.
        فتح باب غرفته، وقد استعد لتحمل كل ماقد يحدث له، عن طيب خاطر.
        - ما الذي يجري هنا؟ -قال ذلك بهدوء كبير، كأن شيئاً لم يكن-متى سنأكل؟
        صاح جميع أفرادالعائلة معاً، وقد فوجئوا وتداخل الصوت الخشن بالصوت الناعم....
        - "جيييـرووم!"...
        - طبعاً، نعم..، هذا أنا، لماذا؟!
        - أين اختفيت؟!!!
        - ولكن.... في غرفتي!
        - كيف؟ إننا نبحث عنك في كل مكان مع الجيران! إن عدد الذين اختفوا خمسة. أقصد، أنتم دائماً معاً، هيا، قل لنا كيف عدت؟!
        - أنا؛ مثل العادة، من الباب، لم أكن مع الآخرين هذا المساء، وكان لهذه الكذبة وقعٌ سيء على الجميع، وشعروا كلهم بعدم الرضى ونظر كل منهم إلى الآخر نظرات يشوبها الشك والدهشة.
        أيعقل تصديق ألاّ يكون أحد قد فكر بفتح باب غرفة هذا الوحش قبل الذهاب للبحث عنه؟ بدا هذا الأمر جَلَلاً، ومع ذلك كان هذا الوحش هنا، وهاهو خارج من غرفته!
        لم يقل أحد شيئاً، وقُدِّم العشاء. وحضر الجميع نومه؛ ونظروا إليه وهو يغط في سباته، وعلى شفتيه ابتسامات ناعمة.

        تعليق

        • حمادة الشاعري
          عضو متميز
          • Aug 2006
          • 5861

          #184
          الرد: قصص عالمية

          وبينما كان "التمساح الشجاع" يغمض عينيه، وقد دفن رأسه تحت وسادته، وهو يحاول التعرف على الخيالات الحنونة التي كانت تغمر نومه المصطنع- ويحاول البحث عن فكرة رهيبة، وعن لعبة جهنمية يقوم بها، بوساطة بوقه السحري الذي يحسده عليه أصدقاؤه حتماً. ولن يكون ذلك أبعد من الغد على أقصى تقدير!

          تعليق

          • حمادة الشاعري
            عضو متميز
            • Aug 2006
            • 5861

            #185
            الرد: قصص عالمية

            الآخرون يعودون أيضاً!


            بعدما أصدر "التمساح الشجاع" الأمر بالتفرق، ونفخ في بوقه، جاذباً إليه كل شخص كبير كان يبحث عنهم في غابة "سان أناتول"؛ ركض كل منهم باتجاه ووجدت "فأرة السم" نفسها وحيدة. وفي هذه اللحظة أدركت الوضع الخطير الذي قادهم إليه فضولهم الجماعي.
            وتصورت أمَّها وقد خرجت للبحث عنها كما في الليلة السابقة، ووالدَها جالساً على كرسيه، عائماً بين سجلات وزارته، منتظراً عودتها. ومتصلاً بالشرطة بعد فقدان الأمل في العثور عليها. فكيف لها أن تعود إلى المنزل غير مبالية لتقول : "كوكو، ها أنذا!".. وللمرة الثانية خلال هذا الأسبوع، ودون خوف، من اللوم أو من محاضرات لا تنتهي، أو من عقاب قاسٍ؟!
            كان هناك ممر مضيء بمحاذاة الغابة من الجهة اليمنى، وكذلك مجموعة من البيوت الصغيرة على الجهة المقابلة. وتمنت "فأرة السم" ألا يراها أحد، وهي تتحاشى، قدر استطاعتها، سقوط البقع الضوئية عليها من مرآة عاكسة. واستغرقت وقتاً طويلاً للوصول إلى مسكنها. وهناك لم تتجرأ على التقدم مباشرة نحو البوابة، فاستندت إلى أقرب غرفة هاتف، وبدأت تفكر بخطة تنفذها.
            أخرجت من جيبها المرآة، التي وجدتها في السقيفة وتأملت وجهها الطفولي الحزين على الضوء المنبعث من غرفة الهاتف. آه، نعم! يبدو أنّها وجدت نفسها جد كئيبة، لأنها رسمت وبصعوبة، على شفتيها، ابتسامة خجلى، لتعطي الشجاعة لنفسها قبل مجابهة "العدو".
            وحدث عندئذٍ أمر عجيب، ما إن ابتسمت حتى اختفت صورتها فجأة من المرآة. وحركت "فأرة السم" الشيء الذي تحمله بكل الاتجاهات، وتأملته من جميع الزوايا، فلم تَرَ فيه سوى الصورة المقلوبة لغرفة الهاتف، وكادت المرآة تقع من بين يديها!
            في أثناء ذلك، كان شخص ما أو أكثر يقترب على الرصيف، فخافت أن يجدوها في هذا المكان، وفي هذه الساعة من الليل، دون أن تتمكن من إعطاء تفسير أو شرح لذلك. لذا أخفت وجهها بيديها وخلف المرآة.
            ومع أنّها أحست بهما تماماً؛ إلا أنّها لم تتمكن من رؤيتهما أو من رؤية المرآة! فخفضت رأسها ونظرت إلى قدميها، ولم تشاهدهما، وكذلك رجليها وذراعيها... ومع أنّها كانت هنا، إلا أنّها لم تعد موجودة، ولم تعد ترى نفسها. واقترب الرجل المار بجانبها، وكاد أن يلمسها، لكنه لم يرها!
            لقد اختفت"فأرة السم" عن الأنظار، بعد أن نظرت في المرآة! ومع ذلك فقد كانت موجودة جسدياً، وتشعر جيداً بقدميها على الأرض، وتحس بالمرآة بين يديها. ببساطة، لم يعد باستطاعة أحد أن يراها.
            كان هذا كثيراً جداً هذا المساء! ودون أن تنتظر، تقدمت ودفعت بوابة البيت الصغير، وسارت بضع خطوات، سُمِعَ وقعها على الحصى. وصعدت درجات السلم، وفتحت باب البهو، وتقدمت إلى قاعة الاستقبال، دون أن تفكر بما سيحدث لها، بعد ذلك.
            كانت الغرفة مضاءة إضاءة خافتة، بوساطة مصباح كهربائي محمول على قاعدة. وكانت أمها تجلس على أريكة، ساكنة لا تتحرك، ولم يكن والدها في البيت.
            صاحت فأرة السم: -ماما؟!
            انتصبت الأم بغتةً. وصاحت بأعلى صوتها:
            - "جيرالدين"..! لقد عدتِ أخيراً!
            لقد أثرتِ أعصابنا، أبوك وأنا: "جيرالدين"؟ أين أنتِ؟ اقتربي قليلاً؟!
            وراحت الأم تركض في جميع أنحاء المنزل. وخرجت أخيراً إلى الحديقة، وهي تنادي ابنتها وزوجها، الذي عادت معه إلى البهو ورأت "جيرالدين" أنه من المستحسن تركُ هذا المكان، حيث كانت جالسة على كرسي، تفكر في كيفية إعادة صورتها، وفي ما إذا كان ذلك ممكناً.
            صاح الأب: - جيرالدين"؟... انتهى وقت اللعب. هيا، تعالي...
            - أظهري نفسك يا "جيرالدين"!
            قالت فأرة السم: -لكنني هنا!
            صمت الأبوان وجالا بأبصارهما في أرجاء الغرفة. كانا يعلمان أن الصوت قادم من قاعة الاستقبال، حيث أخذا يفتشان خلف الستائر والأريكة والخزانة...
            - "جيرالدين"! نحن لن نعاقبك أبداً. أخرجي من مخبئك، ولن نفتح هذا الموضوع ثانية!
            - هل هذا صحيح؟

            تعليق

            • حمادة الشاعري
              عضو متميز
              • Aug 2006
              • 5861

              #186
              الرد: قصص عالمية

              نعم، صحيح؛ بما أننا نقوله لك، هل من عادتنا الكذب؟
              قالت جيرالدين:
              - كلا، ليس من عادتكما، لكن هذا قد حدث.
              وتبادل الوالدان نظرة.
              قالت الأم: - كل الناس يكذبون من وقت لآخر، وأنتِ أيضاً.
              قالت جيرالدين: - هذا صحيح؟
              - قال الأب بصوت هادئ أكثر ومشوب ببعض القلق:
              - والآن أظهري نفسك.
              - شعرت "فأرة السم" ببعض الخوف، الخوف من العودة إلى المنزل، والخوف من عدم العودة، والخوف من السحر الذي جعلها... مختلفة، أما الآن، فقد اكتشفت شيئاً آخر، وهو أن الأهل أيضاً، قد يشعرون بالخوف.
              اعترفت جيرالدين بعد فترة:
              - إنني لا أستطيع الخروج من مخبئي...
              - ماذا؟ أين أنت؟ سوف نكسر الباب إذا كنت محبوسة بغير قصد، لكن، على الأقل، قولي لنا أين أنتِ! إننا نسمع صوتك في البهوِ، ومع ذلك فأنتِ لستِ هنا.
              قالت فأرة السم: - خطأ؛ إنني موجودة هنا!
              - لكن أين؟ أين؟ أين؟!!
              - هل تريدون حقاً رؤيتي في الحال!
              قال الوالدان معاً: - طبعاً!
              - لماذا تهتمان بي كل هذا الاهتمام وأنا لا أستطيع أن أظهر، بينما لا تفعلان ذلك أبداً، عندما أكون ظاهرة للعيان؟
              ومن جديد، تبادل الأبوان نظرة.
              قال الأب: -عندما لا تريد فتاة صغيرة الظهور، يعتبر هذا وضع غير طبيعي اعترفي بذلك.
              قالت الفتاة: - إنني أعترف بذلك، إنني أعترف. ثم تابعت، وبصوت أرق: -سوف أخرج من مخبئي بالتأكيد، إذا حضرتما لي طعاماً، وتركتماني وحدي هنا عشر دقائق.
              قال الأب: -"جيرالدين"... إن وجبة طعامك تنتظرك منذ ثلاث ساعات في المطبخ!...
              - حسن، إنني أحب أن أتناولها معكما في قاعة الاستقبال.
              قال الاب: - لقد تناولنا طعامنا وحدنا...
              - هذا لا يدهشني كثيراً؛ لكنكما تودان تناول شراب ساخن أيضاً.
              وتبادل الأبوان نظرة ثالثة:
              قالت الأم: -هيّا، لِنُعِدْ تسخين الطعام كله. وذهبت مع زوجها إلى المطبخ، حيث بدأا يتحدثان بصوت منخفض
              رددت "فأرة السم" عشرات العبارات السحرية، وهي تنظر إلى المكان الذي يجب أن تكون فيه المرآة، لكن شيئاً لم يظهر، وحتى المرآة ظلت مختفية. ثم فكرت طويلاً، وأخيراً أتتها فكرة. الفكرة نفسها التي خطرت لـِ "التمساح الشجاع" عندما نفخ في الجهة المعاكسة لبوقة. تيار-تيار معاكس، مرادف -ضد...
              أدارت المرآة، ونظرت إلى ما افترضت أنه ظهر المرآة...

              تعليق

              • حمادة الشاعري
                عضو متميز
                • Aug 2006
                • 5861

                #187
                الرد: قصص عالمية

                وَظَهَرَ "شيء" ثم يداها وذراعاها وجسدها ورجلاها، وأخيراً ظهرت "جيرالدين" بأكملها. تركت كرسيها وذهبت إلى المطبخ، حيث جذبتها إليه محادثة والديها، والرائحة اللذيذة المنبعثة من قدر الطعام.
                "كوكا كولا" لم تحدث له تلك المشاكل كي يعود إلى منزله، لكنه عانى من مشاكل مختلفة. ومع ذلك، كان هو الذي قام بأحسن حيلة في تلك الأمسية. فبعد أن هرب من دائرة "الخيالة الخامسة" أطلق ساقيه للريح، وقام بعدة جولات حول المدينة، حتى يضيع آثار الأقدام، وصعد إلى منزله دون متاعب.
                كما في أغلب الأحيان، لم يكن عمه قد عاد بعد، وحتى إلى ساعة متأخرة في هذه الليلة، طبعاً، لن يخلو الأمر من بعض ألسنة السوء التي ستخبره أن ابن أخيه عضو في هذه "الجماعة المخيفة، وسوف يقصون عليه الحكاية بأكملها، "ويا سيدي العزيز، ويا سيدتي العزيزة... هل تدركون مدى خطورة هذه الأعمال في مثل عمرهم؟...". لكن هروبه عندئذٍ سوف يكون قصة من الماضي البعيد. والمهم أن عمه لم يعايش الحدث بنفسه.
                وضع "كوكا كولا" القنبيط على النار ليسخن، وفي أثناء ذلك أخذ ينظر إلى الجزدان الجميل الذي أخذه من منزل القبيلة. لقد كان مصنوعاً من الجلد الأسود، وله قفل مزدوج من النحاس الذهبي اللامع ويعمل بالضغط. كان جزداناً حقيقياً للنقود القديمة، وهو تحفة نادرة. وكان خفيفاً جداً، ولا يُحِدثُ قفله أيَّ صوت عند فتحه أو إغلاقه: ولكنه كان فارغاً دون شك. وتمنى "كوكا كولا" أن يجد فيه بعض القطع النقدية القديمة، ليتمكن من بيعها لأحد هواة جمع النقود الأثرية!
                كان الجزدان يتألف من طبقتين منفصلتين مع قفل خاص لكل منهما. وعندما فتح الطبقة الأولى وجد مفاجأة عظيمة عظمة ورقة نقدية من فئة المئة فرنك، وهي التي وجدها بالضبط، ورقة جديدة طواها ووضعها على الطاولة.
                - يا للحظ السعيد!

                تعليق

                • حمادة الشاعري
                  عضو متميز
                  • Aug 2006
                  • 5861

                  #188
                  الرد: قصص عالمية

                  وصار يحاول أن يحصي عدد قطع العلكة وزجاجات الكوكا كولا التي كانت المئة فرنك تمثلها. وكان هذا بالنسبة له صعباً، لأنه لم يكن أبداً لامعاً في مادة الرياضيات، ومع ذلك كان سعيداً جداً، لأن الحظ ابتسم أخيراً لأكثر الناس ضعفاً. وفتح الطبقة الثانية:
                  -هذا مستحيل!
                  وجد ورقة ثانية من فئة المئة فرنك، طواها ووضعها إلى جانب الورقة الأولى، بعد أن خصّها بنظرة حنون تعادل نظرته الأولى. ولم يعرف تماماً عدد العلكة وزجاجات الكوكا كولا التي أصبحت تعادلهما الآن. لكنه اكتفى بالتفكير بأنه يكفيه أن يضاعف نتيجة العملية الأولى ليأخذ فكرة عن الكمية الرائعة التي تمثلها، ابتسم، وبما أن الابتسام لم يعد كافياً؛ أخذ يضحك بصوت عال، وبكل قوته.
                  وأخيراً، وبعد أن هدأت انفعالاته، تحقَّق جيداً من أن المحفظة خالية من أية نقود، ثم أقفلها.
                  لم يكن قد حدث قبل الآن، أن واتاه الحظ وأمسك بورقتي نقد من فئة المئة فرنك بيده، وكانتا ملكه وحده.
                  "أين يخبئهما؟.. في المحفظة نفسها طبعاً! كما يجب أن يخفي هذا الكنز بعيداً عن متناول أعين ويدي عمه" وفتح الطبقة الأولى ليضع ثروته... صُعِق!
                  - لقد وجد ورقة جديدة، نعم، ورقة ثالثة! ثلاثمائة فرنك! تمتم قائلاً دون أن يجرؤ على تصديق ذلك: - حسنٌ، هذه نقود!
                  مئة فرنك لشراء العلكة، ومئة للكوكا كولا، ومئة لشراء ألعاب سحرية ليقتسمها مع أفراد "قبيلة الخمسة". مئة فرنك من الكرات ذات الرائحة الكريهة، والشعر للحكّ، والسائل الجليدي المقرص، ومفرقعات، وبودرة العطس...و..
                  وكيف له أن يعرف... لننظر قليلاً من الناحية الأخرى... آ آ ا ا ه ه!! ورقة رابعة! كلا، لكن أربعمائة فرنك! وأخذ يضحك، ويضحك! وكان كلما أقفلها وأعاد فتحها وجد أورقاً جديدة! سحر! هذا سحر! ما هذا الاختراع؟! أوه! كيف ستكون تعابير وجوه أصدقائه غداً عندما يخبرهم... كلا، لن يقول شيئاً لأحد.
                  وكدس الأوراق المالية التي حصل عليها بعضها فوق بعض مدة خمس أو عشر دقائق، على أية حال، إنه الوقت الكافي الذي لزم لرائحة القنَّبيط المحروق لتصل إليه وتسحبه من مقعده.
                  - اللعنة! القِدر!.. هذا لا يهم؛ بكل هذه الأموال، أستطيع شراء قدر جديدة آخرى!
                  ورمى بالقدر ومحتوياتها في سلة القاذورات، وعاد إلى جزدانه السحري ناسياً جوعه، ولم تتوقف هذه التحفة الثمينة عن الإنتاج خلال النصف الأول من الليل بأكمله. وكوكا كولا يجمع ويرصف الأوراق، كل عشر منها معاً، ثم أخذ يجمع كل عشر حزم من الأوراق في رزمة واحدة، ويضعها في حقيبة كتبه. لقد أصبح مليونيراً بالفرنكات القديمة، وإذا تمكن من البقاء وحده طوال الليل؛ فسوف يصبح مليونيراً بالفرنكات الجديدة.
                  لكن عمه عاد فجأة.
                  ولم يتمكن كوكا كولا إلا من إخفاء جزدانه، بينما ظلت الأوراق النقدية كلها على الطاولة، ورآها عمه ففتح عينيه مشدوهاً.
                  - إيه! أين وجدت هذا؟
                  ولم يكن لدى الفتى متسع من الوقت للتفكير، وكان عليه أن يحسن استغلال نباهته، ولم يكن ينوي أن يكشف سره، وبالأحرى لم يعرف كيف يشرح ما حدث، ثم إنه كان من الأفضل له أن يفقد ثروة كبيرة كهذه من أن يفقد "الشيء" الذي أنتج هذه الثروة.
                  أجاب بهدوء مصطنع: -لقد وجدتها في الشارع.
                  - ماذا؟ كيف هذا؟ في الشارع؟!
                  - نعم!
                  - هل فقدها شخص ما؟

                  تعليق

                  • حمادة الشاعري
                    عضو متميز
                    • Aug 2006
                    • 5861

                    #189
                    الرد: قصص عالمية

                    بكل تأكيد، إنني لا أعتقد انه رماها في صندوق القمامة.
                    وتلمَّس العم كل الأوراق النقدية، وفحصها على ضوء المصباح.
                    - الحق يقال، هذا الشخص ربح الجائزة الكبرى في اليانصيب.
                    قال كوكا كولا بكل عبقرية: - ولمن نعيد المبلغ إذا كنا لا نعلم من الذي فقده؟ وبينما كان العم يخلع معطفه البائس ووشاحه الممزق وجد جواباً مناسباً، وقال أخيراً:
                    - سوف نضع إعلاناً صغيراً في الجريدة المحلية.
                    - ألا تعتقد أنه سوف يكون هناك العديد من "الزبائن"؟
                    - هم، هم.. هذا صحيح. سوف نأخذ المبلغ ونسلمه للشرطة.
                    - للشرطة؟ -صرخ كوكا كولا- كل هذا المال؟ ولكن هذا سيوقعنا في ورطة كبيرة معهم.
                    قال العم وهو يفتش في المطبخ:
                    - أوه! إنها بالطبع ليست نقوداً مسروقة، أنت تعرف ذلك.
                    - أين القنَّبيط؟
                    - احترق، في صندوق القمامة!
                    دمدم العم غاضباً: -كيف في صندوق القمامة؟ وهو يضع لنفسه شطيرة من جبنة الكاممبير، وأخذ يأكل وهو يقرأ بعض السجلات التي سقطت من جعبته وتناثرت على الطاولة بين الأوراق المالية، وبعد فترة، نهض وتثاءب ثم قال:
                    - إنني أشعر بالنعاس، لقد تجاوزت الساعة الواحدة صباحاً، كم جمعت من المال؟
                    - يوجد أكثر من مئة وثلاثين ألف فرنك، من الفرنكات الجديدة طبعاً.
                    - هذه ثروة كبيرة! هل المبلغ كله هنا؟
                    تردد كوكا كولا قليلاً.
                    - إيه... توجد كمية منه في حقيبة كتبي.
                    لقد فضل أن يعطيه الأوراق النقدية بنفسه، لأنه كان متأكداً من أن عمه سوف يفتش في أغراضه، واحتفظ لنفسه بسر الجزدان السحري الذي يصنعها، هذا إذا أراد ذلك ثانية.
                    ونام تلك الليلة نوماً مضطرباً. وبينما كان "التمساح الشجاع" يحلم في نومه بأنه يقود سيارات كبيرة من النوع الثقيل وقد أصبح رجلاً كبيراً، و "فأرة السم" تحلم بأنها تسترق السمع لتعرف ماذا يقال في اجتماعات مجلس الصف، وهي مختفية عن الأنظار -كان كوكا كولا يحلم بأنه أغنى من "العمّ ذهب" وأذكى منه، وأنه كان مطارداً من عصابات حاولت حتى الآن اغتياله مرتين للحصول على جزدانه العجيب، وسقط مرتين من سريره.


                    تعليق

                    • حمادة الشاعري
                      عضو متميز
                      • Aug 2006
                      • 5861

                      #190
                      الرد: قصص عالمية

                      إذا كنتم تعتقدون أن "التمساح الشجاع" و "فأرة السم" و "كوكا كولا" قد قضوا ليلة غير عادية، فانتظروا سماع قصته "الزئبق" كي تتمكنوا من الحكم على الأمر حكماً صحيحاً.
                      نذكر أن "الزئبق" خرج من بيت الغابة وهو يحمل منظاراً وضعه في جيبه، وهرب من الغابة بفضل خدعة "التمساح الشجاع" وركض مسافة عدة مئات من الأمتار، ودار حول البنايات الكبيرة في المدينة، من الناحية الجنوبية، وفضّل العودة عن طريق موقف السيارات الكائن تحت الأرض، خوفاً من أن يكون أحد منتظراً إياه عند المدخل الرئيسي للبناية التي يقطن فيها، وكان على حق.
                      تسلل نحو البناية المجاورة، ومشى بمحاذاة حائط المبنى واختبأ في الظل، عند زاوية الحائط، ثم أخذ يتأمل، من بعيد، المنحدر الذي تدخل منه السيارات القابعة على بعد عشرين متراً، يا للخسارة!
                      كان أسوأ حارس موجوداً هناك، لقد اختار ذلك المكان كي يستنشق الهواء النقي ويدخن غليونه بهدوء، أو أنه بالأحرى جلس هنا يراقب المكان بعد أن اكتشف نوايا هذا الولد المشاغب، يا لظلم القدر!
                      بسبب تأخير بسيط، قاموا بتجنيد كل القوى العاملة سليمة البنية، وسدوا جميع المنافذ، ولماذا أيضاً لم يقوموا بوضع حارس على صهوة جواده أمام كل شجرة من أشجار المتنزه؟ ونظر الزئبق بتمعن إلى البناية (ب)، بنايته التي كانت تنتصب أمامه، وشاهد نافذة غرفة نومه مفتوحة، في الطابق الثاني، وبجوارها نافذة غرفة نوم أهله مضاءة من الداخل، حيث كانت انعكاسات أنوار التلفزيون تتماوج على سقف الغرفة وتداعبه لكن والديه لم يكونا يشاهدان التلفزيون، لأنهما ذهبا للمشاركة في البحث عنه مع الآخرين...
                      ولمعت فكرة في ذهن "الزئبق": بما أن النافذتين كانتا مفتوحتين؛ فلماذا لا يحاول الدخول من إحداهما إلى المنزل؟ إنها، على أية حال، لم تكن عالية جداً! وعند تسلّق الأشجار القريبة... لكن الحارس كان يجلس قريباً جداً من الحائط، ونافذة غرفة والديه تطل على مدخل المرآب تحت الأرضي...

                      تعليق

                      • حمادة الشاعري
                        عضو متميز
                        • Aug 2006
                        • 5861

                        #191
                        الرد: قصص عالمية

                        وأراد الزئبق أن يتأكد من أن المنزل خال من الجميع، فتسلق بهدوء شديد الشجرة، التي يختبئ خلفها من الحارس، متحاشياً تحريك أغصانها وامتطى غصناً كبيراً مواجهاً لنوافذ المنزل، وأخرج منظاره من جيبه، لا شيء أفضل من هذا المنظار في موقف كهذا.
                        وشاهد بوضوح، من مكانه المرتفع، وبفضل منظاره المقرب، شاشة التلفزيون، وتأكد من عدم وجود أي شخص أمامه، كانت الشقة تبدو خالية تماماً. لقد ذهب الجميع ونسوا إطفاء الأنوار، صحّح وضع مفتاح منظاره بحيث تمكن من رؤية شاشة التلفزيون أقرب وأوضح، وفي هذه اللحطة عُرض فيلم دعائي: كان عشرة شبان يضحكون بصوت مرتفع، ويضربون بأيديهم على أردافهم ليثبتوا جودة نوع معين من "الجينز". وفجأة، ودون سابق إنذار، تخطوا الشاشة، وتدافعوا في الغرفة، وانحنوا من النافذة، دون أن يتوقفوا عن الضحك والضجيج.
                        خفض "الزئبق" منظاره وهو لا يصدق عينيه، كانت العصابة لا تزال أمامه وتحدث ضجة كبيرة مالبثت أن لفتت انتباه الحارس الذي وجه إليهم ملاحظات كي يكفوا عن عبثهم في هذا الوقت المتأخر من الليل، فسخروا منه، وتعالى ضجيجهم وحدثت مشاجرات وتبادل شتائم، ودار الحارس حول البناية بقصد الصعود من جهة المدخل الرئيسي للبناية، ولما وصل، قرع الجرس ليستوضح الأمر منهم في الحال.
                        ما إن اختفى الحارس عند زاوية البناء، حتى أنزل الشبان سلماً مصنوعاً من الحبال، ونزلوا عليه وهم يضحكون ويقفزون في المتنزه....
                        وبقي السلم متدلياً من النافذة على الحائط، ورأى "الزئبق" في هذا إشارة واضحة من القدر؛ فاندفع بسرعة وتسلق السلم بلمح البصر، ودخل إلى غرفته، ثم سحبه إلى الداخل ولفه ووضعه تحت سريره. وما كاد يفرغ من عمله حتى سمع صوت الجرس. وذهب الفتى ليفتح الباب وقد ارتسمت على وجهه علامات البراءة.
                        قال الزئبق بكل احترام: - مساء الخير يا سيد "مطراق"!
                        - مساء الخير أيها الفاسد! وبالمناسبة، هل أنت موجود هنا؟
                        - طبعاً أنا هنا، يا سيد "مطراق"!
                        - قل لي إذاً، هل هؤلاء الشبان، الذين لا يتوقفون عن التطلع من النافذة ومضايقتي، هم أصدقاؤك، إنني لا أحب ذلك أبداً كما تعلم ! ثم إنهم يسببون جلبة ضخمة، والناس هنا يحتاجون للراحة والهدوء بعد يوم عمل مضنٍ، بينما أولئك الشبان لا يقومون بأي عمل طوال النهار، فتجدهم غير متعبين عند المساء. أين هم؟!
                        - لا يوجد أحد غيري في المنزل، يا سيد "مطراق".
                        - وأهلك؟
                        - لقد خرجوا، يا سيد "مطراق".
                        - آه، نعم! لقد نسيت... إنهم يبحثون عنك في كل مكان.
                        - ماذا؟ هذا مستحيل! إنني هنا يا سيد "مطراق". كما ترى بعينيك.
                        - إنني أرى بالفعل.... إذاً ما الأمر؟

                        تعليق

                        • حمادة الشاعري
                          عضو متميز
                          • Aug 2006
                          • 5861

                          #192
                          الرد: قصص عالمية

                          لقد عدت اليوم من المدرسة مبكراً عن العادة، يا سيد "مطراق"
                          - إيـ يـ يـ ـه؟ همـ مـ مـ مـ م! أوووووي! حسناً ليس هذا من شأني، لكن أين اختفى أولئك الشبان؟
                          - ربما كانوا في الطابق الأعلى، يا سيد "مطراق".
                          - نعم، في الطابق الأعلى... سوف أصعد لأرى.
                          - حظاً سعيداً يا سيد "مطراق"، إلى اللقاء "مطراق" أفندي!
                          أغلق الزئبق باب البيت بلطف شديد. ثم أخذ يقفز فرحاً وهو يفكر في الحارس الذي سيصعد كل طوابق البناية، وسرعان ما نسي أمر الرجل وركض إلى غرفة والديه حيث كان عليه أن يحل اللغز الذي أنقذه.
                          أغلق باب الغرفة خلفه، وجلس مقابل التلفزيون، يحدق إليه.
                          لم يدرك قبل قليل ما حدث، وأراد أن يعرف ماذا وراء هؤلاء الفتيان الذين خرجوا من هذه العلبة، هل كانت رؤيا بسيطة أم هذياناً؟
                          ولكن لا، السلم، سلم الحبال ! لولاه لما استطاع أن يصعد إلى هنا... آه، ما الذي حدث بالضبط؟
                          أخرج منظاره، من جديد، من جيب سرواله، وفحصه، ثم رفعه إلى عينيه ونظر إلى الشاشة، التي كانت تعرض أيضاً إعلاناً، وشاهد طباخاً يرتدي زيه الكامل: قبعة وكل شيء، كل شيء، وهو يطبخ على نار خفيفة، في عُشرٍ من الثانية، أطباقاً متنوعة، وذلك بفضل قدر ضاغطة، وهو يثني على ميزاتها، ومن خلال منظاره، رآه "الزئبق" يكبر ويكبر، ثم يخرج من التلفاز وهو يحمل بكلتا يديه طبقاً يحوي قطعة من لحم العجل المشوي، ويضعه على المنضدة، أنزل "الزئبق" منظاره ورأى الطباخ يقف في ركن من أركان الغرفة وهو يبتسم له، وكان اللحم ساخناً.... وكانت بعض القطع قد شُرّحت شرائح ومعدّة على نحو شهي... هم م م.. وتذكَّر أنه لم يأكل بعد، وأنه جائع جداً، انحنى الطباخ أمامه بكل أدب واحترام وطلب منه الإذن بالانصراف. وبعدما حصل عليه خرج إلى بهو البيت ثم إلى الدرج وكأنه يعرف المكان معرفة تامة.
                          بدأ "الزئبق" تناول قطعة من اللحم وهو ينظر إلى التلفاز الذي كان يعرض مجموعة من الألبان بالفاكهة، فسارع إلى وضع منظاره وحصل على مجموعة جميلة منها، وعندما شعر أنه اكتفى أنزل المنظار وحمل غنائمه إلى المطبخ حيث أكل مثل "باشا"، لقد اكتشف المقدرة الخارقة التي يتمتع بها منظاره، دون أن يحاول شرحها لنفسه. وأعتقد أنه ليس عليه أن يشرحها لأي شخص آخر، وكان كل ما عليه أن يمتّع نفسه بهذا السحر وأن يستخدمه جيداً.
                          وبعد قليل، نام في قاعة الاستقبال على مقعد والده. وسرعان ما استيقظ على صوت ضجيج.
                          لقد عاد أهله، وكانوا في غاية الإرهاق والغضب، لأنهم كانوا يبحثون عنه في كل مكان، بينما هو جالس هنا بكل هدوء، وكانوا يتساءلون من أين جاء باللحم والألبان التي كانت تغطي الطاولة.
                          وقرر الزئبق أن يأخذ زمام الأمر؛ فنهض، وبقفزة واحدة وصل إلى مكتب والده، حيث أقفل الباب على نفسه بالمفتاح.

                          تعليق

                          • حمادة الشاعري
                            عضو متميز
                            • Aug 2006
                            • 5861

                            #193
                            الرد: قصص عالمية

                            ومن وراء الباب سمع الوالد والوالدة والجد والجدة والإخوان والأخوات والكلب والجيران والحارس وزوجته، كلهم يصيحون بأعلى أصواتهم، ويطلقون التهديدات التي كانت تتصاعد؛ فمن حرمانه من التحلية (متأخر جداً!) إلى حرمانه من العطلة الصيفية (مبكر جداً!)، وكان "الزئبق" ينظر إلى الباب وينتظر اللحظة التي سينكسر فيها القفل وينصب جام غضبهم عليه. فتراجع إلى الخلف مبتعداً عن الباب حتى لا يقع على رأسه في حال تحطمه. وفي هذه اللحظة شاهد "الإعلان".
                            كان والده، والحق يقال، لا يتعاطى السياسة، ولم يكن ينتمي إلى حزب سياسي معين؛ لكن كانت له أفكاره التي يدافع عنها ولا يأبه لنشرها والجهر بها. وكانت قد جرت في الشهر الماضي انتخابات لتعيين رئيس الجمهورية؛ فاختار الأب مرشحه، وقام بالدعاية له في كل مكان تقريباً، وعلق صورة كبيرة له في صدر مكتبه، وتم انتخاب هذا المرشح بالذات رئيساً للجمهورية، إما بالمصادفة، أو بفضل جهود الوالد... وربما لسبب آخر لا يعلمه.. وهكذا أصبحت صورة هذا المرشح هي صورة رئيس الجمهورية.
                            كان "الزئبق" لا يتعاطى السياسة قط، فهو لا يعرف مثلاً متى خُلع ملك فرنسا، أو أن ذلك قد تم مرات متعددة... ولم يخطر بباله من قبل أن يطلب من رئيس الجمهورية أن ينقذه من ورطة مع والديه، لكن الآن، ونظراً لأهمية الظروف التي يمر بها، والوضع المتوتر الذي يعيشه، فقد كان بوده أن يعرف إذا كان منظاره يملك.. مقدرة سحرية على الإعلانات الانتخابية كالتي يمارسها على الإعلانات التلفزيونية.
                            فأمسك به ورفعه إلى عينيه...
                            وعمل السحر عمله! وكان هذا دليلاً واضحاً وكافياً على أن الإعلان الإنتخابي يعادل دعاية تلفزيونية جيدة. وأخذ المرشح الذي صار رئيساً للجمهورية يتحرّك ويبتسم وقد عادت إليه الحياة....
                            ثم خرج من الصورة، وأخذ شكله الطبيعي في غرفة المكتب.
                            ووقع "الزئبق" فريسة شعوره بالضيق والحرج من الضجة التي كانت تصدر من الغرفة المجاورة.
                            - هم م م. قال ببساطة.
                            - يا صديقي الصغير - قال الرئيس بصوت دافئ- من الأفضل أن نفتح باب المكتب، وإذا اقتصر الأمر على مطالبة بسيطة فسوف نقوم باللازم.
                            فتح "الزئبق" الباب، فاندفع إلى المكتب عشرات الأشخاص ، ووقع بعضهم فوق بعض، وفي خضم هذه المعمعة، سمعت تصّرفات وتساؤلات عديدة حول الشخص الموجود إلى جانب "الزئبق" وأخيراً، نهض الجميع بسكون وتثاقل، والدهشة تملأ نفوسهم.
                            - لقد كنا في اجتماع، قال الزئبق بصوت مرتفع.
                            وسمعت بعض الهمسات؛ فقد تعرَّفوا إلى الرئيس، لأنهم كانوا قد شاهدوا صوره، على شاشة التلفزيون وجدران المدينة، والحملة الانتخابية لا تزال حية في أذهانهم، والأغرب من ذلك أن الرئيس بدا وكأنه يعرف والد "الزئبق" معرفة جيدة؛ مما أعطى لهذا الرجل الشجاع شهرة ودعاية كبيرتين خدمتاه طويلاً، بعد زوال المفعول السحري.
                            ودعي الرئيس لتناول طعام العشاء، ولم يجرؤ أحد على سؤاله عن سبب قدومه إلى هنا. وفشلت والدة "الزئبق" في إعداد أي طبق، وهدرت بذلك أموالاً كثيرة مما أدى إلى انهيار أعصابها:
                            فاضطروا لحبسها في غرفة صغيرة بعيداً عن الرئيس.
                            وشعر "الزئبق" أنه انتقم لنفسه، وبدا مثل سيِّد كبير، ثم اختفى لحظات معدودات في غرفة أهله، حيث استغل عرض آخر الأفلام الدعائية لهذا اليوم، وأخرج منها ما يكفي لإطعام مجلس الوزارء بأكمله، وكل ذلك بفضل منظاره العجيب.
                            يبدو أن الإعلانات التلفزيونية تهتم كثيراً جداً بالطعام!






                            تعليق

                            • حمادة الشاعري
                              عضو متميز
                              • Aug 2006
                              • 5861

                              #194
                              الرد: قصص عالمية

                              عينا السيدة «بلوشون» المستديرتان


                              لم تأخذ "الريشة السريعة" أي شيء من السقيفة معها، وهكذا لم يكن بحوزتها أي سحر عندما كان عليها مواجهة قوات "الخيالة الخامسة" ولكن يمامة بيضاء رافقتها طول الطريق، ولا يعرف أحد من أين جاءت أو من أي قفص طارت، وسارت وحيدة بعد أن فرّ أصدقاؤها واختفوا.
                              استطاع العدو اكتشاف "الريشة السريعة" فوراً، بعد ابتعاده عن "التمساح الشجاع"، وتعرفوا عليها بسرعة كبيرة لأنها لم تكن تملك شارباً ولا تتمتع بموهبة الاختفاء؛ فأحاطوا بها وأوقفوها. وعند طرف الغابة، في الليل المظلم، انطلقت الأسئلة من كل ناحية كالصواريخ.
                              - "ساندرين"! ماذا تفعلين هنا؟
                              - لِمَ لم تعودي إلى البيت في الوقت المحدد؟
                              - أين الآخرون؟
                              - كم كان عددكم؟
                              - ماذا كنتم تفعلون خلال هذا الوقت؟
                              - متى ستنتهي هذه المهازل؟
                              - ألا تدركون أنكم تبالغون كثيراً معنا هذه الأيام؟
                              - هل يجب أن نحبسكم؟
                              - أهذا ما تريدونه؟
                              - إنكم محظوظون جداً، هل تعتقدون أنه كان بإمكاننا أن نفعل ما تفعلونه الآن عندما كنا بمثل عمركم؟
                              - وما الذي ستخترعونه غداً؟
                              - والدروس؟ هل أنا التي سأدرسها عنكم؟
                              لم يكن باستطاعة "الريشة الخفيفة" الرد على هذه الأسئلة، لأنهم وعلى أية حال، لم يتركوا لها فرصة للكلام، ثم إن الإجابات التي كانت ستعطيها ستزيد الأمر سوءاً. وما لبثوا أن أمسكوا بها، وراحوا يشدّونها ويتنازعونها، ويدفعون بها، وحاولت، دون جدوى، في أثناء هذا الهياج أن تجد عذراً مقنعاً أو سبباً كافياً لتبرير تأخرها، خاصة وأنها أقسمت على كتمان السر حول نشاطات "قبيلة الخمسة".
                              وبعد أن كانت الحمامة قد هربت عند قدوم الزمرة المتوحشة، عادت تحوم حول "الريشة السريعة". ورأتها السجينة المسكينة.
                              صاحت الريشة السريعة دون أن يسمعها أحد:
                              - آه، يا حمامتي!
                              فحطَّت الحمامة على كتفها، وكان الفريق الهائج قد وصل إلى وادٍ مضيء، فشاهدها الجميع.
                              - حمامة! من أين أتت؟
                              - هل هي لك؟
                              - أين وجدتها؟
                              - ياه، ما أجمل هذا الطير؟.
                              وتوقفت فرقة الخيالة، وقد أغشى الطائر البديع عيونهم، ونسوا تقريباً الفتاة الصغيرة وعودتها المتأخرة، وحاول كل منهم تناول الحمامة أو مداعبتها أو التحدث إليها أو إمساكها أو إيقافها على أصابعه؛ ولكنها في كل مرة كانت تهرب وتعود لتقف من جديد على كتف أو رأس أو سبابة "الريشة السريعة". وهكذا تحولت المعركة إلى عيد كبير، وعاد الجميع إلى المدينة، دون أن يفكر أحدهم بالأسباب التي دفعتهم إلى الذهاب إلى الغابة.
                              صعدت "ساندرين": "الريشة السريعة" إلى منزلها، ترافقها الحمامة التي قررت الإقامة على زاوية مائدة الطعام، وكان هديلها الجميل واصطفاق جناحيها وقفزها من مكان إلى آخر، يستأثر بألباب واهتمام العائلة بأكملها.
                              وبينما كان الأهل والإخوان والأخوات يلعبون مع الطائر حضرت "الريشة السريعة" الطعام لنفسها، وأكلت بنهم، وشاهدت التلفزيون حتى آخر نهاية الإرسال، ثم ذهبت لتنام، ولم يكلمها أحد بعد ذلك أو يسألها عن سبب فرارها.

                              تعليق

                              • حمادة الشاعري
                                عضو متميز
                                • Aug 2006
                                • 5861

                                #195
                                الرد: قصص عالمية

                                وبدا جلياً أن الجميع قد نسوا هذا الموضوع.
                                كان اليوم التالي يوماً عادياً في المجمع الدراسي "كورنتين -كلايبون" وعندما انتشر التلاميذ في ساحة المدرسة، قبل دروس الفترة الصباحية، اجتمع أفراد "قبيلة الخمسة" في ركنهم الصغير المفضل، بعيداً عن أعين وآذان الفضوليين، ثمّ لاذوا بالصمت إزاء أحداث الليلة الماضية، و اكتشافاتهم السحرية وعودتهم غير المألوفة؛ وذلك لأنهم لم يتجرؤوا على الحديث عنها، ولم يتصور أي منهم أن السحر الذي ساعده قد امتد ليشمل رفاقه الآخرين، واعتقد أنه الوحيد الذي يملك قوة سحرية فريدة في نوعها، وإن بقي مصدرها مبهماً عليه، ولم يرَ أنه من الضروري كشفها للآخرين، خوفاً من أن يسخروا منه أو أن لا يصدقوه.
                                دخلوا الصف وبعضهم يتغامز مع بعضهم الآخر، وقد قرر كلٌّ منهم، في قرارة نفسه، أن يستعمل سحره، وأن يكشف عنه لرفاقه لاحقاً، بعد أن يكون قد أثبت مفعوله.
                                ونتيجة هذا الالتباس، فقد أجمعوا، دون قصد، على ضحية بريئة واحدة هي السيدة "بلوشون"، التي كان عليها أن تفتح عينيها إلى أقصى مدى حيث بدتا كصحون صغيرة، وأن تتساءل مرات عديدة طوال هذا الصباح عما إذا كانت قد فقدت عقلها فعلاً؛ وذلك لأن كل الألاعيب التي ابتدعوها كانت لشدة إدهاشها تؤدي حتماً إلى مثل هذه النتيجة.
                                بدأت الأحداث بلعبة من "فأرة السم"، عندما طلبت منها المعلمة أن تسمّع درسها، واكتشفت هذه الأخيرة أن الفأرة ليست في الفصل، فقد كان مقعدها في الصف الثاني خالياً، ثم اتضح أن هذا غير صحيح، لأن "فأرة السم" كانت تلقي قصيدتها من مكان ما من الفصل، دون أن يتمكن أحد من تحديده بالضبط، وعندما انتهت من إنشادها شوهدت واقفة أمام السبورة تبتسم وهي تنتظر الحصول على درجة جيدة.
                                لقد أسمعت الدرس دون أدنى خطأ، لكن السيدة "بلوشون" كانت قد فقدت صوتها، وعادت "فأرة السم" إلى مقعدها، وتعثرت في طريقها بين المقاعد بحقائب التلاميذ المرمية على الأرض، ووقعت، وعندما حاولوا مساعدتها على النهوض لم يجدوها، ونادتها المعلمة التي بدأت تستعيد شيئاً فشيئاً صوتها عدة مرات، ففتح باب الصف، ودخلت "فأرة السم" وهي تتمتم بضع كلمات تعتذر بها عن تأخرها! وجلست أخيراً في مكانها ولم تتحرك بعد ذلك.
                                رفعت السيدة "بلوشون" رأسها، ووجدت أن الطقس حار؛ فأعطت إشارة لفتح النافذة، ولكن هذا لم يصلح الموقف إذ أخرج "الزئبق" من جيبه منظاره، وأخذ يراقب الطريق.
                                وعندما أرادات المعلمة أن تصادره، سُمِعت في الخارج صيحات ومناقشات حادة، وانتهى الأمر بجلبة شديدة، فاندفع التلاميذ إلى النافذة، واستطاعت المعلمة بعد جهد كبير، أن تلقى نظرة "ضرورية" على الشارع، من فوق أكتاف الجميع.
                                كان الجدار المواجه للمدرسة مغطى بالإعلانات الدعائية وأصبح مكانها الآن عبارة عن حفر كبيرة تخرج منها إلى الطريق أنواع متعددة من الشخصيات تنبع من الإعلانات التي كانت ملصقة عليه. فهذا نوع من عصير الفاكهة الغريبة، يستحضر بالصور مباهج حمّامات البحر، ويرمي في الشارع "مجموعة صناعية" من النساء اللواتي يرتدين "مايوه البيكيني" والنظارات الشمسية، من ذوات الابتسامات الحارة واللون البرونزي، وهن يشربن عصير الفاكهة بوساطة المصّاصة/ قشة المص/.
                                وما كنّ ليصدرن هذه الضجة الكبيرة لولا أن إعلاناً مجاوراً تحرر في اللحظة ذاتها مطلقاً حشداً فوضوياً من ميكانيكي السيارات الفخمة، مكلّفاً بتعريف المارة على نوع من زيوت السيارات ذي مواصفات فريدة في نوعها، وقاموا، فعلاً؛ بصب محتويات الصفائح التي يحملونها على قارعة الطريق، مما أدى إلى انزلاق النساء "بالبيكيني" وارتفاع الصيحات والمناقشات التي لفتت انتباه الصف ومعلمته.
                                كانت هناك إعلانات أخرى. وقع نظر "الزئبق" الحاد على إعلان لنوع من الأجبان، معروض مع مجموعة فلاحين يرافقهم قطيع من الأبقار، وجاء هذا الجمع البديع لينضم إلى الجمهرة، وطغى خوار البقرات ورنين أجراسها على جميع الأصوات الأخرى، بينما كان الجميع يلوصون، بمرح، بالزيت اللزج، وينزلقون عليه بأيديهم وأرجلهم أو على ظهورهم، وهم يحاولون بيأس التمسك بمقاعد جلدية كان بعضهم قد انتزعها من إعلان "كل شيء للمنزل!"

                                تعليق

                                • حمادة الشاعري
                                  عضو متميز
                                  • Aug 2006
                                  • 5861

                                  #196
                                  الرد: قصص عالمية

                                  وحضروا بعد ذلك عرضاً مدوياً لمطاحن كهربائية تطحن البن، ولرحلة طيران تزلجية مقززة لدراجات يابانية، ثم شاهدوا عرضاً لحشد متشابه من صور للأم "دينز" وهن يمشين بخطا متزنة وقد اصطفت كل ثلاث منهن مع بعضهن، وكل واحدة تدفع أمامها عربة وضعت فيها الغسيل النظيف.
                                  وبعد قليل، نُثِرَ نوع من مسحوق الغسيل على الأرض، مما أدى إلى امتصاص زيت المحركات فوراً. وهكذا، احتشد كل تلاميذ المدرسة على النوافذ، من الصف الأول الابتدائي حتى الثالث الثانوي، وكانوا يصفقون فرحاً لكل مشهد من مشاهد العرض.
                                  وانتهت الفترة الصباحية بعرض لعصابة من السُّكارى الذين استولوا على محتويات إعلان دعاية للخمرة والكحول.
                                  ضبطت السيدة "بلوشون" أعصابها، واستجمعت شجاعتها، بعد أن أغلقت نوافذ الصف، وقررت إعطاء درس في الرياضيات، مع أنها كانت تتوقع مواجهة صعوبة كبيرة في تنفيذ ذلك.
                                  كانت مهمة الشخصيات التي حررها واستحضرها منظار "الزئبق" السحري هي تقديم المساعدة لمن أطلق سراحها. وما دامت قد بقيت في الشارع فإنها لن تشكل سوى عرض رائع. ولكن العكس هو ما حصل، بعد أن دخلت واحتلت ساحة المدرسة. وقد جرى ذلك في فترة فسحة الظهيرة تماماً؛ فعندما نزل التلاميذ والمعلمون إلى الباحة وجدوا أنها قد تحوّلت إلى ساحة معرض حقيقي، حيث خصصت كل شركة لنفسها منصة، وعرضت عليها منتجاتها، وكان الإقبال على منصة "البيكيني" شديداً، مع أنها لم تكن للبيع، واندفع الجميع نحو منصات بيع عصير الفاكهة، والأجبان، وكذلك إلى منصة بيع نوع جيد من السكاكر.
                                  اشترك الأساتذة والمعلمون والمدير في هذه الهستيريا الجماعية، وراحوا يجربون السيارات الجديدة، والدراجات والمقاعد والثلاجات وفراشي الأسنان وأجهزة التلفزيون، وأبسط من ذلك بكثير، كان كل أنواع "بيرة الألزاس". يا للخسارة! لم يكن هناك شيء يوزع مجاناً كل شيء كان للبيع، وسال لعاب التلاميذ أمام الحلويات المعروضة، ولم يكفِ مصروف الجيب الذي كان يحمله بعضهم إلا ليطفئ عطشهم الفتي في الخمس أو العشر دقائق الأولى من الفرصة.
                                  وحانت ساعة عمل "كوكا كولا"!
                                  خلال الفترة الصباحية، وفي ظل مقعده، كان "كوكا كولا" قد صنع، سراً، مجموعة من الأوراق النقدية من فئة المئة فرنك. فصعد بسرعة لإحضارها، ولما عاد كان يحمل حقيبة مليئة بها.
                                  جلس في ركن من أركان الباحة وراح يوزعها واحدة تلو الأخرى لكل من كان يطلبها، وبما أن "كلاً منهم" كان يريدها، فقد أصبح، خلال ربع ساعة، التلميذ الأكثر شهرة ضمن فريق مدرسته، وعندما انتهى مخزون الأوراق، وقد حصل هذا بسرعة، كان عليه أن يصنع أوراقاً أخرى من جديد، وظل يفتح ويغلق، دون توقف، جزدانه العجيب الذي صار قفله يحرق أصابعه.
                                  استطاعت السيدة "بلوشون" أن تبقى بعيدة عن هذا "المستنقع" الإعلاني، ووقفت كالتمثال في أعلى السلم، وأخذت تنظر بدهشة كبيرة ممزوجة بشيء من الاشمئزاز، إلى هذه المهزلة المجنونة الصاخبة التي كانت أحداثها تدور تحت قدميها. ولم تقم بشراء أي شيء وعندما دق الجرس انتهاء الفرصة، كانت هي الوحيدة التي استطاعت أن تجمع تلاميذ صفها وكان "التمساح الشجاع" هو التلميذ الوحيد الذي تخلف عن ندائها، كان المدعوون "الخبراء" قد شاهدوا الكثير هذا الصباح ولم يساورهم شك في أمر غيابه.
                                  بعد فترة قصيرة من بدء الدرس، سُمِع طرق على باب الفصل، فتحت السيدة "بلوشون" الباب، فدخل المدير يتبعه رجل طويل في مقتبل العمر، ذو شارب وذقن، واتضح أنه المفتش الجديد للمرحلة الابتدائية، وقف الجميع لهما باحترام، ورسمت السيدة "بلوشون" على شفتيها ابتسامات عريضة، لم يكن ينقصها سوى إعلان جيد لمعجون أسنان.
                                  انصرف المدير، وقام المفتش بطرح بعض الأسئلة على بعض التلاميذ في جدول الضرب وتاريخ فرنسا. وعلى الرغم من الأخطاء العديدة في إجاباتهم، حكم بأن هؤلاء التلاميذ يستحقون علامات جيدة جداً، وترتيباً "ممتازاً"، مما أدى إلى إثارة دهشة المعلمة. وربما كانت المصادفة البحتة، او أي شيء آخر هو الذي جعل كل التلاميذ الذين وُجهت إليهم الأسئلة ينتمون لهنود "قبيلة الخمسة".
                                  وبعد ذلك، بحث المفتش في دروج مكتب المعلمة، حيث وجد كل الأشياء والحلويات والسكاكر المصادرة من الطلاب خلال الشهور السابقة، فنصح بإعادتها لأصحابها، مضيفاً بأن السكاكر يمكن استهلاكها الآن إذا رغب الأولاد في ذلك.
                                  ورغب الأولاد في ذلك طبعاً!

                                  تعليق

                                  • حمادة الشاعري
                                    عضو متميز
                                    • Aug 2006
                                    • 5861

                                    #197
                                    الرد: قصص عالمية

                                    وأخيراً، طلب المفتش من السيدة "بلوشون" أن تغني أغنية، وكانت هذه، من سوء حظها، نقطة ضعفها، هي التي تتمتع بميزات أخرى جليلة، وكذلك بمعرفة تامة وعميقة بقواعد اللغة والنحو. لكن هذه الناحية الأخيرة لم تكن لتلفت انتباه المفتش الجديد، الذي أصر على الغناء "الموسيقى -شرح هذا الأخير قائلاً- يجب أن تأخذ مركزاً كبيراً في حياة الفصل، ويجب أن تمارس مرات أكثر. بينما يجب أن تخفض ساعات القواعد، أو حتى.. تُلغى!"
                                    كانت السيدة "بلوشون" ما تزال تحت تأثير زيارة المفتش الجديد المفاجئة لصفها، وكذلك تحت تأثير أحداث الصباح، فأصدرت أصواتاً ناشزة، فانفجر جميع التلاميذ بالضحك، من وراء كتبهم، حتى المفتش أيضاً أخذ يضحك، ثم شكرها بأدب وخرج.
                                    وانتهت الفترة الصباحية بدرس موسيقى، بعد ذلك قام المفتش بزيارة فصول أخرى، وأخذ جميع تلاميذ المدرسة يغنون بأعلى صوتهم حتى الساعة الحادية عشرة والنصف.
                                    وخرج التلاميذ إلى الشارع مثل المجانين، ولم يستطع أحد منهم أن يتناول وجبة غدائه، لأن السكاكر والحلويات والمشروبات التي اشتروها بفضل نقود "كوكا كولا" قد ملأت بطونهم، وقليل منهم من لم يعانِ من عسر الهضم في ذلك اليوم.
                                    وفي بداية فترة بعد الظهر، عاد "التمساح الكبير" للظهور في المدرسة وكأن شيئاً لم يكن، مع أنه بدا عليه أنه كان على اطلاع كبير ومعرفة لزيارة المفتش التي لم يحضرها، وحضر أفراد "القبيلة" جميعاً، ولكن نسبة الغياب في الفصول كلها كانت عالية جداً.
                                    ولم تأت السيدة "بلوشون" أيضاً، مع أنها لم تحشُ معدتها بالحلويات، انتظرها الجميع أكثر من ساعة، وعندما لم تحضر، فحص المدير نشرة الأرصاد الجوية، والبرامج المدرسية وكذلك المدرسين وقرر في النهاية أن تعطِّل المدرسة عطلة عامة هذا اليوم، قوبل القرار بتصفيق حار من الجميع.





                                    تعليق

                                    • حمادة الشاعري
                                      عضو متميز
                                      • Aug 2006
                                      • 5861

                                      #198
                                      الرد: قصص عالمية

                                      مجلس السحرة


                                      قال التمساح الشجاع: -حسناً! ليس هذا كل شيء!
                                      يجب الاعتراف بأن بعض "الأشياء" التي حدثت كان غير عادي. وقد قام كل فرد من القبيلة بعمل ما، وبطريقته الخاصة، كما أعتقد، إذاً، ما فائدة النظر في الهواء ونحن نصفر، وأيدينا في جيوبنا، ناهيك عن أنه لا علاقة لنا بالموضوع!
                                      كان "الهنود" قد اضطروا إلى ترك مكانهم المفضل، القريب جداً من االمغاسل حيث أصبح الجو خانقاً بسبب حرارة الطقس، وجلسوا بالقرب من سور الباحة الحديدي الذي يفصلها عن الأرض العراء، تحت شجيرات الجوز.
                                      سأله كوكا كولا - مالذي تريد قوله؟
                                      - أريد القول إن ما حدث هذا الصباح لم يكن مجرد حلم، لقد حدث كل شيء فعلاً كما رأيناه، ولا تزال معي بضع أوراق نقدية من أوراقك.
                                      وأخرج الأوراق من جيبه وعرضها عليهم.
                                      قالت الريشة السريعة: -هذا غريب، لقد أنفقنا كثيراً جداً من الأموال هذا الصباح، حتى أن رؤ ية هذا المبلغ الكبير لم تعد ثؤثر فينا، عندما يحصل المرء على كل ما يريده، تفقد الأشياء قيمتها!
                                      قاطعها التمساح الشجاع: -ليس هذا سؤالي!
                                      إن الذي أريده هو أن يتكلم أفراد القبيلة الذين يملكون قدرات أو ألاعيب سحرية، ويخبروننا بها.
                                      لقد أقسمنا على السرية والتعاون فيما بيننا، أليس كذلك؟
                                      نظر بعضهم إلى بعض بحذر.
                                      قال الزئبق: -ابدأ إذاً، بنفسك، هيا!
                                      وتوجهت الأنظار نحو الرئيس، الذي شعر أنه مجبر على القبول، فأخرج بوقه وعرضه للمجموعة.
                                      - هذا هو "الشيء"، عندما أنفخ بداخله، كيف أشرح ذلك... إنني أتحول بطريقة ما، بالأمس، تحولت إلى ضابط مباحث. وهذا الصباح أصبحت مفتشاً للمرحلة الإبتدائية. ودوِّنوا عندكم، ليس الشكل هو الذي يحدد الفرق بين مفتش مباحث ومفتش ابتدائي، وإنما طريقة التصرف والأداء.
                                      قال الزئبق: - وكيف يعمل هذا "الشيء" يا ترى؟
                                      - ومن أين لي أن أعرف؟ لقد اكتفيت بالنفخ ورأيت النتيجة، وهذا هو كل شيء، والآن أترك الكلمة لكم.
                                      عندئذ أخرجت "فأرة السم" مرآتها، وعرضتها أمامهم، فتبادلوها فيما بينهم، واستطاع كل منهم بدوره أن يختفي عن الأنظار فترة.
                                      شرحت لهم فأرة السم: - لا يكفي فقط النظر إلى المرآة، يجب أن تبتسموا أيضاً، لقد احتجت إلى وقت حتى اكتشفت هذا.
                                      ثم أعطاهم "كوكا كولا" جزدانه الذي كان لا يزال يعمل بفاعلية كبيرة، وبكرم منقطع النظير، تماماً مثل الأمس واليوم.
                                      - إن عمي لم يفهم شيئاً عن هذه الرزمة من النقود حتى الآن. إنه يتحدث فقط عن نيته تسليمها للشرطة، لكنه، في الواقع، رتبها في درجه.
                                      - سوف ترى! إنه سيحتفظ بها لنفسه!
                                      - ليس أكيداً. إنه، كما تعلمون، شخص غريب الأطوار ولا يمكن التنبؤ بما سيفعله إطلاقاً.
                                      وبعدئذ، تحدث "الزئبق" عن منظاره، وعن الناحية الجيدة فيه التي يجب استغلالها، وعندما أراد الآخرون تجربته، رفض خوفاً من فوضى جديدة من دون جدوى، واعترف أنه لم يكن يعرف بعد مدى قدرات هذا الشيء.
                                      قال التمساح الشجاع: -إننا نملك منذ الأمس قدرات غريبة.
                                      كيف جرى هذا؟ ولماذا "نحن" ؟ إنني أتساءل! وأنتِ أيتها "الريشة السريعة" ما الذي نجحت في عمله؟
                                      أجابت قائلة: - لاشيء. لم أحمل معي من السقيفة شيئاً
                                      - يا للخسارة!
                                      - نعم، ولكن، أستطيع الاعتماد عليكم عند الحاجة. لماذا يجب أن نكون جميعاً خارقين؟
                                      - أنتِ على حق، أنا، على الأقل، سأعطيك من نقودي.
                                      - وأنا سوف أجعلك تختفين عندما تريدين ذلك!
                                      - وأنا سأجعلك تتحولين سيدة حقيقية!
                                      - وأنا سأضع الإعلانات تحت تصرفك!
                                      قالت الريشة السريعة: -أنتم لطفاء جداً، كنت أعلم أنني أستطيع الاعتماد عليكم. ويوجد لدي شيء آخر: هذه اليمامة:
                                      - أية يمامة؟!
                                      وظهرت اليمامة في السماء، وجاءت لتقف على كتف "الريشة السريعة".
                                      قالوا معاً بصوتٍ واحد -ياه! جميلة جداً!
                                      وانهالت كلمات المديح على الطائر من كل صوب:
                                      - كيف جاءت في المرة الأولى؟
                                      -هكذا! وحدها.
                                      - وما هي الفائدة منها؟!
                                      - لا شيء، لم آخذها من منزل "القبيلة"، لقد جاءت من تلقاء نفسها، ولا أدري إذا كان لها أي تأثير سحري، على أية حال، إنها تأتي دائماً، عندما ينادى عليها.
                                      - هذا هو الأمر إذاً!؟

                                      تعليق

                                      • حمادة الشاعري
                                        عضو متميز
                                        • Aug 2006
                                        • 5861

                                        #199
                                        الرد: قصص عالمية

                                        قال الزئبق: -إنني أتساءل، كيف يعمل السحر، إنني لا أؤمن به.
                                        قال التمساح الشجاع: -السحر لا يمكن تفسيره، السحرةَ الكبار هم وحدهم الذين يعرفون هذا!
                                        - إذاً، لقد قمنا بالسطو على منزل ساحر دون أن نعلم.
                                        - هذا خطر كبير.
                                        - ربما كان يبحث عن أغراضه في هذه اللحظة!
                                        - وربما يملك أدوات أخرى تسمح له باسترجاع ما أخذناه!
                                        - سينتقم منا إذاً!
                                        صاح التمساح الشجاع: -هدوء! ليس ضرورياً الخوف من لا شيء! إن الأشياء ليست كما تبدو دائماً، وهذا هو سر السحر.
                                        - ما الذي تقصده؟
                                        - إن ما أريد قوله، هو إنني عندما أنفخ في البوق مثلاً، فقد لا أتحوَّل رجلاً في الواقع، إنما يكون ذلك بكل بساطة، عبارة عن تخيُّل!
                                        - والآخرون الذين يشاهدونك؟ نحن، كما تعلم، ظننا أنك مفتش فعلاً هذا الصباح.
                                        - أقصد أن الشعور الذي ينتابني، أستطيع نقله إلى الآخرين، هذا كل ما في الأمر، ألم تروا مشعوذاً أبداً وهو يقطّع امرأة داخل صندوق، ونصدق ذلك حقيقة، ثم تعود المرأة وتخرج وهي مكتملة الجسم.
                                        - نعم، لكن تلك ألاعيب يتدربون عليها مئة مرة أو أكثر قبل تقديمها إلى الجمهور. بينما نحن، لم نفعل ذلك!
                                        قال التمساح الشجاع: - لاريب في ذلك، لم أحاول شرح هذا لنفسي!
                                        - وكذلك نحن لا نحاول شرح غياب السيدة "بلوشون" عصر هذا اليوم.
                                        - آه، وهذا أيضاً يمكن تفسيره، لقد عانت من انفعالات عديدة هذا الصباح!
                                        - وبما أننا، بشكل أو بآخر سحرة... (أو مشعوذون وهذا الوصف ينطبق على الهنود أكثر)، فأعتقد أنه يجب علينا أن نستغل هذا؛ لأن مثل هذه النعمة لا تدوم طويلاً، وبما أن السيدة "بلوشون" قد أكرمت جيداً أقترح أن ننتقل للسيد "مطراق"!
                                        - ومن يكون؟
                                        - إنه حارس البناية عندنا. وهو شخص أحمق، وأنا أدين له بعلقة من كل اثنتين، إنه دائم التجسس علي، لقد لعبت عليه مساء أمس لعبة، لكنها تُعدّ ترّهة قياساً إلى ما يستحقه. أقترح أن نخرج له هذا المساء أحسن ما لدينا.
                                        - سوف يكون الأمر مسلياً!
                                        - طبعاً! خاصة وأننا نعرف الآن إمكانيات كل واحد منا.
                                        قالت فأرة السم: - أستطيع أن أطرق جميع أبواب البناية دون خوف.
                                        أضاف التمساح الشجاع: -وأنا أستطيع أن أثيره، ثم أُشبعُهُ ضرباً.
                                        - وأنا أستطيع أن أخبِّئ عنده كمية من المال ثم أبلّغ الشرطة عنه.
                                        صاحت الريشة السريعة -برافو! لا أشعر بالأسف إلا لشيء واحد فقط: إن قدراتكم السحرية لم تستطع أن تجلب لكم شيئاً من الذكاء، من المؤكد أنني لن أجد أولاداً أكثر حماقة منكم، وأحب أن أقول لكم إن روح الدعابة هي التي تنقصكم!
                                        قال الزئبق: - معها حق، علينا إيجاد أشياء أكثر تسلية.
                                        قالت فأرة السم وهي تتنهَّد:
                                        - وبعد ذلك، سوف نهتم قليلاً بالحيّ الذي أسكن فيه. هذا ما آمله، يجب أن أثأر لنفسي.
                                        قال التمساح الشجاع عند نهاية الإجتماع:
                                        - سوف يكون لكل واحد منكم دوره.

                                        تعليق

                                        • حمادة الشاعري
                                          عضو متميز
                                          • Aug 2006
                                          • 5861

                                          #200
                                          الرد: قصص عالمية

                                          وبانتظار ذلك، أقترح عليكم أن تذهبوا وتلعبوا مع باقي التلاميذ حتى ساعة انتهاء الدوام، وبعد ذلك، سوف نجتمع من جديد. توجد هنا آذان تسترق السمع إلى ما نقول!
                                          تركوا المكان وتفرقوا في الملعب، وعندما اشتركوا في الألعاب التي كانت قد نظمت، وجدوا صعوبات بالغة في حفظ السر، وعدم استعمال السحر للفوز على الآخرين، فـ "فأرة السم" التي شاركت في لعبة "التخباية"، كانت تود لو استطاعت استعمال مرآتها السحرية، و "التمساح الشجاع" كان يود أن يكبر ويطول عدة سنتيمترات لكي يكون صقراً أكثر فعالية.
                                          و "كوكا كولا" كان يرغب في شراء كريّات جديدة فوراً، عوضاً عن التي كان يفقدها باستمرار أثناء اللعب.
                                          ولكن الجرس دق، وقفز "الهنود الخمسة" خارج سور المدرسة وهم يصيحون فرحاً، وانطلقوا في غبار الطريق.


                                          تعليق

                                          مواضيع مرتبطة

                                          Collapse

                                          جاري العمل...